مشاهدة النسخة كاملة : للتوثيق والتأريخ - ما كتب عن الهوية السودانية والثقافة
ابوبكر
03-05-2008, - 10:56 PM
هوية السودان ما بين العروبية والافريقانية والخلاسية ..
’’ يا بعض زنجية .. إلي عرب ممزوجة بي دم الزنوج الحارة ديل أهلي .. وديل قبيلتي لمن أدور أفصل للبدور فصلي .. ولو ما جتيا .. من زي ديل وا مأساتي وا أسفاي وااااا ذلي .. ‘‘
من التعريفات ’’ أو التسميات ‘‘ التي كنت قد قرأتها في هذا الخصوص ما كتبه الراحل المقيم البروفيسور محمد ابوالقاسم حاج حمد ’’ هوية السودان لم تتشكل بعد ـ فقد حدد الإستعمار حدود السودان جغرافياً ، قبل أن تولد الحركة الوطنية ‘‘ وما يقصده هنا هو الحس الوطني والإنتماء لجغرافية الوعاء الثقافي الشامل الذي يقبل كل منهم الآخر بكل سيئاته وحسناته ، دون إلغاءه أو إقصاءه أو هضم حقه الأدبي أو الثقافي أو الإجتماعي أو اللغوي أو العرقي أو التغول عليه .
فتشكيل الهوية الوطنية تحتاج لكثير من الزمن ، بعد أن تتحول الدولة من التقليد القبلي ، إلي الحداثة المدنية ، حتي تزرع الوعي بالوطنية ، التي تجذب الكل إلي حلقة الهوية الوطنية ، للإتفاق معاً بالتنوع أو التماذج أو الإنصهار في بوتقة تسمي تعريفاً مجازاً الهوية الوطنية للسودان . تحسه في السوداني من أثره . بغض النظر عن شماله وجنوبه وشرقه وغربه . فتلك تقسيمات إقليمية ، لا تلغي الوعاء الشامل . الوطن السودان ، حيث تتمثل التشكيل الخاص بالسودان داخلياً من الوسط متمدداً نحو الأطراف ، وتارة جاذبة الأطراف إليها .
قد لا أكون مخطأ إذا قلت أن الحوار السوداني السوداني مبنيٌ علي الإستعلاء والمناقرة ليست فقط علي مستوي الثقافة أو الهوية بل حتي داخل الأحزاب والإنتماءات الرياضية والديمغرافيا السكانية ، وهذه سمة غلبت علي طبيعة الشعب السوداني ، ولا أدري متي نشأ هذا ’’ المرض ‘‘ وكيف بدأ ، فأصبح الجدل البيزنطي والإستعلاء الفكري والثقافي والعرقي هو أساس ما نسميه مجازاً بالحوار، وقد يعلم الكثيرين ما كانت تنتهي إليه أركان الحوار وسط ما يطلق عليهم مجازاً بـ’’ النخبة أو الصفوة ‘‘ أؤلئك الطلبة الجامعيين ، وكيف تنتهي أركان نقاشاتهم وحواراتهم وندواتهم بطريقة ميلودرامية حيث يلجأ الأطراف إلي ’’ السيخ والعكاز وغيره‘‘ في محاولة لحسم الحوار بالضربة القاضية ، تمشياً مع مقولة الشاعر :
السيف أصدق إنباءاً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
ما أنا بصدد جمعه وتوثيقه هنا ليست صراعات الأحزاب ، وما آل إليه حالهم ، وإن كنت سوف أميل بعض الشئ إلي بعض الجوانب التي إمتزجت لتخرج ثقافة الهوية السودانية ، فللأحزاب نصيباً وبصمة ظاهرة علي تقسيم الجغرافيا البشرية علي خارطة السودان ، وهذا فيما أورده البروفيسور محمد ابوالقاسم حاج حمد بأن ’’حزب الأمة قد إستعان بتقسيم غرب السودان إلي دوائر صغيرة حتي يزيد عدد مقاعده في البرلمان ‘‘، علي حساب الحزب الوطني الإتحادي ، وبذلك ليتفوق عليه ، مستخدماً توسع الغرب أفقياً في مساحة مربعة علي غير المركز الجغرافي لحزب الوطن الإتحادي .
مسألة الهوية السودانية أخذت الكثير من حيز التفكير لدي النخب الأوائل في السودان ، وطريقة تشيكل وتصنيف السودان ’’ ثقافياً وأدبياً ـ وعرقياً ‘‘ . ولا يمكن أن نتجاوز اللغة العربية في السودان بأي حال من الأحوال ، بأنه القاسم الذي جمع السودان حتي من قبل تشكيل السودان الحالي ، وإن كانت لغة إستعمار فهي قد جمعت الدويلات التي قامت من قبل تشكيل السودان الحالي ، إذا إفترضنا أن السودان الدولة أول من أسسه بهذه الحدود الجغرافية هو محمد احمد المهدي ، الذي أخرج الإستعمار التركي المصري من السودان وجعل أم درمان عاصمة للسودان . فالحقيقة الثابته أن مملكة سنار كانت تستخدم اللغة العربية كلغة رسمية للدولة ، وإن كانت لم تلغي اللغات المحلية ، وغيره من الدويلات التي كانت قائمة قبل أو بعد ، فمن ما هو معروف ومؤكد للجميع أن اللغات المحلية كانت محصورة في نطاق القومية المحلية ، ولم تتجاوزها إلي سيادة علي جغرافية السودان ، حتي إن الإستعمار التركي قد فشل علي نشر اللغة التركية في السودان . وإن كان الإنجليز قد حاولوا نشر اللغة الإنجليزية في الجنوب لتكون اللغة الرسمية إلا أننا نري فشل التجربة واضحة ، لأنها أصبحت لغة صفوة فقط ، في مقابل اللغة العربية التي إنتشرت لتكون لغة التواصل بين القبائل الجنوبية . وكم كنت أود أن لو تركت النخب العروبوية اللغة الإنجليزية تنتشر جنباً إلي جنب مع اللغة العربية في الشمال والجنوب معاً ، حتي تتسع ماعون الثقافة السودانية لغوياً ومعرفياً ، ويستسهل أبناء السودان وسيلة التواصل و الإتصال بكل الثقافات شرقية ً كانت أم غربية ، كما هو الحال في الكثير من الدول مثل ’’ ماليزيا ـ وسويسرا وغيرهم ‘‘ .
ربما يكون أول من بدأ بالتفكير والكتابة بتحديد الهوية السودانية هو احمد خير المحامي ، صاحب فكرة مؤتمر الخريجين ، ’’وهذا حسب ما قرأته حتي الآن من كتابات نادت بتسمية الهوية السودانية‘‘ .
من خلال قراءتي عن ما كتب عن الهوية السودانية إستوقفتني ( تيار الغابة والصحراء ) ، لأنها إستطاعت أن تقرأ واقع الهوية السودانية من حيث المكان والزمان بواقعيتها دونما تزييف ، فنجد أن الدكتور محمد المكي أبراهيم قد لخص مسألة الهوية السودانية :
وعلي الغابة والصحراء
في محاولة منه أن يعطي كل ذي حق حقه بهذه الوصفية البسيطة ، دون الخوض في التفاصيل الداخلية ، أو التنبوء بمكنونات الحروف وتحميلها أكثر مما تحتمل . الشاعر الدكتور محمد المكي ابراهيم وضع المشاهد الواقعية التي يراها كل إنسان بالعين المجردة ، بلوحة حرفية تحكي مشهد الهوية السودانية ، مع إحتفاظ كل إقليم بتفاصيله وما يريد أو أراد أو اُريد به . وهذه محمدة كبيرة ونظرة ثاقبة للأمور بزواياها العامة دونما الدخول في مماحكات أو جدلية الفرض والإفتراض .
كل ناظر إلي جغرافية السودان البشرية لا يستطيع إلا أن يري السودان بهويته هذا ، أو يسميه الهوية السودانوية ، دون الشد والجذب ، لأن أي محاولة لجذب السودان إلي جهة ومحاولة ترجيح كفة علي الأخري ، سيلغي الآخر ويقصي وجوده ثقافياً وعرقياً وإجتماعياً .
يصف الكثير الشمال بالعروبي ’’ ويعنون الشمال العام ـ من كوستي وحتي حلفا ‘‘ متناسين أن الشمال الشمالي وأعني الولاية الشمالية حالياً أو ما كان يسمي قديماً بالمديرية الشمالية والتي كانت رئاستها دنقلا وحتي حلفا لها هويتها الخاصة ’’ الهوية النوبية - النوبيين النيليين ‘‘ وربما عاد الدكتور جون قرنق إلي هذا التأريخ لتحديد الهوية السودانية ’’ دولة كوش ق .م ‘‘ ، ومن هذه النقطة إستخرج فكرته الذي أسماها بـ’’ السودان الحديث ‘‘ رغم أنه رد علي الدكتور غازي صلاح الدين عتباني في آخر لقاء حوار معه ، بأنه ليس سوداني ، وعلي الحكومة إن كانت جادة في الحوار معي للوصول إلي إتفاق أن ترسل بعثتها القادمة برئاسة سوداني أعترف بسودانيته ’’ !! ‘‘ ونري هنا التعارض بين الفكر والتطبيق ، لدي السيد الدكتور جون قرنق . فهو لا يقبل بسودانية السيد غازي صلاح الدين ، ويريد أن يقيم سوداناً جديداً ؟؟
هوية الشمال النوبي وإن كان قد إمتزج عرقياً بعض الشئ بغيره من العرقيات ، فإنه ما زال محتفظاً بهويته الثقافية ولغته القديمة ، ونري ذلك ظاهراً في تسميات المدن والقري (كل المقاطع التي تنتهي بـ ’’ كتي و أرتي و كول وآب ، ترجع لأصول نوبية ـ مثال منصوركتي ـ كدكول ـ حامد نارتي ـ العالياب ) ، وليس هذا فحسب بل أن اللغة النوبية قد دخلت بشكل كبير في مفردات العامية العربية في شمال السودان ، فنري ذلك بوضوح في غناء الطمبور .
حيث يقول ود اليمني :
ابوك يفتل في الحبال ما خلي شيتاً إسمو عشميق ’’ والصحيح في اللغة النوبية ـ أشمي ‘‘ ويقصد بالأشمي لحاء النخل الذي يصنع منه الحبال ـ ويسمي الحبل الطويل منه حبل الوجج ‘‘ .
وكثير من مثل هذه المفردات ..
من الخطأ الفادح ما يروج له بعض النُخب السودانية بأن الصراع الحاصل في السودان سببه الهوية ، ويضربون لذلك حرب الجنوب مع الحكومات منذ قبل الإستقلال مثلاً لذلك بأنه صراع هوية ، وحتي إن كانت هذه الحرب قد بنيت علي كذبة الإستعمار الذي أشعل الفتيل الأول لهذه النار التي دامت نصف قرن من الزمان ، وتشكلت وتلونت في مختلف مراحلها وحقبها الزمنية من لون إلي لون ومن ثوب إلي ثوب ، فلا يمكن بحال من الأحوال أن نرجئ سببه إلي الهوية أو الثقافة ، ولا يمكنني إلا أن أصفه بحرب الوكالة والأطماع الشخصية ، كما هو الحال في الغرب والشرق .
فها نحن نري الجنوب الذي ترفض اللغة العربية تستعيض عنها باللغة الإنجليزية في مسيرة أقل ما توصف به كحالة المستجير بأم عمر ، رغم إنتشار اللغة العربية قاعدياً أكثر من اللغة الإنجليزية .
أعتقد أنه قد آن الأوان لإحياء اللغات المحلية وإعادت إنتاجها لتكملة حلقات الثقافة السودانية والهويات القومية في السودان . مع الوضع في الإعتبار أن هذا لا يعني رفض الآخر أو التقليل من شأنه بل رفض كل كلمة تقلل من شأن اللغات المحلية ومتحدثيها ’’ يا رطاني ـ يا أب لساناً أغلف ‘‘ ، بل قبوله بعلاته وصفاته التي عليه ، ومن هنا تكون نقطة تشكيل الهوية السوداينة بالتزاوج الفكري وليس الإجتماعي الذي يسيح العرقيات في بعضها البعض ، وأعني بالتزاوج الفكري وتلاقحها ، أن تتشكل الثقافات القومية كل حسب جغرافيته ، ومن ثم تُضمن في لوحة واحدة كبيرة تسمي السودان ، بحيث يري الناظر للوحة السودان عدة ألوان متمازجة في ما بينها ومرتبطة برابط الوطن السودان ، مجسدة هوية متنوعة مؤتلفة مع بعضها البعض ومتوافقة ومتضامنة الوحدة ، ولعل الدكتور عبدالقادر جراهام قد سار في هذا الدرب وقطع فيه شوطاً كبيراً ، وجهد يُقدر له فيما أنتجه من عمل فني يعكس الثقافة السودانية وهوية الإنسان السوداني من شماله إلي جنوبه ومن شرقه إلي غربه ، ممثلة في الفرقة القومية السودانية والتي لاقت ترحيباً كبيراً في كل بقاع السودان ، من ما يعني أن الهوية السودانية قد تكونت فنياً وثقافياً منذ أمد بعيد ، فكل الجنوب يستمع لوردي ومحمد الأمين وكابلي وعبدالقادر سالم في إيقاع التمتم وغيره من الإيقاعات ويتجاوب معه طرباً . ونجد إيقاع ’’ الردوم ‘‘ الطمبور في كل السودان من أقصي جنوبه إلي أقصي شماله طولاً ، وعرضاً كذلك نجده من أقصي غربه إلي أقصي شرقه .
هذه مقدمة عن رأيي في الهوية السودانية صغته ملخصاً من قراءاتي لعدة حوارات وأوراق ونقاشات عن الهوية السودانية وبعض الكتب .
(ورأيي خطأ يحتمل الصواب ورأي غيري صواب يحتمل الخطأ ).
فإن أخطأت فبما كسبت يدايَ ، وإن أفلحت فمن الله .
في الحلقات القادمة سأحاول جمع كل ما كتب عن الهوية السودانية .
ابوبكر خيري .
ابوبكر
03-05-2008, - 11:14 PM
آخر تحديث: الأحد 26 فبراير 2006 16:21 GMT
اسئلة شائكة حول هوية السودان: عربي ام افريقي ام ماذا؟
محمد خالد
بي بي سي - لندن
ما هي هوية السودان؟
أهو بلد عربي، أم افريقي، أم هو عوان بين ذلك؟
سؤال بحجم مليون مليون ميل مربع، هي مساحة السودان الذي يغطي جسده المثخن بجراحات الحروب والإنقلابات السياسية والعسكرية، مساحة كبيرة من خريطة أفريقيا وكذلك الوطن العربي.
نال السودان إستقلاله عن الحكم البريطاني في الأول من يناير/ كانون الثاني 1956، واختار زعماؤه السياسيون على اثر ذلك الإنضمام الى جامعة الدول العربية.
ورغم أن القرار لم يثر آنذاك الكثير من الجدل حول مدى فائدة هذا الإختيار من عدمه، إلا أن هذا الجدل كان يظهر ويغيب بين أوساط السودانيين وفقا للمناخ السياسي المتقلب باستمرار في البلاد.
غير أن سؤال الهوية عاد الى الواجهة، وبكثير من الإصرار والإلحاح في الاونة الأخيرة، كما أسهم في تأجيجه توقيع إتفاق السلام السوداني وما يحمله في باطنه من هواجس الوحدة أو الانفصال.
بنود اتفاق السلام النهائي
الجيش: اذا لم ينفصل الجنوب بعد ست سنوات سيتم توحيد القوات لتكون جيشا قويا قوامه نحو 39 الف جندي
الحكم الذاتي: سيتمتع الجنوب بالحكم الذاتي لمدة ست سنوات يعقبها استفتاء حول الاستقلال
الثروة النفطية: سيتم اقتسامها بالنصف
الوظائف: سيتم اقتسامها بنسبة 70% لصالح الحكومة المركزية و30% لصالح الجنوب، وسيتم توزيعها بنسبة 55% للحكومة المركزية مقابل 45% للجنوب في ابيي والنيل الازرق وجبال النوبة
الشريعة: سيبقى تطبيق الشريعة الاسلامية في الشمال
وتزامن ذلك مع تعالي أصوات دعاة العروبة أوالأفرقة الذين وضعوا اطارا منظما لخطابهم، عقب التطورات التي وقعت على الصعيدين العربي والأفريقي، الأمر الذي زاد من أهمية هذا الخطاب، ورفعه درجات في سلم اولويات الاجندة اليومية للسودان الجديد، الذي بشرت به الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كان يتزعمها الزعيم الجنوبي الراحل الدكتور جون قرنق.
مشروعية السؤال:
وعلى الرغم من ان الكثيرين يعتبرون أن سؤال الهوية يقع ضمن دائرة خطاب الصفوة، وانه لا يمس الحياة العادية للناس، الا ان البعض الاخر يجادل على أهمية السؤال بصفته مدخلا لرسم خريطة طريق جديدة للسودان يحتاج معها لحسم السؤال المعلق حول هويته.
يقول عادل الباز، رئيس تحرير صحيفة الصحافة اليومية المرموقة انه يشعر بتوجس ازاء طرح هذا السؤال، معتبرا انه قد لا يدخل ضمن دائرة اجندة "اكل العيش" اليومية في السودان.
يقول الباز في حديث مع بي بي سي، ان الجدل حول الهوية يثور وقت الازمات، وان مثل هذه القضايا تخرج عندما يصاب المجتمع بالاحباط، مشيرا الى ان الجدل حول الهوية احتدم في حقبة الستينات من القرن الماضي، ثم غاب وخفت حدته ابان السبعينيات ، قبل ان يعود ويظهر من جديد بعد اشتداد حرب الجنوب وظهور خطاب اسلامي في الشمال.
يعتبر الباز ان سؤال الهوية وعلى الرغم من اهميته، فانه لا يسهم برأيه في حل قضايا السودان.
وتساءل :" الى ماذا نريد ان نصل وهل هذه هي القضايا الملحة التي تواجه المواطن السوداني، هل اذا ذهبت الى الشارع وسألت عن الناس عن القضايا التي تشغلهم فلن يقول لك بالقطع ان الهوية هي ما يشغلهم، لذا فما الداعي الى اثارة سؤال ليس هو في اولويات تنمية وليس هو في اولويات مواطن بل قد لا يحتل المرتبة العاشرة في سلم الاولويات.
ويحذر الباز من اثارة مثل هذه الاسئلة، قائلا انه اذا ما واصل السودانيون طرح مثل تلك الاسئلة فان دائرتها سوف تتسع لتشمل القبيلة ثم بطن القبيلة وفخذها حتى يتفتت السودان الى كيانات صغيرة.
ولمساعد الامين العام للامم المتحدة الدكتور فرانسيس دينق وهو سياسي واكاديمي من جنوب السودان رأي آخر، إذ يرى ان سؤال الهوية هو سؤال جوهري، قائلا في حديث مع بي بي سي ان هناك حاجة لمراجعة ما سماه الخطأ التاريخي".
اما فيصل محمد صالح، الذي يترأس تحرير صحيفة الاضواء اليومية، فيقول إنه لطالما تساءل عما اذا كانت قضية الهوية مفتعلة ام حقيقية ويضيف:"احياناً اميل الى الاعتقاد بأنها مفتعلة وان هناك قضايا اكثر اهمية يجب ان تثار ، واحيانا اخرى اشعر بان قطاعات كبيرة من المجتمع معنية بهذا الامر وبأنه من الاجدر مناقشتها وعدم تجاهلها".
غير ان صالح يعتبر ان بروز مثل هذه الاسئلة يعكس بالفعل اننا في حال تقهقر، لأن الامة عندما تكون في حالة فعل حسب قوله فانها لا تلتفت الى مثل هذه المسائل.
هذا صراع مفتعل والغرض منه في واقع الامر خلق بؤر للتنازع لاستغلالها سياسيا
د. منصور خالد - مستشار الرئيس السوداني
اما الدكتور منصور خالد مستشار الرئيس السوداني فيصف الجدال حول الهوية في السودان بأنه "عراك في غير معترك"، واضاف في حديث مع بي بي سي :"ليس هناك من ينكر ان السودان بلد تسود فيه الثقافة العربية، وان اللغة العربية هي لغة التواصل بين اغلب اهله، لكن السودان ايضا يضم ثقافات افريقية واعراق افريقية ولديه تاريخ قديم يعود الى بداية التاريخ".
ومضى خالد الى القول :" هذا صراع مفتعل والغرض منه في واقع الامر خلق بؤر للتنازع لاستغلالها سياسيا".
السودان والعرب:
ويبدو أن أحد أسباب صعود سؤال الهوية والدعوات المطالبة بإختيار الهوية الأفريقية، مرتبط الى حد كبير بما يعتبره بعض السودانيين يأسا من العرب، وردا على ما يعتبرونه تعاليا منهم على السودانيين.
يتندر السودانيون باقتراح قيل انه طرح حول تسمية الجامعة بجامعة الدول العربية والسودان ويؤسس الرافضون عروبة السودان لدعوتهم تلك على حديث متواتر عن رفض بعض الدول العربية مساعي السودان للإنضمام الى جامعة الدول العربية عام 58 بإعتبار أنه دولة غير عربية، ويتندرون على الإقتراح الذي طُرح بتسمية الجامعة "جامعة الدول العربية والسودان".
ويستند البعض الآخر الى تعليق ساخر نُسب الى رئيس السنغال السابق ليوبولد سيدار سنغور يقول فيها إنه كان بامكان السودان أن يصير أفضل الأفارقه الا انه أختار أن يكون أسوأ العرب حسب رأيه.
هؤلاء المطالبون بهوية أفريقية للسودان يدعمون موقفهم بالقول بأن الموسيقى السودانية لا تجد لها آذانا عربية تستمع إليها، بينما تحظى بإنتشار واسع في الوسط الأفريقي خاصة في شرق أفريقيا حيث يعتبر الفنان السوداني محمد وردي فنان أثيوبيا الأول.
دعوات حاسمة:
سؤال الهوية لا يبدو مرتبطا فقط بالنقاش حول ضرورة حسم هوية السودان فحسب، لكنه يتسع ليحمل في طياته دعوات الى الإنسحاب من جامعة الدول العربية، أو الإعلان عن الإنتماء كليا لأفريقيا على غرار ليبيا.
غير أن آخرين يعترضون على ذلك قائلين بأنهم لا يرون مشكلة في إنضام السودان الى أي منظمة عالمية ومن ضمنها الجامعة العربية - لكن المشكلة هي أن تُعتبر عضوية السودان في جامعة الدول العربية ضمن محددات هوية السودان والسودانيين لأن في ذلك هضم لحقوق بعض مواطني السودان الذين يعتبرون انهم ليسوا عربا.
الانسحاب من الجامعة
الصحافي السوداني عمار محمد ادم، يتخذ موقفا صارما ورافضا للعروبة، ويقول إن السودان طالما عاني من الهوية العربية التي فُرضت عليه إبان موجة المد العروبي في الستينات، واعتبر ان الانتماء الى العرب بأنه إنتماء زائف.
ويضيف :" لقد جُررنا جرا نحو العروبة، رغم انه ليس معترف بنا من جانب العرب، وفي اعتقادي فانه ليس لنا أي انتماء عربي الآن ، كما ان العرب لا يعترفون بنا"، حسب قوله.
هذه العروبة تسببت في اندلاع كل أشكال التمرد في السودان، بدءا من حرب الجنوب ووصولا الى نزاع دارفور وشرق السودان .. الحرب في السودان هي الثمرة المرة لهذا الفكر العروبي
عمار محمد آدم - صحافي سوداني
ويمضي آدم إلى القول :"ليس لنا من العربية سوى هذا اللسان، واللغة لا تعبر عن قومية معينة لان اللغة مكتسبة".
ويقول آدم ان ما سماه السعي الى فرض العروبة على السودان مسؤول عن كل حروب السودان واضاف :" هذه العروبة تسببت في اندلاع كل أشكال التمرد في السودان، بدءا من حرب الجنوب ووصولا الى نزاع دارفور وشرق السودان .. الحرب في السودان هي الثمرة المرة لهذا الفكر العروبي".
ويطالب آدم بانسحاب السودان من الجامعة العربية، قائلا :"أول قرار يجب أن يتخذ هو الخروج من جامعة العربية فنحن لم نستفد أبدا من هذا الانتماء بل على العكس سبب لنا المشاكل فقط".
وما هو البديل برأي آدم؟
يقترح آدم انتماء السودان الى منظومة القرن الافريقي او الى الاتحاد الافريقي. بيد ان الدكتور حيدر ابو القاسم الصحافي والاكاديمي يعتبر ان انتماء السودان الى المجموعة العربية لن يمثل اي مشكلة اذا تم ترشيده، قائلا ان الرفض الكامل للعروبة يعد نوعا من المغالاة والتطرف الذي يقع ضمن التوجه الافريقاني.
افضل سبيل للتعامل مع قضية الهوية برأي رئيس تحرير صحيفة الأضواء فيصل محمد صالح هو الاعتراف بالتنوع والتعدد، لأن السودان ليس امة واحدة، بل شعب مؤلف من مجموعات بعضها قومي والاخرى في طور التشكل القبلي لكن ارادة العيش المشترك في هذا الوطن الذي اسمه السودان تؤلف بين الجميع حسب رأيه.
أما الدكتور منصور خالد فيرى ان الهوية الجامعة لأهل السودان هي السودانوية ، اي الاعتراف بأن جميع أهل السودان سودانيون.
في حين يقول الدكتور حسن موسى، الفنان التشكيلي والأكاديمي السوداني الذي يعيش في فرنسا إن هوية السودان الحقيقية هي مصلحته، معتبرا ان الانتماء فقط الى العرب يتسبب في مشكلات، كما يسبب الانتماء الى إفريقيا مشكلات أخرى.
هنا رابط الوضوع (http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/world_news/newsid_4752000/4752592.stm)
مع وعد بالعودة لرأي الدكتور منصور خالد .
ابوبكر
03-05-2008, - 11:44 PM
آخر تحديث: الإثنين 06 مارس 2006 00:19 GMT
نقاشات حامية في الخرطوم حول هوية السودان
محمد خالد
بي بي سي - الخرطوم
هيمن موضوع الحلقة الخاصة لبرنامج نقطة حوار حول الهوية في السودان على المناقشات في اوساط طلاب الجامعات السودانية التي يوجها مقرها في العاصمة الخرطوم.
الطلاب السودانيون يشاركون في استقصاء رأي عن هوية بلدهم
وعقدت هذه الحلقة في قاعة الشارقة بجامعة الخرطوم مساء الاحد.
وهذه هي المحطة الثالثة من سلسلة الحلقات المتخصصة التي تقيمها بي بي سي العربية، وقد سبقتها حلقات مماثلة في كل من القاهرة وعمان.
ومع بدء العد التنازلي لانعقاد برنامج نقطة حوار، كثف فريق بي بي سي من حملته الترويجية في اوساط طلاب الجامعات، بهدف تعريف اكبر شريحة ممكنة بفكرة البرنامج وموضوع الحلقة.
وقد اقامت بي بي سي مجموعة من الخيام في ثلاث من كبريات الجامعات السودانية التي يوجد مقرها في الخرطوم، وهي جامعة النيلين وجامعة الخرطوم وجامعة السودان، فضلا عن مركز عفراء، وهو مركز تسوق فخم في العاصمة السودانية، وكذلك مقهى اوزون.
اهتمام كبير بالبي بي سي بين الطلاب السودانيين
اقبال كثيف
وشهدت تلك الخيام الترويجية اقبالا كثيفا فاق التوقعات، حيث تقاطر الطلاب زرافات ووحدانا نحوها، وانهكموا في تعبئة استمارات الاسئلة الخاصة بموضوع الهوية والتعبير عن آرائهم حول الموضوع.
وفي جامعة السودان، رأيت عددا كبيرا من الطلاب وقد انهمكوا في نقاش حامي الوطيس حول ما اذا كانت هوية السودانية عربية ام افريقية.
سألت احدهم وهو الطالب الهادي قرشي محمد الذي يدرس في كلية الاعلام بجامعة السودان عن رأيه في الامر، فقال انه يعتقد ان السودان يجب ان يكون وطنا للجميع بصرف النظر عن ان يكون عربيا او افريقيا.
الطالبة اسراء النقر اعترضت على ما تعتبره تذبذبا في الرأي وعدم القدرة على حسم الاختيار، قائلة انها تعتقد ان السودان هو بلد افريقي بالقطع، وانها لا تشعر البتة بأنه قطر عربي.
غير ان زميلها يوسف احمد حسن تدخل مقاطعا ليؤكد عروبة السودان وان الدعوة للافرقة هي محاولة للقفز على ثوابت التاريخ والثقافة التي تشير كلها حسب رأيه الى ان السودان عربي عربي عربي حسب قوله.
جامعة الخرطوم
وفي جامعة الخرطوم، كان الاقبال كثيفا على خيمة بي بي سي التي نصبت في مقر اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، الا انه كان اقل قليلا قياسا بالجامعات الاخرى.
بيد ان الطالب عصام محمد الذي يدرس الطب في جامعة الخرطوم يقول ان سؤال الهوية الذي طرحته بي بي سي كان محور النقاشات الطلابية خلال اليومين الفائتين، واشاد بما يصفه جرأة بي بي سي في طرح مثل تلك الموضوعات الحيوية التي تهم الناس في السودان.
54 ورشة عمل
ويتفق الطالب وائل محمد، وهو السكرتير الاعلامي لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم، مع هذا الرأي ، قائلا ان اتحاد الطلاب اقام 54 ورشة عمل حول موضوع الهوية باعتباره اهم موضوع على الساحة وان حسمه قد يسهل حل بقية القضايا.
يقول وائل ان اتحاد الطلاب بات يتبني رسميا الخلاصة التي تم التوصل اليها خلال ورش العمل تلك والتي تنص على ان السودان هو انصهار لهويات عربية وافريقية.
الطالب قصي عثمان الطيب وهو سكرتير العلاقات الخارجية في ذات الاتحاد فيقول ان هوية السودان مرتبطة الى حد كبير بمحيطه الجغرافي، وانه لا يمكن القول ان هوية السودان عربية، كما لا يمكن القول ان هويته افريقية.
خالد محمد ادم من مدرسة العلوم الادارية يتفق مع هذا الرأي لكنه يرى ان الحكومة تمارس شكلا من اشكال الاستعلاء الثقافي العربي الاسلامي على حد تعبيره وان ذلك ادى الى تهميش على مستوى اقليم السودان ما ادى الى وقوع ازمة غرب السودان.
الرابط من هنا (http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_4777000/4777346.stm)
alnfaj
04-05-2008, - 12:16 PM
العزيز ابوبكر
الشكرعلي طرق هذه الابواب للسؤال عن تلكم القضايا والتي تصطف مع
القضايا المسكوت عنها .
في تقديري مبدءيا ازمات الهوية الوطنية قد تكون من المعضلات التي تواجة كل الدول الافريقية قاطبة وهذا نتج عن الشكل الذي قامت علية الدول الافريقية التي صنعها
الاستعماروفقا لمصالحها . فالمعروف ان الدول الافريقية قد قُسمت بين الدول الاستعمارية كل بحسب نفوذة علي مستوي العالم .و عملت تلك الدول علي حشرهذه
الهويات الثقافية المختلفة داخل هذه الحدود الجغرافية التي صنعتها ، ويلاحظ ذلك من
خلال التداخل القبلي الكبيربين الدول الافريقية الا انه يحمد لهذه الدول بقائها علي علي
هذه الحدود والتي لم تشهد نزاعات كبيرة بين الدول ما عدا هنا و هناك مثال ما حدث و يحدث بين ليبيا وتشاد و مصر و السودان و اثيوبيا و اريتيريا . الا ان تلك الهويات و الثقافات المحشورة اججت الكثير من الصراعات الداخلية في الدول التي تتعدي الدوله الواحدة الي جوارها و الشاهد علي ذلك الصراع في رواند و بورندي و الكنغو و السودان . ونسبة لذلك التداخل القبلي و الذي عمل تشكيل الصراعات علي نسق اقليمي من خلال نقل الصراعات من تلك الدوله الي جارتها علي شاكلة (مد يد العون) و اسهم في تسهيل ذلك الحدود المفتوحة بين دول افريقيا و عدم مقدرة
هذه الدول علي مراقبة تلك الحدود .
.............
و لنا عودة
dgash
04-05-2008, - 12:17 PM
الاخ بوب جاييك بي روووواقه
تحياتي يا معلم.
dgash
04-05-2008, - 01:13 PM
قد لا أكون مخطأ إذا قلت أن الحوار السوداني السوداني مبنيٌ علي الإستعلاء والمناقرة ليست فقط علي مستوي الثقافة أو الهوية بل حتي داخل الأحزاب والإنتماءات الرياضية والديمغرافيا السكانية ، وهذه سمة غلبت علي طبيعة الشعب السوداني ، ولا أدري متي نشأ هذا ’’ المرض ‘‘ وكيف بدأ ، فأصبح الجدل البيزنطي والإستعلاء افكري والثقافي والعرقي هو أساس ما نسميه مجازاً بالحوار ، وقد يعلم الكثيرين ما كانت تنتهي إليه أركان الحوار وسط ما يطلق عليهم مجازاً بـ’’ النخب أو الصفوة ‘‘ أؤلئك الطلبة الجامعين ، وكيف حتي تنتهي أركان نقاشاتهم وحواراتهم وندواتهم بطريقة ميلودرامية حيث يلجأ الأطراف إلي ’’ السيخ والكعاز وغيره ‘‘ في محاولة لحسم الحوار يمشياً بمقولة الشاعر :
السيف أصدق إنباءاً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
لك كل الشكر يمكن من خلال هذه الفقره تعلل كل مشكلنا بما في ذلك (الجدل حول الهويه)
اوفقك الراي كاملا
ولنا عوده
مغربي
04-05-2008, - 01:54 PM
http://www.zyzoom.net/my_smile/abu-abdulaziz/1203272947_ra23.gif
واصل يا ابوبكر .. وياريت لو عملت منها نسخه في المكتبه عشان ما تضيع في الزحام
ابوبكر
04-05-2008, - 09:08 PM
الاستعمار وفقا لمصالحه . فالمعروف ان الدول الافريقية قد قُسمت بين الدول الاستعمارية كل بحسب نفوذه علي مستوي العالم .و عملت تلك الدول علي حشرهذه
. و لنا عودة
alnfaj
يا صديقي .
أتفق معاك في جزئية أن الإستعمار شكل ثقافة أفريقيا وفقاً لمصالحه ، وقرر لغاتها وقسم أفريقيا إلي ’’ فرانكفونية ـ وكمنولث ‘‘ . ولكن إذا نظرت إلي هذه الدول لن تجد طغيان ثقافة اللغة علي اللغات المحلية ، بمعني أنك لن تسمع أحد يصف آخر بأنه ’’ رطاني ـ أو أب لساناً أغلف ‘‘ لأن اللغات الأخري ، غير اللغة العربية لا تصف اللغات المعادية لها بالعجمة ولا تتغول عليها بالإزاحة كما حدث في كثير من مناطق اللغات الأفريقية الضعيفة في السودان ، فنري أن كثيراً من اللغات المحلية قد إندثرت تماماً بعد صراع طويل مع الثقافة العربية . وهنا تمكن إستعلاء ثقافة العروبوية في وسط السودان بقوة الشمولية التي كرست للإسلاموعروبية ، والذي يريد أن يقصي بقية اللغات وبالتالي ستموت ثقافاتها ، إذا إستمرأ العروبويون مصلح ’’ أعجمي فألعب به ‘‘ . لا أنكر لمسة اللغة العربية في تشكيل الهوية السودانية ، فنياً وأدبياً ولغوياً ، حتي وأنه اللغة الأولي في الوطن السودان ، ودخل إلي كل ركن ، بغض النظر عن كيفيته أو إنسيابيته .
تعدد اللغات هي مناهل مزيدة للإضافة علي ثقافة الشعب ، فإذا نظرنا إلي العاميات السودانية في كل جغرافية فسنجد أن اللغة المحلية لها الكثير من المفردات المستخدمة في بيئتها ، وحقيقة لا علم لي ببقية اللغات المحلية ، لذا تجد أن كل معلوماتي كانت عن بيئتي وما أعرفه عن العامية في شمال السودان وأثر اللغة النوبية عليه . وهذا لا يعني أن العامية بالضعف بمكان أنها لم تستطيع أن تخلق هويتها ، بل يعني قوة اللغة النوبية التي حافظ عليها أهلها كل هذه السنين من الإنقراض والموت السريري ، رغم الضربات المتتالية التي وقع علي شعبه ’’ النوبي ـ من التهجير والتقتيل ‘‘ .
ودي وتقديري .
ومرحباً بعودتك
ابوبكر
ابوبكر
04-05-2008, - 09:10 PM
لك كل الشكر يمكن من خلال هذه الفقره تعلل كل مشكلنا بما في ذلك (الجدل حول الهويه)
اوفقك الراي كاملا
ولنا عوده
شكراً دقاش علي الموافقة .
الجدل هي آفة كل تقدم .
الهوية .. نواصل عنه .
ابوبكر
04-05-2008, - 09:12 PM
http://www.zyzoom.net/my_smile/abu-abdulaziz/1203272947_ra23.gif
واصل يا ابوبكر .. وياريت لو عملت منها نسخه في المكتبه عشان ما تضيع في الزحام
شكراً للتشجيع .
بس دي ما فهمتها ؟؟ كيف أعمل نسخة للمكتبة ؟؟
ودي وتقديري
ابوبكر
04-05-2008, - 09:47 PM
الغابة والصحراء.. جماليات الثقافة السودانية
نقلا عن مجلة العربي
الغابة والصحراء ليستا جمعية أو حزبا أو رابطة. وإنما هما نفر من المبدعين التقت أفكارهم حول رمزية هذين العنصرين ودلالتهما على الهوية السودانية.
الذاكرة التراثية للإنسان السوداني تلتقي عندها الثقافة العربية الإسلامية بالثقافات اليونانية والنوبية والمسيحية
قادت جمعية اللواء الأبيض الثورة ضد الإنجليز في 1924
أعاد المجذوب إحياء أفكار حمزة الملك وإدخال مظاهر الحياة السودانية في أشعاره
سألت إيزابيلا سيمور, مصطفى سعيد, بطل رواية (موسم الهجرة إلى الشمال), ما جنسك؟ هل أنت إفريقي أم آسيوي؟ فأجابها أنا مثل عطيل ، عربي إفريقي. فنظرت إلى وجهه وقالت: نعم أنفك مثل أنوف العرب في الصور، ولكن شعرك ليس فاحمًا مثل شعر العرب.
والسؤال ذاته الذي واجهه مصطفى سعيد روائيًا في لندن واجهه واقعيًا الشاعران المبدعان محمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر في ألمانيا في رحلتهما إليها في الستينيات, حيث عبر النور عن حيرة الأوربي في تصنيفه بقوله (إنه يرفض هويتي الإفريقية حين أفكر، ويرفض هويتي العربية حين أكون). عبارة مشرقة ولاشك تلخص في أسلوب فلسفي رشيق ازدواجية الهوية الثقافية والاثنية للإنسان السوداني, أما محمد المكي إبراهيم, فقد جادت قريحته شعرًا لتوصيف الواقع بقوله في قصيدته الرائعة (بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت) والتي تعتبر من عيون الشعر العربي الحديث:
الله يا خلاسية
..........
يا بعض عربية
وبعض زنجية
وهكذا فقد تنبهت الطلائع المثقفة من السودانيين باكرًا إلى الخصوصية الثقافية والاثنية للذات السودانية. وقد برز الوعي بهذه الخصوصية أكثر حدّة في الخمسينيات والستينيات مع المد الثوري لحركات التحرر الوطني ودعوات القومية العربية والاتجاهات الزنجية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. ففطن نفر من هؤلاء المثقفين إلى أن السودان يمتاز بخصوصية فريدة لا تتوافر في غيره من دول المنطقة, فهو يجمع بين الانتماء العربي والإفريقي في آن معًا. فتفتق وعيهم عن صبغة يصفون بها هذه الحال الفريدة . وحيث إن معظمهم كانوا شعراء, فقد هداهم حسّهم الشعري إلى صيغة شعرية ذات دلالة رمزية عميقة وهي صيغة (الغابة والصحراء). الغابة إشارة إلى العنصر الإفريقي, والصحراء إشارة إلى العنصر العربي. وذلك للدلالة على ذلك التمازج الثقافي والاثني.
الجغرافيا تتحدث
ولعل من دلائل التوفيق على حسن اختيار هذه الصيغة الرمزية أن تعبير (الغابة والصحراء) لا يتطابق فقط مع توزيع المناخ الجغرافي في السودان, بل يكاد يتطابق مع التوزيع الديمغرافي للسكان. فالمعروف أن مناخ السودان يبدأ في التدرج من مناخ صحراء في الشمال ثم يتحول إلى شبه صحراء ثم سافانا فقيرة وأخرى غنية في الأواسط إلى أن ينتهي عند الغابات المدارية في الجنوب. وبالقدر ذاته نجد السكان يتوزعون على هذا النحو إذ نجد العنصر العربي غالبا في الشمال مع بعض الاستثناءات ثم يبدأ في التقلص كلما اتجهنا جنوبًا مع بعض الاستثناءات أيضًا إلى أن ينتهي إلى غلبة العنصر الإفريقي الزنجي في الجنوب.
ومثلما اهتدت تلك المجموعة إلى رمز (الغابة والصحراء) اهتدت أيضًا إلى نموذج تاريخي يجسّد هذا التمازج العربي الإفريقي على أرض الواقع فكانت سنار...وسنار هي عاصمة مملكة سنار أو سلطنة الفونج والتي عرفت أيضًا بالمملكة الزرقاء أي السوداء. فالسودانيون يستعملون الأزرق كمرادف للأسود. ومنه جاء اسم النيل الأزرق أي الأسود. وذلك لشدة اعتكار مياهه من كثرة الطمي. ويقولون رجل أزرق أسود, وكانت العرب تستعمل الأخضر في ذات المعنى, فتقول رجل أخضر أي أسمر أو أسود. وكذلك يفعل السودانيون, وهذا مثال على الخصوصية اللغوية لأهل السودان.
ويرجع اختيار مملكة سنار أو السلطنة الزرقاء (1504-1821م) كنموذج معادلة الهوية السودانية إلى أنها أول مملكة سودانية تكونت بتحالف القبائل العربية والقبائل الإفريقية. وقد أسقط هذا التحالف الممالك المسيحية التي كانت تحكم سودان وادي النيل, وأقام مكانها أول مملكة إسلامية عربية - إفريقية كانت النواة الحقيقية للسودان المعروف الآن.
ولعل الفضل في رواج مفهوم سنار كنموذج لهذا التمازج يعود إلى الشاعر المرهف د.محمد عبدالحي الذي يعتبر أحد أبرز رموز الحداثة الشعرية في العالم العربي وديوانه المشهور (العودة إلى سنار) خير دليل على ذلك.
وإذا كانت صيغة الغابة والصحراء قد إرتبطت في البداية بمجموعة بعينها من شعراء الستينيات هم محمد عبدالحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر, فإن هذا التوصيف للثقافة السودانية قد وجد قبولاً ورواجًا بين أغلب المثقفين والكتّاب في تلك الفترة, وتردد في أشعار الكثيرين منهم.
وربما يرجع نجاح مفهوم (الأفروعربية) المطروح من خلال رمزية (الغابة والصحراء) آنذاك إلى الوعي القومي السوداني الذي أفرزته الظروف والتحولات السياسية والاجتماعية التي قادت إلى ثورة أكتوبر 1964م.
الهوية السودانية
والحقيقة أن جذور الوعي بالتوصيف (الأفروعربي) للهوية السودانية ترجع إلى عشرينيات القرن الماضي حيث تكوين جمعية اللواء الأبيض التي قادت ثورة 1924م, ضد الإنجليز وإلى دعوة رائد التجديد حمزة الملك طمبل في كتابه (الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه) الذي صدر سنة 1928م حيث ناشد شعراء مدرسة الأحياء الشعري السوداني من أمثال محمد سعيد العباسي عدم الاكتفاء بتقليد الشعراء العرب القدامى, والالتفات إلى البيئة السودانية المحلية وتصويرها في أشعارهم. وتأسيًا بأفكار حمزة الملك واصلت جماعة مجلة (الفجر) في الثلاثينيات, ومن أبرزهم معاوية نور وعرفات محمد عبدالله ومحمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء الأسبق الدعوة إلى أدب قومي سوداني يعبر عن الذات السودانية ببعديها العربي والإفريقي. في هذا السياق كتب المحجوب بمجلة الفجر الصادرة في 16/6/1935م يقول (نحن إن نادينا بقيام الأدب القومي للطبيعة المحلية, فإنما ندعو إلى خلق شعب بكيانه يعبّر عن مرئياته من سماء زرقاء أو ملبدة بالغيوم, ومن غابات وصحراوات قاحلة ومروج خضراء ومن إيمان بالكجور والسحر إلى إيمان بالله وحده لا شريك له).
وفي الخمسينيات أعاد الشاعر الفحل محمد المهدي المجذوب إحياء أفكار حمزة الملك وعمل على عكس مظاهر الحياة السودانية في أشعاره, وأدخل إنسان الجنوب لأول مرة إلى معادلة الثقافة السودانية في قصائده التي عرفت بالجنوبيات:
وقد عبر المجذوب في هذه القصائد عن إنسان جنوب السودان, وأعلن صراحة عن العرق الزنجي الذي فيه وهو الذي ينتمي إلى أرومة شمالية تعد نفسها أكثر عرب السودان عروبة حيث يقول في إحدى هذه القصائد:
وعندي من الزنج أعراق معاندة
وإن تشدق في أشعاريَ العرب
ومن شعراء الحداثة الذين سبقوا شعراء (الغابة والصحراء) إلى الالتفات إلى الجانب الإفريقي في وجدانهم الفيتوري ومحيي الدين فارس وتاج السر الحسن وجيلي عبدالرحمن ومحمد عثمان كجراي. فقد كرس الفيتوري دواوينه الشعرية الأولى للتغني بافريقيا وأمجادها فكتب (عاشق من إفريقيا) و(أغنيات إفريقيا) و(اذكريني يا إفريقيا).
لم يكن الشعراء هم الوحيدين السابقين إلى إقرار النظرة الأفروعربية للثقافة السودانية. فكان هناك العديد من الكتّاب والأدباء والمؤرخين الذين انطلقوا في كتاباتهم من هذه النظرة ومن أبرزهم جمال محمد أحمد ومحمد عمر بشير ويوسف فضل ومحمد إبراهيم سليم وحامد حريز ويوسف عيدابي وغيرهم كثر.
وجدان إفريقيا
وكان المفكر والأديب الفذ جمال محمد أحمد يعمل في صمت العلماء بعيدًا عن أي نزعات شوفينية في التعريف بالأدب والثقافة الإفريقية, وفي كشف العلاقات التاريخية والاثنية بين العرب والأفارقة منذ القدم. فكتب (وجدان إفريقيا) وهو كتاب عن الأديان في إفريقيا وكيفية تعايش الإسلام والمسيحية مع الديانات والمعتقدات الإفريقية المحلية و(سالي فو حمو) وهو في الأدب الشعبي والحكايات والأحاجي الإفريقية. وكتب (عرب وأفارقة) و(في المسرحية الإفريقية) و(مطالعات في الشئون الإفريقية) الذي صدر عن دار الهلال بمصر سنة 1969م, وترجم عن بازل ديفيدسون (إفريقيا تحت أضواء جديدة) وغيرها من المؤلفات والترجمات.
وكان لموقف جمال محمد أحمد المتوازن من الأصول العربية والإفريقية للثقافة السودانية التأثير في جيل كامل هو جيل الستينيات الذي ينظر إلى جمال نظرة الأستاذ المعلم. فعضوية جمال في مجمع اللغة العربية بالقاهرة لم تمنعه من رد الاعتبار للثقافة الإفريقية والتعريف بها. وبتأثير من جمال ألف صديقه الأديب والقاص علي المك (نماذج من الأدب الزنجي الأمريكي) وترجم مع صلاح أحمد إبراهيم كتاب (الأرض الآثمة) لباتريك فان رنزبيرج. كما أصدر محمد عبدالحي كتاب (أقنعة القبيلة) في الشعر الإفريقي الحديث.
وعلى الرغم من بداهة التوصيف الذي تطرحه صيغة (الغابة والصحراء), وعلى الرغم من أن القول بأن السودان بلد عربي إفريقي ثقافيًا وعرقيًا هو من المسلمات التي لا يمكن المجادلة حولها. فإن أصحاب هذا الاتجاه قد تعرضوا لحملات من النقد وصل في بعض الأحيان إلى حد التشويه المتعمّد والاستنتاجات الخاطئة لآرائهم من بعض ذوي النزعات الأيديولوجية والشوفينية. فالإسلاميون رأوا في صيغة (الغابة والصحراء) دسيسة علمانية للحد من دور الإسلام في المجتمع السوداني. وبعض القوميين العرب رأوا فيها محاولة لتحجيم انتماء السودان للعروبة والإسلام.
أما بعض أهل اليسار فرأوا في نموذج (مملكة سنار) الذي تطرحه (الغابة والصحراء) كمثال للتعايش السلمي والتعددية الثقافية, استمرارًا لتكريس هيمنة الثقافة العربية الإسلامية على الثقافات الأخرى. وربما رأوا فيها ثغرة تعطي المجال لبروز مشروع الدولة الدينية.
لذلك عمد أصحاب هذا الاتجاه إلى إنشاء تجمع مناوئ من المبدعين باسم (آباداماك) في أواخر الستينيات. وقد أخذ هذا التجمع اسمه من أحد آلهة مملكة مروي النوبية القديمة وكأنهم أرادوا بذلك أن يقولوا لأهل (الغابة والصحراء) إذا كنتم ستعودون بنا إلى (سنار) فنحن سنعود بكم إلى أبعد من سنار, إلى مروي أقدم حضارة سودانية إفريقية. إلا أن توجهات ذلك التجمع لم تخرج في مجملها عن مقولات وأطروحات (الغابة والصحراء). فلم يجد أصحاب هذا الاتجاه في النهاية بدا من الذوبان في التيار (الأفروعربي) الكاسح الذي تفرضه معطيات الواقع المتشابكة أكثر مما تفعل الشعارات والأيديولوجيات.
وللحقيقة والتاريخ أن شعراء (الغابة والصحراء) ليسوا جماعة تربطهم رابطة أدبية أو يجمع بينهم أي تنظيم أو حزب سياسي, ولم يصدروا حتى بيانا مشتركا يعلنون فيه توجههم, وإنما هم نفر من المبدعين التقت أفكارهم في غير ما اتفاق حول رمزية الغابة والصحراء للدلالة على خصوصية الهوية السودانية.
وهذا ما جعل عبدالحي ينفي أن تكون هناك مدرسة شعرية باسم الغابة والصحراء في حوار معه أجري سنة 1984م ظنه البعض تراجعاً عن فكرة الغابة والصحراء, يقول عبدالحي (إن مدرسة الغابة والصحراء, أمر مضحك, فإذا كان هنالك بعض الشعراء والمتشاعرين كتبوا قصائد محشوة بالغابة والصحراء دون أن يكتبوا شعرًا رصينًا لا توجد مدرسة أو منهج لكل الناس, الشعر هو الشعر), فالغابة والصحراء, بالنسبة له مفهوم وليست مدرسة شعرية. وهذا المفهوم عنده ليس حصرًا على السودان وحده كما يقول في الحوار ذاته, بل (يمتد إلى الصومال وأريتريا وشمالي إثيوبيا وشمالي نيجيريا ومالي وغانا والسنغال...إلخ, إنه شعب يكتب باللغة العربية ويدين بالدين الإسلامي, وهم داكنو الجلد امتزجوا بثقافتين, الثقافة العربية والثقافة الإسلامية...الثقافة هي الأساس وليس بالتوالد).
وعندما نادى دعاة الأفروعربية بالعودة إلى (سنار) كرمز للتعبير عن واقع حال الهوية السودانية, لم يقصدوا بذلك العودة إلى نموذج الدولة الدينية الذي كان مطبقًا في مملكة سنار, كما لم يقصدوا تجاهل الحضارات والممالك السودانية السابقة على سنار. وإنما هدفوا ببساطة إلى تقديم نموذج من تأريخ السودان يرمز ويعبّر عن التعايش والتمازج السلمي بين الثقافات السودانية المختلفة. وقد رأوا في سنار الخلاصة التي تلتقي عندها كل حضارات السودان القديمة والمعاصرة. والعودة إليها هي بالضرورة عودة إلى مروي وكرمة النوبية وعلوة والمقرة المسيحية. ففي ديوانه (العودة إلى سنار) يستلهم محمد عبدالحي الكثير من الرموز والأساطير من الحضارات النوبية القديمة. وفي ديوانه (السمندل يغني) توجد قصيدة بعنوان (مروي) في إشارة إلى الحضارة المروية القديمة, وفي الصفحة المقابلة مباشرة توجد قصيدة أخرى باسم (سنار) في إشارة إلى مملكة سنار, أكثر من ذلك أن محمد عبدالحي في دراسته القيمة عن أسطورة (الشيخ إسماعيل صاحب الربابة) وهو أحد متصوفة مملكة سنار يذهب أبعد من ذلك ويحاول إيجاد وشائج بين سيرة الشيخ إسماعيل وسائر الثقافات والحضارات القديمة بما في ذلك التأثر بالتراث اليوناني القديم, حيث يرى أن الشيخ إسماعيل هو في الحقيقة أورفيوس سوداني.
ويخلص إلى أن سيرة ذلك الشيخ الصوفي تمثل اللاوعي الجمعي أو الذاكرة التراثية للإنسان السوداني حيث تلتقي عندها الثقافة العربية الإسلامية بالثقافات اليونانية والنوبية والمسيحية.
لكن يبدو أن البعض يأبى إلا أن ينظر إلى الواقع بعين واحدة, فيرى الأشياء إما بيضاء وإما سوداء, ويعجز أن يرى الرؤية الرمادية التي تفسح في المجال للنظرة التعددية المتسامحة.
وفي سبيل البحث عن صيغة أكثر شمولية لاستيعاب الكل المركب الذي تموج به الساحة السودانية الثقافية, أوجد نفر من المثقفين في الثمانينيات صيغة جديدة هي (السودانوية), وهي لا تختلف في طروحاتها وفي نظرتها عن (الغابة والصحراء) ، إلا أنها رأت في هذه الصيغة الجديدة خروجًا عن ثنائية (الأفروعربية), ومن أبرز دعاة (السودانوية) الشاعر كمال الجزولي والدكتور نور الدين ساتي والفنان التشكيلي البروفيسور أحمد الطيب زين العابدين.
ومع ذلك, هنالك مَن لا يتحمّس لكل هذه الصيغ والنظم الجمالية ويفضل الاكتفاء باسم السودان للدلالة على الحال الثقافية التي يمثلها، ومن هؤلاء د. حيدر إبراهيم علي وغيره كثّر.
ومهما كانت الصيغ المطروحة, ومهما تبدلت الشعارات والمواقف ستظل (الغابة والصحراء) هي الناظم الجمالي الأكثر جاذبية وشاعرية في التعبير عن واقع الهوية السودانية. فالصحراء موجودة والغابة موجودة وما بينهما السافانا كذلك. وهل الحرب الدائرة الآن إلا نتيجة اختلال في المعادلة بين (الغابة والصحراء) ؟
عبدالمنعم عجب الفيا
هذه ورقة للأستاذ / عبدالمنعم عجب الفيا .
وجدته منشوراً في مجلة العربي .
حقيقة أعتذر عن خطأي في مقدمة البوست وذكري ’’ مدرسة الغابة والصحراء ‘‘ والحقيقة هي ما جاءت في هذه الورقة وعلي لسان د . محمد عبدالحي أن الغابة والصحراء ليست مدرسة ، بل هو فهم لواقع جغرافي علي الأرض ، من الجنوب إلي الشمال تنازلياً ’’ حيث تبدأ من غابات الإستوائية إلي السافنا الغنية ــ إلي السبع مناخات الإقليمية في السودان ‘‘ .
هذا يجعلنا نحاول أن نقف في نقطة تحديد أطر الهوية والثقافة ، ونخوض في تفاصيل الهوية العرقية التي تظهر فيها السحنة الأفريقية في الغالب ، والثقافة العربية في الأدب واللغة .
إذا قراءنا ورقة الأستاذ / عجب الفيا نجد أن الإسلامويين رفضوا مفهوم الغابة والصحراء الذي تحدث به أصحاب الفكر ، وإن كان قد أرجئ سبب الرفض لأسباب سياسية ، مما يعني أن رفضه غير مبنية علي أسس تعطي بديلاً للمفهوم ، وعلي الجانب الآخر قاد الأستاذ / الفيتوري مفهوم اللإفريقاينة ورمز في كثير من أشعاره في الدعوة إلي الوحدة الأفريقية ، ولكنه بالمقابل لا يستطيع أن يرفض السمة العربية التي يرسم بها أشياءه .
اليوم نرفع راية استقلالنا
ويسطر التاريخ مولد شعبنا
يا إخوتي غنو لنا اليوم
يا نيلنا ..
يا أرضنا الخضراء يا حقل السنا
يا مهد أجدادي ويا كنزي العزيز المقتنا
يا إخوتي غنو لنا اليوم
كرري ..
كرري تحدث عن رجال كلأسود الضارية
خاضو اللهيب وشتتو كتل الغزاة الباغية
والنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانية
ما لان فرسان لنا بل فر جمع الطاغية
يا إخوتي غنو لنا اليوم
وليذكر التارخ أبطلا لنا
عبد اللطيف وصحبهو
غرسو النواة الطاهرة
ونفوسهم فاضت حماسا كالبحار الزاخرة
من أجلنا سادو المنون
ولمثل هذا اليوم كانوا يعملون
غنو لهم يا إخوتي ولتحيا ذكرى التاريخ
يا إخوتي غنو لنا اليوم
إني أنا السودان أرض السؤدد هذه يدي
ملأى بألوان الورود قطفتها من معبدي
من قلب إفريقيا التي داست حصون المعتدي
خطت بعزم شعوبها آفاق فجر أوحد
فأنا بها وأنا لها
وسأكون أول مقتدي
يا إخوتي غنو لنا اليوم
من قلب أفريقيا التي داست حصون المعتدي ..
ونواصل .
ابوبكر
مغربي
05-05-2008, - 12:35 AM
شكراً للتشجيع .
بس دي ما فهمتها ؟؟ كيف أعمل نسخة للمكتبة ؟؟
ودي وتقديري
مكتبة الكتب الالكترونية
تكون مرجع سهل الوصول اليه
ابوبكر
05-05-2008, - 02:49 AM
مكتبة الكتب الالكترونية
تكون مرجع سهل الوصول اليه
سمعاً وطاعة
ibrahim mugahid
05-05-2008, - 04:14 PM
الاخ ابوبكر
بعد تقديرى واستمتاعى بالطرح
الا تعتقد اننا امام شئ مفتعل
الا يدل النسيج الاجتماعى من لدن نبته على امكانية التمازج:_computer:
سنعود
ابوبكر
05-05-2008, - 07:11 PM
الا تعتقد اننا امام شئ مفتعل
الا يدل النسيج الاجتماعى من لدن نبته على امكانية التمازج:_computer:
سنعود
الأخ
أبراهيم مجاهد
أنا كتبت رأيي في المقدمة وقلت خطأ يحتمل الصواب ، وصواب يحتمل الخطأ .
وبعد كده بحاول أجمع ما دار ويدور في مخلية الناس ومنتديات الحوار والنقاش ، لتوثيقه هنا .
وإن أخطأت فما كسبت يداي .. أسأل الله المغفرة عن الزلة . وإن أصبت فأساله الأجر .
ما فهمت صراحة ما تقصده ’’ بمفتعلة ‘‘ ؟؟
لكن أتفق معك في مسألة التمازج وقد قلت به ، ولكن ألا تعتقد معي بأن مثل كهذا مجتمعات مازالت مغلقة علي ذاتيتها الضيقة وجغرافيتها الصغيرة ، لن تقبل ثورة التغيير والتمازج بين ليلة وضحاها ؟؟
الذي يجهله أو يتجاهله الكثيرون هو أن هوية القومية السودانية تحددت بعد إتفاقية ’’ سايكس ـ بيكو ‘‘ تلك الإتفاقية التي حددت جغرافية العالم الثالث ، وقسمته إلي دول حسب المصالح الإستعمارية ، ومن هذا التأريخ بدأت المناداة بالثقافة القومية السودانية ، فخرجت مفاهيم الإفريكانية ومفهوم الغابة والصحراء ، وحمل الإسلامويون والعربيون القوميون لواء تعريب الهوية السودانية ، وتناسوا الإثنيات الآخري ، وهذا ما خلق الصراع الدائر حتي الآن في مسألة تحديد الهوية السودانية .
قد يقول البعض بأن هذه قضية من لا فكر له كما قال الدكتور ’’ ‘‘ وهذا رأيه ولا نحجر علي رأي الأخرين ، والبعض الآخر يريد الخوض في هذا الأمر ، ويعتبر أن هذا هو أس بلاء كل السودان ، ولكنني أري أن هذا ليس هو أس البلاء ، فبلاء السودان في أطماع الأشخاص وليست قضية هوية وغيره ، فإذا نظرنا إلي الواقع السوداني نجد الإنسجام والتعايش السلمي بين مختلف الإثنيات معبقة بروح التسامح والإحترام ، ولا يعني أن الجنوبيين يعملون في مجال البناء أو غيرهم في مجال الزراعة أن هذا تحقير لهم ، فمن الشماليين أيضاً من يقومون بنفس العمل ، وهذا لا علاقة له بالهوية ولا بإثنية معينة ، ومن هنا يأتي الخلط بين التعريفات والتسميات .
وسأتعرض هنا لورقة الدكتور عبدالله بولا في نقده لمفهوم الغابة والصحراء ، ومفهوم عروبة السودان لدي الإسلامويين والعروبويين ، وهي ورقة جديرة بالقراءة والإطلاع لكل مهتم بثقافة السودان ، وتطوراته ، خاصة وأن الدكتور عبدالله بولا له إسهلامات جليلة ومقدرة في ميدان الثقافة والفكر السوداني .
وختاماً
ودي وتقديري
ابوبكر
ابوبكر
06-05-2008, - 12:35 AM
قضية الهوية والانتماء في السودان
منذ استقلال السودان عام 1956م ظل سؤال الهوية مطروحًا عند النخب السودانية :
من نحن؟ ورغم أن الإجابة على هذا السؤال قد حسمت على الصعيد السياسي الرسمي بانضمام السودان لجامعة الدول العربية ؛ فإنه لم يحسم على مستوى النخب السياسية والثقافية حيث لا يزال الجدال حول هذه القضية محتدمًا . ومنذ زمن ليس القريب شهدت صفحات الجرائد السودانية والمنتديات الثقافية ولا تزال سجالات حامية الوطيس حول هذه القضية ، وقد كان لهذه النقاشات أبعاد سياسية غير خافية مختلفة بين رؤى عديدة تختلف في تعريفها للهوية السودانية ما بين عروبي يدعو إلى اندماج السودان في محيطه العربي ، وأفريقاني يدعو إلى نبذ الهوية العربية والانفتاح على أفريقيا ، وبين اتجاه يحاول المزج بين الثقافتين العربية والأفريقية في قالب جديد .
والآن ومع دخول اتفاقية السلام مرحلة التنفيذ هل سنشهد تعريفًا جديدًا للهوية السودانية يتجاوز التعريفات السابقة ، أم أن المرحلة القادمة بما تحمله من فرز واستقطاب ستعيد هذه القضية إلى مربعها الأول؟
لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كيانًا سياسيًّا أو ثقافيًّا موحدًا قبل دخول العرب ؛ فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات متنوعة وعقائد وأديان مختلفة ؛ ففي الشمال حيث يعيش النوبيون كانت تنتشر المسيحية الأرثوذكسية كعقيدة واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة كلغة للسياسة والثقافة والتخاطب . أما في شرق السودان فتعيش قبائل البجة وهي من الأقوام الحامية لها لغة خاصة وثقافة منفصلة . ومع اتجاهنا جنوبًا نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة ولغاتها الخاصة، وكذلك الحال في غرب السودان (1)
قد أحدث دخول العرب للسودان انقلابا هائلا في هوية هذه المنطقة ؛ إذ ولدت مع دخول العرب الهوية السودانية الجامعة لتلك الأقوام والقبائل المختلفة ؛ حيث أصبح الإسلام هو الوعاء الرئيسي الجامع لمعظم تلك الشعوب ، وأصبحت اللغة العربية لغة العلم والثقافة ، فضلا عن كونها لغة التخاطب بين القبائل المختلفة ، فكونت بذلك عاملا توحيديًّا على الصعيد الديني والسياسي والاجتماعي .
(1) منصور خالد ، جنوب السودان في المخيلة العربية ، دار تراث ، لندن 2000 ص23 ,24
فبعد توقيع اتفاقية "البقط" بين المسلمين والنوبة عام 652 للهجرة بدأ العرب يتسربون إلى السودان جماعات وأفرادًا حاملين معهم الإسلام ساعين وراء المرعى والتجارة ، وبدأ العرب في توطيد نفوذهم السياسي شمال وشرق السودان عن طريق التصاهر مع النوبة والبجة ، وقد استغلوا نظام الوراثة عن طريق الأمر السائد آنذاك في السودان ، فاستطاعوا حكم مناطق واسعة من السودان ، إضافة إلى أن حملهم للإسلام ولثقافة راقية مقارنة مع الثقافات السائدة أهّلهم ليخضعوا الآخرين لهم . وقد قامت عدة ممالك عربية صغيرة في الشمال والشرق حتى استطاع التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م من إسقاط مملكة "علوة" النوبية ، فقام نتاجًا لهذا التحالف دولة "الفونج" أو سلطنة سنار الإسلامية التي حكمت وسط السودان ، ومعظم شماله وامتدت إلى أجزاء من الشرق والغرب . ولعل مملكة الفونج هي التي صبغت السودان بالصبغة الإسلامية وأعطته الانتماء الحضاري العربي ؛ فقد شكل ذلك التحالف العربي الزنجي ميلاد الهوية السودانية الحديثة بشقيها العربي والزنجي . ثم جاءت الدولة المهدية وغزت الشق العربي في الثقافة السودانية حتى أصبح سائدًا ، واستطاعت هذه الدولة أن توحد السودان المعروف اليوم بحدوده المترامية الأطراف (باستثناء الجنوب) ، وأعطته نظامًا سياسيًّا وإداريًّا موحدًا ، وأصبحت اللغة العربية لغة التخاطب بين جميع السودانيين على اختلاف مشاربهم القبلية والقومية ، وفي تلك الفترة ولد السودان الذي نعرفه اليوم بملامحه المعروفة .
ظل الوضع كذلك حتى مجيء الاحتلال البريطاني للسودان ، وبعد تأسيس الأحزاب السودانية الكبرى وعلى رأسها حزب الأمة (الذي يمثل طائفة الأنصار) ، وحزب الشعب (الذي يمثل طائفة الختمية) الذي تحول بعد ذلك إلى الحزب الاتحادي الديمقراطي ، في هذه المرحلة بدأ سؤال الهوية يطرح نفسه وبقوة : من نحن ؟ ولعل الاتجاهات السياسية السائدة آنذاك كانت تضفي على هذا السؤال بعدًا سياسيًّا ؛ فحزب الأمة الذي كان يقوده عبد الرحمن المهدي كان يدعو إلى الاستقلال والانفصال عن مصر ، وقد رفع رئيسه شعار "السودان للسودانيين" ، أما الحزب الاتحادي الذي كان يرأسه علي الميرغني فكان من أنصار الوحدة مع مصر .
وحتى تلك اللحظة لم يكن الفرز على أساس الهوية قائمًا ؛ فحزب الأمة كان منذ تأسيسه عروبيًّا رغم برنامجه القائم على السودنة ؛ فإن مآلات الدعوة إلى السودنة تطورت فيما بعد إلى تيار يدعو إلى تكوين هوية خاصة بالسودان ، وبدأ هذا التيار في الانتشار وانتقل ثقله بعد ذلك إلى الحزب الشيوعي السوداني الذي تبنى هذه القضية ، ثم ظهرت جماعات سياسية كثيرة تبنت هذا الطرح السودان اليوم الذي يقف على أعتاب مرحلة السلام ، عاد سؤال الهوية ليطرح نفسه من جديد وبصورة أكثر حدة تتفاوت في درجاتها بين التيارات السياسية والثقافية المختلفة ، ويمكننا أن نجمل الأطروحات والرؤى الموجودة في الساحة السودانية حيال قضية الهوية إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية (2) ..
الاتجاه العروبي :-
أول هذه التيارات هو التيار العروبي ، وهو موجود في الساحة ، وتتبناه قوى سياسية (الإسلاميون والقوميون) وجمعيات ثقافية وأدبية ، ويقوم طرح هذا التيار على اعتبار أن السودان بلد عربي من حيث التاريخ والواقع ؛ فقد عرف السودان العرب منذ ما قبل الإسلام ، ثم لما جاء الإسلام ودخل العرب بقبائلهم المعروفة أحدثوا أهم التغييرات في السودان ؛ إذ توحد هذا البلد الشاسع ، وأصبحت اللغة العربية هي اللغة الجامعة للسودانيين جميعًا حتى إن القبائل الجنوبية التي تتحدث بلغات مختلفة أصبحت اللغة العربية هي لغة التفاهم فيما بينها .
كما أن التقاليد السودانية دلالة على أصالة الانتماء العربي للسودان ؛ فهذه العادات كما يرى أنصار هذا التيار في مجملها عربية ، وإن لم تخلُ من تأثيرات محلية بفعل البيئة ، وهذا أمر طبيعي كما يقولون ؛ فالعروبة مكون حضاري قابل للتفاعل مع مكونات أخرى ؛ لذا فقد تفاعل مع الواقع السوداني وأنتج ثقافة عربية بنكهة سودانية .
ويواجه هذا التيار اتهامات على رأسها وصفه بالاستعلاء الثقافي والعرقي ، ويحمل أعداء هذا التيار كل مشاكل السودان التاريخية القائمة على التناقضات الخاصة بالعلاقة فيما بين الشمال والجنوب ، يحملونه المسئولية عنها . 2)
والمتابع لصفحات الجرائد السودانية والمنتديات السياسية والثقافية يجد أن هذه التهمة أصبحت تلاحق التيارات الداعمة للعروبة في السودان ، حتى وضعت تلك التيارات في قفص الاتهام ، وانشغلت بنفي التهمة عن العروبة بالاستعلاء وتبرئتها مما حصل من مشاكل بين الشمال والجنوب .
ومع مجيء السلام .. هل سينزوي هذا التيار ويعدل من أطروحاته ليوافق الموجة السائدة ، أم أن الفرز والاستقطاب القادمين سيزيدان هذا التيار قوة ويعطيانه مشروعية جديدة تتمثل في الدفاع عن الإسلام والعروبة في وجه مد كاسح يرفض كل ما له علاقة بالعروبة وربما الإسلام؟.
(2) طه إبراهيم ، الهوية السودانية وعلاقة الدين بالدولة ، مركز الدراسات السودانية ، الرباط يناير 1992م
http://darfuronline.com/index.php?option=com_content&task= (3)view&id=1844&Itemid=94
الاتجاه الافريقي : -
يقدم هذا التيار طرحا يعتبر السودان بلدا أفريقيا بحكم التاريخ والجغرافيا والتكوين السلالي ، وأن العرب وافدون على السودان فعليهم الذوبان في ثقافة هذا البلد الذي وفدوا عليه ، كما أنهم يحمّلون العرب ما يرونه تهميشا وقع عليهم وانتقاصا من حقوقهم ؛ فالعرب في رأيهم قد حكموا السودان منذ استقلاله واستأثروا بثرواته ولم ينل (الأفارقة) من تلك الثروات إلا الفتات .
ويعتبر هؤلاء أن السودان عانى من حكم عروبي استعمر سكان السودان الأصليين ، وأن على الأمور أن تعود إلى نصابها باعتبار السودان بلدا أفريقيا والانسلاخ من جامعة الدول العربية وقطع العلاقات المميزة التي تربط السودان بالعالم العربي والاتجاه إلى أفريقيا .
وتجلت هذه الدعوة في جمعيات أدبية وشعراء ، من أشهرهم الشاعر محمد مفتاح الفيتوري (الذي تحوّل عروبيا فيما بعد) ؛ حيث أصدر عدة دواوين يتغنى فيها بأفريقيا والانتماء إليها ، وكذلك فرق موسيقى الجاز التي ظهرت وحاولت أن تضفي بعدا أفريقيا على الثقافة السودانية . ولعل أبرز ممثل لهذا التيار سياسيا هو الحركة الشعبية لتحرير السودان التي وإن تغيرت أطروحاتها تجاه هذه القضية باتجاه السودنة والاعتراف بالثقافة العربية فإن البعض يعتبر ذلك تكتيكا سياسيا وليس نابعا عن قناعة حقيقية .
وقد بلغت بعض الرؤى في هذا المجال حدا من التطرف شبهت فيه السودان بالأندلس التي خرج منها العرب بعد حكم ثمانية قرون تقريبا ، وأن العرب في السودان لا بد أن يخرجوا من السودان كما خرج عرب الأندلس .
السودانوية .. الطريق الثالث :-
ظهر هذا التيار نتاجا للدعوة لمدرسة "الغابة والصحراء" التي دعا إليها رواد الحركة الأدبية الحديثة في السودان ، ويرى هذا الاتجاه انه هناك امتزاج بين العــروبة والأفريقانية ، هذا الامتزاج الذي أنتج ثقافة سودانية عربية اللسان أفريقية الملامح .
ويرى هذا التيار أن الدعوات التي يصفها بالمتطرفة من الطرفين (العروبيين والأفريقانيين) قد أضرت بالسودان ، وأنه لا بد من تجاوز هذين الطرحين إلى طرح أكثر شمولا يأخذ أفضل ما في الثقافتين العربية والأفريقية دون إغفال الخصوصية السودانية ، ولعلى "السودانوية" أصبحت موضة في السودان ؛ فقد أصبحت الأحزاب والتيارات السياسية والثقافية تتبارى في إثبات ولائها لهذا الاتجاه وقد تحولت كثير من القوى الأفريقانية إلى الدعوة للسودانوية (الحركة الشعبية نموذجا) ؛ وهو ما أضعف التيار الداعي للأفريقانية ، وبغض النظر عما إذا كان هذا الإقبال على هذا الطرح تكتيكا مؤقتا أو إستراتيجية دائمة فإن المتابع للساحة السودانية يجد أن هذا التيار بدأ في البروز والانتشار ؛ وهو ما يمهد لمنهج جديد في التعاطي مع قضايا الصراعات الدائرة في السودان .
وفي خضم التنازع الدائر حول هذه القضية يبقى السؤال :-
هل ستشهد سنوات السلام حسما لهذه القضية ؟ وهل سنشهد تعريفا جديدا يأتي كنتاج للحراك السياسي والثقافي والاجتماعي في مرحلة يفترض أن تكون لبناء الثقة ؟ وهل ستنتهي الظلامات التي ظل البعض يجهر بها ويرفع بها عقيرته تحت شعار الدفاع عن الهويات المحلية ضد الاستعلاء العروبي والهيمنة الشمالية ، أم أن المرحلة القادمة ستعيد كلا إلى معسكره (4)
قضية الدين والقومية في السودان:-
بقدر ما راحت العولمة تصطدم مع المسألة القومية ، بقدر ما اعادت الاعتبار لهذه المسألة كما شهدنا وما نشهد من انبعاثات القومية من جديد في السودان ، وبعد قيام الحرب الأهلية الثانية التي اندلعت في أواخر عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري والتي تميزت بتناول الحركة الشعبية لمشكلة جنوب لسودان من منظور قـومي يهدف إلى حل مشاكل الأقاليم في إطار السودان الموحـد . ويعـزي ذلك الى الاحساس القوي لدي سكان جنوب السودان بانتمائهم للقومية السودانية بعد الاستقرار الذي حققته اتفاقية اديس ابابا وتمتعهم بالحكم الذاتي والى تاثر مؤسس الحركة الشعبية الراحل د. جون قرنق بالفكر الاشتراكي الذي يدعو الي الوحدة والاممية وينبذ الاثنية والقبلية التي تؤدي الي التشرذم والتمزق والشتات .
واتخذت الحكومة والقوى السياسية في الفترة الثالثة للحكم الديمقراطي (1986م - 1989م) عدة خطوات لتجسير هوة الخلاف مع الحركة الشعبية وتحقيق السلام ، وكادت تصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الأهلية في النصف الثاني من عام 1989م ، لولا استيلاء الجبهة الإسلاميّة القومية على الحكم بانقلاب عسكري في 30 يونيو 1989م . وتحولت الحرب الأهلية منذ ذلك الوقت إلى صراع أيديولوجي بين الجبهة الاسلاميّة التي سعت إلى تأسيس الدولة الإسلامية وفرض الهوية العربية الإسلامية على كل سكان البلاد ، والحركة الشعبية التي اعتبرت تأسيس الدولة العلمانية والفصل الدستوري بين الدين والدولة من أهمّ أولويات مشروع السودان الجديد.(5)
(4) ج. سبنسر تريمنجهام ، الإسلام في السودان ، ترجمة فؤاد محمد عكود ، القاهرة ، 2001م ص. 15
http://www.sudanforum.net/showthread)(5)).
اعتبر أطراف النزاع أن الدولة العلمانية ينحصر معناها في فكرة فصل الدين عن الدولة وإقصائه عن الحياة العامة والتشريع . ورفضت حكومة الجبهة الإسلامية لذلك مطلب الحركة الشعبية لتأسيس الدولة العلمانية شرطاً لا غنى عنه لإنهاء الحرب الأهلية . وكانت نتيجة عدم ادراك المعنى الحقيقي لمفهوم الدولة العلمانية وحصر مفهوم العلاقة بين الدين والدولة في فكرة الفصل بينهما بدون وضع اعتبار لإمكانية التفاعل بين هاتين المؤسستين ، إطالة أمد الحرب الأهلية وتفاقم حدتها . كما قاد التناقض والتوتر الجدلي بين الاطروحة (الدولة الاسلامية) والاطروحة المضادة ( الدولة العلمانية) الي نتيجة الجمع بينهما بظهور مشكلة حق تقرير المصير التي طرحتها الحركة الشعبية لاعتقادها بصعوبة إقناع حكومة الجبهة الإسلامية بالتنازل عن موقفها العدائي تجاه الدولة العلمانية واستحالة حل مشكلة العلاقة بين الدين والدولة في بلد متعدد الديانات كالسودان(6)
(6) عبد الله علي إبراهيم ، الثقافة والديمقراطية في السودان ، دار الأمين للطباعة ، ص 144
alnfaj
06-05-2008, - 01:26 PM
(لأن اللغات الأخري ، غير اللغة العربية لا تصف اللغات المعادية لها بالعجمة . وهنا تمكن إستلاء ثقافة العروبوية في وسط السودان)
العزيز ابوبكر ...
بوعد العودة
اقف مقابلا لطرحك و في تقديري ان الباعث يتلبس جانب نفسي مترفق ببعض الجهالة الساذجة تلك التي تعتبر ناطق لغة معينة هو فصيل مختار علي غيره و فرض لغتة كبديل مستحسن و نموزجي و اسوق ماحدث في اثيوبيا و تعالي التغراي لغة و ثقافة علي غيره من الفصائل المكونة للمجتمع الاثيوبي.
الا ان ما يحدث في السودان قد يكون له امتياز اخرمختلف و ذلك لظروف خاصة بالسودان كدولة علي رقعة جغرافية معينة تضم اثنيات متباينة فرض عليها (التعايش)مع بعضها البعض وهذا ما يتطلب من النقاش بعقول واعية متداركة لا همية ذلك.
.............
ممنون جدا علي منحي هذا اللقب الرفيع
:tiphat: :tiphat: :tiphat:
ibrahim mugahid
06-05-2008, - 02:01 PM
الأخ
أبراهيم مجاهد
أنا كتبت رأيي في المقدمة وقلت خطأ يتحمل الصواب ، وصواب يتحمل الخطأ .
وبعد كده بحاول أجمع ما دار ويدور في مخلية الناس ومنتديات الحوار والنقاش ، لتوثيقه هنا .
وإن أخطأت فما كسبت يداي .. أسأل الله المغفرة عن الزلة . وإن أصبت فأساله الأجر .
ما فهمت صراحة ما تقصده ’’ بمفمتعلة ‘‘ ؟؟
لكن أتفق معك في مسألة التمازج وقد قلت به ، ولكن ألا تعتقد معي بأن مثل كهذا مجتمعات مازالت مغلقة علي ذاتيتها الضيقة وجغرافيتها الصغيرة ، لن تقبل ثورة التغيير والتمازج بين ليلة وضحاحها ؟؟
الذي يجهله أو يتجاهلة الكثيرون هو أن هوية القومية السودانية تحددت بعد إتفاقية ’’ سايكس ـ بيكو ‘‘ تلك الإتفاقية التي تحددت جغرافيا العالم الثالث ، وقسمته إلي دول حسب المصالح الإستعمارية ، ومن هذا التأريخ بدأت المناداة بالثقافة القومية السودانية ، فخرجت مفاهيم الإفريكانية ومفهوم الغابة والصحراء ، وحمل الإسلامويون والعربويون القوميون لواء تعريب الهوية السودانية ، وتناسوا الإثنيات الآخري ، وهذا ما خلق الصراع الدائر حتي الآن في مسألة تحديد الهوية السودانية .
قد يقول البعض بأن هذه قضية من لا فكر له كما قال الدكتور ’’ ‘‘ وهذا رأيه ولا نحجر علي راي الأخرين ، والبعض الآخر يريد الخوض في هذا الأمر ، ويعتبر أن هذا هو أس بلاء كل السودان ، ولكنني أري أن هذا ليس هو أس البلاء ، فبلاء السودان في أطماع الأشخاص وليست قضية هوية وغيره ، فإذا نظرنا إلي الواقع السوداني نجد الإنسجام والتعايش السلمي بين مختلف الإثنيات معبقة بروح التسامح والإحترام ، ولا يعني أن الجنوبيين يعملون في مجال البناء أو غيرهم في مجال الزراعة أن هذا تحقير لهم ، فمن الشماليين أيضاً من يقومون بنفس العمل ، وهذا لا علاقة له بالهوية ولا بإثنية معينة ، ومن هنا يأتي الخلط بين التعريفات والتسميات .
وسأتعرض هنا لورقة الدكتور عبدالله بولا في نقده لمفهوم الغابة والصحراء ، ومفهوم عروبة السودان لدي الإسلامويين والعروبويين ، وهي ورقة جديرة بالقراءة والإطلاع لكل مهتم بثثقافة السودان ، وتطوراته ، خاصة وأن الدكتور عبدالله بولا له إسهلامات جليلة ومقدرة في ميدان الثقافة والفكر السوداني .
وختاماً
ودي وتقديري
ابوبكر
اخى ابوبكر
فى تقديرى كما قلت ان قضية الهويه وطرقها مؤخرا مفتعله لزعزعة النسيج الاجتماعى فى اطار اوراق سياسيه رخيصه ومدمره وساهمت فى تفشى العصبيات......
العالم الحديث بعد صراع القوميات واثرها المدمر لجاءالى اعلاء دولة المواطنه كوعاء لصهر القوميه ونجح ذلك الى حد كبير فى تذويب الفوارق الاثينه واصبح الاحتفاء بالهويه الخاصه وليس الوطنيه يتم فى ترميز ثقافى
ربما يجد طريقه للهويه الوطنيه كتميز ثقافى وليس استعلاء عرقى او تعصب اثنى.
لو تاملنا الواقع الديمغرافى السودانى لوجدنا حقائق حاسمه ومنطقيه
تحسم كثير من الاشكال القائم
سنعود
ودي وتقديري :tiphat:
dgash
06-05-2008, - 03:43 PM
عود لعوده اولى:::
(ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيا ونسآء وتقوا الله الذي تسآءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا)
اذا تاملت اخي ابوبكر الحال المايل لنا .. العصبيه والقبليه والنزعه المتعاليه علي الآخر ترى (في وجهة نظري) الحاله السوداويه للصراعات التي نخلقها من العدم الغير مبرر.
وما الآيه إلا دليل علي البعد العام عن الهويه التي يجب ان نكونهااااا.
أزد متعك الله بالحجه..
وتقبل الود.
ابوبكر
06-05-2008, - 05:55 PM
اقف مقابلا لطرحك و في تقديري ان الباعث يتلبس جانب نفسي مترفق ببعض الجهالة الساذجة تلك التي تعتبر ناطق لغة معينة هو فصيل مختار علي غيره و فرض لغتة كبديل مستحسن و نموزجي و اسوق ماحدث في اثيوبيا و تعالي التغراي لغة و ثقافة علي غيره من الفصائل المكونة للمجتمع الاثيوبي.
الا ان ما يحدث في السودان قد يكون له امتياز اخرمختلف و ذلك لظروف خاصة بالسودان كدولة علي رقعة جغرافية معينة تضم اثنيات متباينة فرض عليها (التعايش)مع بعضها البعض وهذا ما يتطلب من النقاش بعقول واعية متداركة لا همية ذلك. .............
:tiphat: :tiphat: :tiphat:
يا صديقي alnfaj
دعني لا ننجرف في مقارنات ومعايرات .. حتي لا نخرج من لب الموضوع ، ونذهب في متاهة جدليات لن تنتهي . وأتفق معك في أن حالة الإستعلاء والتعالي موجودة في كل شعوب العالم ، فإذا كنت هنا في أوربا ستري ذلك عياناً بياناً ، ولكنها مخفية تحت أستار القانون ، ولا تستطيع الخروج إلي العلن ، حتي لا تتهم بالبربرية والنازية . وخير شاهد علي ذلك ما حدثت في ألمانيا في الأعوام 2003 إلي 2005م .
وحتي إذا كنت في بريطانيا فستجد أن هناك إستعلاءاً وتعالياً عرقياً وإثنياً وثقافياً ورياضياً كبيراً بين الأقاليم الثلاثة ’’ إنجلترا ـ أسكوتلاند ـ إيرلندا ‘‘ .
إذن فلنخرج منه هذا الأمر المسلم منه ، ونعود إلي مناشقة الطرح كسوداني سوداني .
أتفق معك أيضاً في فهمك بأن وضعية السودان جغرافياً وديمغرافياً تعطيها مساحة أكبر لتمديد هويتها ثقافياً في مساحة السبع أقاليم ’’ المناخية ‘‘ فتكون ثقافة هوية إستوائية غنية ـ وتنزل تدريجياً إلي السافنا الغنية ـ لتتشبع بالتربة الطينية في الوديان والسهول ، و تتدرج إلي السافنا الفقيرة في مساحات الجبال والهضاب ، فنجد مناخ البحر الأبحر المتوسط في قلب غرب السودان ، في جبل مره ، وحتي نأتي إلي المناخ الشبه الصحراوي ، حيث تظهر أدب البوادي ، وثقافة الرعي وتربية الإبل وقليل من الأبقار .. إلي أخر إقليم ، إقليم المناخ الصحراوي الجاف ، ويتمركز السكان فيها علي جانبي النيل ، مع قليل من البشاريين علي أودية في قلب الصحراء شرق النيل وغربه ..
التعايش ليست مفروضة علي هذه الهويات ، بل إنها إرتضت أن تتعايش بكل سهولة وييسر ، فإذا نظرنا إلي أي مجتمع صغير متعدد الإثنيات خاصة في المدن الصغيرة جنوباً وشمالاً نجد أن هذه المجتمعات متعايشة فيما بين الإثنيات المختلفة بكل الود والتقدير والإحترام ، ولكن تداخل الساسة والسياسين في توجيه القاعدة الأرضية لبعض الإثنيات ، لمصالحهم الذاتية الضيقة ، هي التي تخلق بعض أنواع العداوات .
وحتي عندما إنفجرت نار فتنة الإثنين الأسود في الخرطوم عقب مقتل العقيد جون قرنق ، مات هناك جنوبيون وهم يدافعون عن الشماليين ضد إخوتهم الجنوبيين ، وكذلك العكس . فالشعب السوداني واعي بالحق والواجب تجاه الجار ، وأنا لا أقصد هذا أبداً بهذه الورقة أو البحث إن شئت أن تسميه ، بقدر ما أرمي إلي وضعت إطار يمكن أن يكون تحديداً للهوية في السودان ، من خلال ما جمعته من أوراق كتبت حول هوية السودان ، فالهوية لباس كبير تنضوي بداخله عدة تعريفات ، تنصهر مع بعضها البعض في بوتقة واحد ، لتشكل ما يسمي مجازاً بالهوية .
خالص ودي وتقديري
ابوبكر
ابوبكر
06-05-2008, - 06:12 PM
فى تقديرى كما قلت ان قضية الهويه وطرقها مؤخرا مفتعله لزعزعة النسيج الاجتماعى فى اطار اوراق سياسيه رخيصه ومدمره وساهمت فى تفشى العصبيات......
العالم الحديث بعد صراع القوميات واثرها المدمر لجأ الى اعلاء دولة المواطنه كوعاء لصهر القوميه ونجح ذلك الى حد كبير فى تذويب الفوارق الاثينه واصبح الاحتفاء بالهويه الخاصه وليس الوطنيه يتم فى ترميز ثقافى ربما يجد طريقه للهويه الوطنيه كتميز ثقافى وليس استعلاء عرقى او تعصب اثنى.
:tiphat:
الأخ ابراهيم
أن نلغي بكل اللائمة علي الغرب فهذا قد يكون مجافي للحقيقة ، وإن كنت أتفق معك في جزئية كبيرة ، ولا أريد الخوض في تفاصيل دوماً أتجنب الخوض فيها .
هذا ما نريده قبل أن يستفحل المرض ويكره المواطن وطنه ، خلق المواطنة في نفس الإنسان السوداني ، ليكون مرجعيته وثقافته ، بإعادة أنسنة الإنسان ، ورسم هويته السودانية ’’ السودانوية ‘‘ وليست بطريقة الدكتور جون قرنق ولا بطريقة الدكتور الطيب مصطفي .. بالطريقة السلسة والساهلة التي نراها علي أرض الواقع ، في الإحترام المتبادل والتقدير والحنو علي الأخر ، من شيمنا في السودان .. من قول :
نحن سمرتنا وسوادنا من لهيب نار الشهامة ..
دون خوف أو وجل من اللون أو الهروب إلي شجرة نسب لنستعلي به علي الآخر .
نحن لا نريد أن تذوب الإثنيات جنسياً في بعضها البعض ، حتي لا تذوب ثقافاتها وتراثها ، وهويتها ، المهم أن تتمازج فكرياً وفنياً لتخرج لنا ثقافة سودانية . تعمل علي رسم هوية الفن والثقافة السودانية . دون إتخاذ الفن مطية لجرد الحسابات القديمة ، والمطاعنة والملاعنة ..
وهذا ما أرمي إليه بإعطاء الحق للغات المحلية بإحياء روحها دون التخوف منها ، أن تتغول علي اللغة الرسمية ’’ العربية ‘‘ . والإسلام لم يلغي حق الأخرين في لغتهم ولم تفرض العربية كشرط لدخول الإسلام ، فالإسلام تخاطب الغربيين الآن بلغاتهم ، فلماذا إذن يرفض العروبيون إعطاء اللغات المحلية حقها من الوجود والتعليم ؟ رغم ما ورد عن ذلك بنص القانون أن لكل إثنية الحق في تعليم لغتها لأبناءها . وهذا سيكون مفيداً لتوسيع ماعون الثقافة في السودان ، حتي إن ترجمت من هذه اللغات فيما بينها .
خالص ودي وتقديري
ابوبكر
06-05-2008, - 06:29 PM
العصبيه والقبليه والنزعه المتعاليه علي الآخر ترى (في وجهة نظري) الحاله السوداويه للصراعات التي نخلقها من العدم الغير مبرر
الأخ دقاش
إشكالية الصراع السوداني لا يعرف معني الإحترام في الخلاف ولا حد نقطة التوقف ، لذا يستخدم كل الأسلحة ظناً منه أن هذا يؤدي إلي أسقاط حجة الخصم بالضربة القاضية . والهوية والثقافة لم تكن يوماً سبب لمشكلة ، بل كل صراعات السودان أرجعها لأسباب شخصية بحته ، ولا علاقة لإختلاف الهويات في ذلك .
فالناظر لصراعات الفترة المايوية يجد أن أكثر من حارب النميري هم أهله الدناقلة والمحس ’’ النوبيين ‘‘ لأنهم رفضوا الدكتاتورية ، وإنه بعد ذلك إستعان بأبناء جبال النوبة في سلاح المظلات حتي يكونوا عوناً له ، وقبل ذلك نجد أن المهدي هاجر من الشمال والوسط ولجأ إلي الغرب ليجد المؤازرة والتأييد ويشهد التأريخ أن لولا مبايعة الغرب للمهدي لما كانت المهدية .
إذن خلاصة القول بأن مشكلة السودان هي صراع الهويات هو قول أبتر ، ولا سند له ، حتي في كتاب سلاطين باشا ’’ السيف والنار ‘‘ الذي يرجئ الكثيرين بداية إشكالية صراع الهوية في السودان ، وجدت أن الصراعات في داخل الإثنيات كانت أكثر منه ، من مع غيرها مع الإثنيات ، وكل الذين حالوا ربط بداية مشكلة الهوية في السودان ، وصراعاته بالثورة المهدية ، لم يضعوا في الإعتبار حالة البلاد الأمنية ، مقرونة بمدي مستوي التحضر والمدنية في وسط العامة التي حركت الثورة ، فكانت النزوات الشخصية تحرك أفعال الكثيرين .
خالص ودي وتقديري .
ابوبكر
ibrahim mugahid
07-05-2008, - 04:16 PM
الأخ ابراهيم
أن نلغي بكل اللائمة علي الغرب فهذا قد يكون مجافي للحقيقة ، وإن كنت أتفق معك في جزئية كبيرة ، ولا أريد الخوض في تفاصيل دوماً أتجنب الخوض فيها .
هذا ما نريده قبل أن يستفحل المرض ويكره المواطن وطنه ، خلق المواطنة في نفس الإنسان السوداني ، ليكون مرجعيته وثقافته ، بإعادة أنسنة الإنسان ، ورسم هويته السودانية ’’ السودانوية ‘‘ وليست بطريقة الدكتور جون قرنق ولا بطريقة الدكتور الطيب مصطفي .. بالطريقة السلسة والساهلة التي نراها علي أرض الواقع ، في الإحترام المتبادل والتقدير والحنو علي الأخر ، من شيمنا السودان .. من قول :
نحن سمرتنا وسوادنا من لهيب نار الشهامة ..
دون خوف أو وجل من اللون أو الهروب إلي شجرة نسب لنستعلي به علي الآخر .
نحن لا نريد أن تذوب الإثنيات جنسياً في بعضها البعض ، حتي لا تذوب ثقافاتها وتراثها ، وهويتها ، المهم أن تتمازج فكرياً وفنياً لتخرج لنا ثقافة سودانية . تعمل علي رسم هوية الفن والثقافة السوداني . دون إتخاذ الفن مطية لجرد الحسابات القديمة ، والمطاعنة والملاعنة ..
وهذا ما أرمي إليه بإعطاء الحق للغات المحلية بإحياء روحها دون التخوف منها ، أن تتغول علي اللغة الرسمية ’’ العربية ‘‘ . والإسلام لم يلغي حق الأخرين في لغتهم ولم ترفض العربية كشرط لدخول الإسلام ، فالإسلام تخاطب الغربيين الآن بلغاتهم ، فلماذا إذن يرفض العروبيون إعطاء اللغات المحلية حقها من الوجود والتعليم ؟ رغم ما ورد عن ذلك بنص القانون أن لكل إثنية الحق في تعليم لغتها لأبناءها . وهذا سيكون مفيداً لتوسيع ماعون الثقافة في السودان ، حتي إن ترجمت من هذه اللغات فيما بينها .
خالص ودي وتقديري
اخى انالا القى بال للغرب هنا ولكن قضايا الاثنيه لاتحرك فى اطار ثقافى بل سياسى
اكبر انتهاك اثنى تم هنا ومع ذلك هو خط احمر داخل كنتونات ومحميات كما الحيوانات البريه ومع ذلك انظر ما يقولون عن السودان
...............Beyond Darfur
Sudan's Slide Toward Civil War
By Andrew S. Natsios
Summary: While the crisis in Darfur simmers, the larger problem of Sudan's survival as a state is becoming increasingly urgent. Old tensions between the Arabs of the Nile River valley, who have held power for a century, and marginalized groups on the country's periphery are turning into a national crisis. Engagement with Khartoum may be the only way to avert another civil war in Sudan, and even that may not be enough.
..........
ANDREW S. NATSIOS, U.S. Special Envoy to Sudan in 2006-7 and Administrator of the U.S. Agency for International Development in 2001-6, is Distinguished Professor in the Practice of Diplomacy at the Edmund A. Walsh School of Foreign Service at Georgetown University.
.....................
فماهو الاولى تنظيم شكل الدولة واقامة مواطنه متساويه فى الحقوق والواجبات
ام تحريك العصبيات فى رداء سياسي سيعجل بصومله جديده فى افريقيا
ابوبكر
07-05-2008, - 05:00 PM
اخى انا لا الغى باللائمة علي الغرب هنا ولكن قضايا الاثنيه لاتحرك فى اطار ثقافى بل سياسى
اكبر انتهاك اثنى تم هنا ومع ذلك هو خط احمر داخل كنتونات ومحميات كما الحيوانات البريه
.....................
فماهو الاولى تنظيم شكل الدولة واقامة مواطنه متساويه فى الحقوق والواجبات
ام تحريك العصبيات فى رداء سياسي سيعجل بصومله جديده فى افريقيا
صديقي العزيز ود مجاهد ..
الله يخليك ..
كلامك أتفق معك فيه .. وأنا ضد تحريك الإثنيات في إطار الخلافات السياسية لتكون ركيزة المعارضين في مشاريعهم الفاشلة ، وإن كنت قد قرأت هذه الورقة بالتفصيل فستجد رأيي واضحاً في مسألة الإشكال السوداني ، بأنه لا يمت بصلة إلي إختلاف الهويات ، ولا التعدد الإثني ، فليس السودان هو أول دول متعدد الإثنيات . وإن كل هذه الحروب التي خاضها السودان ، هي حرب الوكالة .
وما أنا بصدده هنا ليست تقسيم الإثنيات وتفتيتها سياسياً لزيادة هوة الخلاف السياسي ’’ الذي أصبح لا يجدي نفعاً ‘‘ ، بقدر ما هو قراءة في ثقافتها للوصول إلي نقطة مقاربة علي الهوية السودانوية ، يكون المعبر عن الهوية السودانية ، دون الإستلاب السياسي والإستعلاء الحزبي أو الطائفي أو القبلي .
قد تكون متابعاً دعوة الفكر الجديد الذي حملت لواءه الحركة الشعبية ’’ لتحرير السودان ‘‘ السودان الجدي ، وعلي الجانب الآخر ’’ منبر الشمال ‘‘ .. في محاولة لشد وجذب للهوية السودانية كل من جانبه .
وهذا جهل كبير لفهم معني الخصام والخلاف . نسأل الله لهم الهداية والفهم .
تقبل خالص ودي وتقديري
ابوبكر
ibrahim mugahid
07-05-2008, - 05:41 PM
صديقي العزيز ود مجاهد ..
الله يخليك ..
كلامك أتفق معك فيه .. وأنا ضد تحريك الإثنيات في إطار الخلافات السياسية لتكون ركيزة المعارضين في مشاريعهم الفاشلة ، وإن كنت قد قرأت هذه الورقة بالتفصيل فستجد رأيي واضحاً في مسألة الإشكال السوداني ، بأنه لا يمت بصلة إلي إختلاف الهويات ، ولا التعدد الإثني ، فليس السودان هو أول دول متعدد الإثنيات . وإن كل هذه الحروب التي خاضها السودان ، هي حرب الوكالة .
وما أنا بصدده هنا ليست تقسيم الإثنيات وتفتيتها سياسياً لزيادة هوة الخلاف السياسي ’’ الذي أصبح لا يجدي نفعاً ‘‘ ، بقدر ما هو قراءة في ثقافتها للوصول إلي نقطة مقاربة علي الهوية السودانوية ، يكون المعبر عن الهوية السودانية ، دون الإستلاب السياسي والإستعلاء الحزبي أو الطائفي أو القبلي .
قد تكون متابعاً دعوة الفكر الجديد الذي حملت لواءه الحركة الشعبية ’’ لتحرير السودان ‘‘ السودان الجدي ، وعلي الجانب الآخر ’’ منبر الشمال ‘‘ .. في محاولة لشد وجذب للهوية السودانية كل من جانبه .
وهذا جهل كبير لفهم معني الخصام والخلاف . نسأل الله لهم الهداية والفهم .
تقبل خالص ودي وتقديري
ابوبكر
اخى سعيت لتميز ا لاشكال القائم اولا
ودعنى اهنئك على هذا البوست الوثائقى الذى يجعلنى اتوجك كقلم منبرى متقد دون اطراء مخل.
..............
علاج الهويه لن يتم الا فى وعاء شامل اولا بهوية وطنيه تقبل التعدد لا الاستعلاء....
سنعود ببعض الشرح التقريبى
ودى حتى حين:tiphat:
ود مدني
08-05-2008, - 06:27 PM
تحياتي ابوبكر
ابتداءا اختلف مع الراحل محمد ابوالقاسم حاج حمد في قوله إن هوية السودان لم تتشكل بعد .. فالهوية في ظني تتشكل منذ لحظة الميلاد ..
واتفق مع وجهة النظر التي تقول إن الهوية لا تأتي بقرار .. وعندما يتم تشكيلها قسرا نرى تداعياتها في ما حدث في اوربا الشرقية واندونيسيا وشبه القارة الهندية وسواهم
وفي حالة السودان ارجح ان السياسة هي المحرك الاساسي لسؤال الهوية .. فهو يطغي على الساحة عند اشتداد الازمات السياسية والاقتصادية فيبعد عن اصل القضية ليصبح شعارا سياسيا او ذريعة للتبرير او معبرا للمطالب
اذكر ان التمرد عندما بدا في الجنوب ، لم يكن النميري قد بدا في تطبيق قوانين سبتمبر .. غير ان خطوته تلك تم استغلالها سياسيا في تنميط الصراع في اطار اثني وديني فصارت الحرب في الجنوب حربا بين الشمال العربي المسلم والجنوب الافريقي المسيحي .. ونعلم جميعا الثمن الذي دفعناه في نيفاشا جراء ذلك التنميط
عود على بدء .. فان سؤال الهوية يرتبط بمدى تطور المجتمع ومستوى التعليم فيه .. والعلاقة هنا طردية .. فكلما زاد الوعي ومستوى التعليم خبت الاشارات العنصرية والقبلية واسئلة الهوية .. هذا شريطة ان يقوم المجتمع على حكم القانون
والهوية ترتبط ايضا بالتشكيل القبلي والاثني للمجتمع .. ثم ياتي عليه الاثر التراكمي للثقافة والعرف والدين ونمط المعيشة ليشكل في المحصلة النهائية نموذج ذلك المجتمع الذي يميزه عن المجتمعات الاخرى .. هذا التشكيل لا ينبغي ان يكون بالضرورة متجانسا .. فقد اثبت التاريخ ان التجانس العرقي ليس شرطا للاستقرار كما ان التنوع ليس مدعاة للتناحر - الصومال والولايات المتحدة -
لي عودة وشيكة حتى لا اثقل عليكم بالنقة والتنظير
ibrahim mugahid
09-05-2008, - 01:26 AM
عود على بدء .. فان سؤال الهوية يرتبط بمدى تطور المجتمع ومستوى التعليم فيه .. والعلاقة هنا طردية .. فكلما زاد الوعي ومستوى التعليم خبت الاشارات العنصرية والقبلية واسئلة الهوية .. هذا شريطة ان يقوم المجتمع على حكم القانون
الاخ ياسر
بعد الاشادة
مايحير فى الواقع السودانى ان دعوات التشكيل الاثنى تنبع من النخب وهى التى تشعل فتيلة العصبيه والارتداد الى القبيله كوعاء لتحقيق الذات
وهذا لعمرى المضحك المبكى ان تسقط النخب فى هذا الدرك وهى المنوط بها تحرير العقل السودانى وتمرير مشروعه القومى والتنموى وليس القعود به وافتعال صراع الهوية القبليه والاستعلاء العنصرى ودونك المشروع الدرافورى الثورى وتنظيم كوش ومنبر السلام بشقيه ومشروع التحرير الجنوبى:_jump:
ابوبكر
09-05-2008, - 04:13 AM
ابتداءا اختلف مع الراحل محمد ابوالقاسم حاج حمد في قوله إن هوية السودان لم تتشكل بعد .. فالهوية في ظني تتشكل منذ لحظة الميلاد ..
واتفق مع وجهة النظر التي تقول إن الهوية لا تأتي بقرار ..
الأخ ود مدني
وجهة نظر البرف حاج حمد كانت مبنية علي مرجعية التأريخ السوداني ، حيث عني بقوله إن هوية الوطنية السودانية لم تتشكل بعد ، وأن الإنتماء الي السودان الوطن ، ما زال يحتاج لكثير من الوقت ، حتي تنصهر كل مقومات مكونات الهوية بأنواعها وإشكالها المختلفة وتتمازج ، من ثقافة وتقاليد ، وإرث حضاري ، في بوتقة واحدة ، يصل بالإنسان السوداني ، لتشكيل ذاتيته ، بعيداً عن حالة التدويل ، والشد والجذب ، الحادثة الآن . في كتابه ’’ السودان المأزق التأريخي ‘‘ سرد تأريخ السودان منذ الإستقلال ، وقدم أطروحات رأي للخروج من هذا المأزق ، وكان من أوليات النقاط التي إرتكز إليها ، إعتراف الجميع بالهوية السودانية ، فنري أن منظري الحركات ، وغيرهم أخذوا من فكرته ما يروق لهم ، وألبسوها لباساً توافق أطماعهم وطموحاتهم .
فإذا أردنا أن نتحدث عن الهوية السودانية الجامعة لا بد أن نغوص في تأريخ السودان ، حتي نقرأ متي تشكل السودان الحالي كدولة موحدة بحدوده الجغرافي الحالي ؟ فالناظر إلي حالة السودان من الداخل يجد الإختلافات الإثنية والعرقية ما زالت هي المراجع التي يرتكز عليها الساسة في كثير من مناطق السودان المختلفة ، وإذا نظرت إلي الثقافة كمكون للهوية تجد أن اللغة العربية هي الرابط بين كل السودان ، ولكن هذا لا يعني أن هوية الثقافة السودانية ، هي ثقافة عربية . وإن كانت عربية الهوي كما ذكر الدكتور عبدالله علي أبراهيم في مقالاته ، وسوف أوردها هنا إن شاء الله .
الهوية تتشكل منذ لحظة الميلاد .. كمضغة لتُخَلق من رحم المجتمع ، ولا تخرج إلي العالم بأسنان . لابد أن تكون هناك مرحلية لتتمازج كل هذه التشكيلات وتنصهر في تزاوج فكري إثني ثقافي إجتماعي ، حتي نستطيع أن نقول أن هذا الهوية السودانية قد تشكلت ، ونستطيع أن نقدمه للعالم ، بمسمي الهوية السودانية ، دون الإمالة إلي ’’ الأفريكانية ـ أو العربية ‘‘ لإستلاب أحد الأطراف .
نعم لا يأتي تشكيل الهوية بقرار ..
ولكن مثل هذه القرارات الهوجاء التي تدعو إلي النعرة والتفريق القبلي تؤثر بطريقة مباشر ، في عملية التفاعل والتأقلم الذي يُرجي لتشكيل الهوية السودانية الجامع .
فهمها كانت الحكومات ، وحاولت خلق ثقافات ’’ الثورية ‘‘ التي تنتهي بإنتهاءها ، فلابد أن نقيف عند هذه النقاط السلبية التي تؤثر في سيرورة التشكيل .
ودي وخالص تقديري
ابوبكر
ابوبكر
18-05-2008, - 09:17 AM
برنامج
أضواء علي الحضارة السودانية
محمد عبدالكريم عبدالله
الدكتور / جعفر ميرغني .
يتحدث عن التكوين التأريخي للتراث السوداني . ويفند الآراء التي تنتقص من تأريخ السودان .
حيث نجد أن المكونات الثقافية في شمال السودان قد تمت أسلمتها .
أترككم مع هذا الحديث الشيق .
http://sudanesehost.net/uploads/uploads/faros.mp3
رابــط الحفــظ (http://sudanesehost.net/uploads/uploads/faros.mp3)
ابوبكر
20-05-2008, - 03:29 AM
هوية السودان القومية: قراءة آركيولوجية- تاريخية (1)
السودان كتراكم ثقافي- تاريخي ظهر إلى حيز الوجود منذ آجال سحيقة في التاريخ. والمقصود بلفظ «السودان» هنا جمهورية السودان بحدودها السياسية الحالية، فضلاً عن المشيخات والسلطنات والممالك التي كانت قائمة داخل هذه الحدود منذ أزمان بعيدة. وسكنت هذا القطر أقوام عديدة متنوعة الأعراق والثقافات. ورغم أن سؤال الهوية القومية في السودان: من نحن، ما هي علاقتنا بالآخر وماذا نريد أن نكون؟ قد طرح بشكل جلي منذ عهد الحكم الثنائي (الإنجليزي- المصري)، وعبرت عنه أهداف كل من جمعيتي اللواء الأبيض (1924) والاتحاد السوداني (أغسطس 1924م) ومؤتمر الخريجين (1938- 1955م). ولكن باستقراء التاريخ نلحظ أن السودانيين استطاعوا إنشاء العديد من الممالك والدول التي قوامها خليط شتى من الأجناس والثقافات مدفوعين بأشواق الوحدة الثقافية والسياسية التي يتوقون إليها منذ عشرات القرون.
وتشهد الساحة السياسية والثقافية في السودان بعد اتفاقية نيفاشا للسلام بين الشمال والجنوب (9 يناير 2005م) تحولات وتطورات ليس لها نظير. ولعل أدق وصف لها ما ذكره أحد المثقفين السودانيين بأنها تبدو وكأنها عملية الاستقلال الثاني للسودان بعد حقبة مليئة بالانكسارات والانتصارات. وفي تقديري أن العديد من قضايا السودان سيما السياسية والثقافية ومنذ قيام الدولة السودانية الحديثة في مطلع يناير 1956م ناجمة عن عدم استلهامنا لمنجزات موروثنا الحضاري في أوجه حياتنا المختلفة بشكل كافٍ رغم أن التجربة الحضارية في السودان متفرِّدة وثرَّة تآلفت فيها بشكل كبير كل العناصر الإثنية (العرقية) والثقافية القابعة في أرض هذا الكيان منذ آلاف السنين.
ويطرح هذا المقال منهجاً آركيولوجياً- تاريخياً لدراسة الشخصية القومية من خلال الأدلة المادية التي كشفت عنها التنقيبات الآثارية والسجلات التاريخية باعتباره يمثل قراءة علمية موضوعية للإجابة عن سؤال الهوية لمجموعات سكانية تتباين وبدرجات متفاوتة جغرافياً وإثنياً وثقافياً. فهل هنالك من الشواهد الأثرية والتاريخية ما يشير بأن هذا التنوع السوداني الماثل للعيان تؤطره قواسم ثقافية وحضارية مشتركة تسمح لنا بالإقرار بوجود كيان معنوي جامع يمكن أن يسمى «الشخصية القومية السودانية» أم أن هنالك «عدة شخصيات قومية» داخل هذا الكيان السياسي المسمى بـ«السودان».
وفي تقديري أن حالة الشخصية القومية للنموذج السوداني، من منظور آركيولوجي- تاريخي، يمكن استبانتها في ثلاثة أبعاد هي:
1- البعد الإثني (العرقي)،
2- البعد الثقافي- الاجتماعي،
3- البعد السياسي.
1- البعد الإثني (العرقي):
شهد السودان القديم تحركات سكانية دونما انقطاع خلال أزمان وأحقاب متلاحقة بدءاً من عصور ما قبل التاريخ وحتى فترات التاريخ المدوّن. وتشير الخصائص التشريحية لعظام الهياكل الآدمية العظمية التي كشفت عنها الحفريات الأثرية للحضارات المختلفة التي إزدهرت في السودان والمؤرخ أقدمها إلى ما يربو عن تسعة آلاف عام إلى صفات مشتركة عديدة للمجموعات السكانية التي قطنت هذا القطر شماله وجنوبه. وتشير المخالفات الأثرية إلى اختلاط العناصر النوبية والزنجية والقوقازية في المنطقة الممتدة من وادي حلفا إلى الخرطوم وجنوب الجزيرة والنيلين الأبيض والأزرق. وتجمع المصادر الأثرية والتاريخية على وجود مجموعات سكانية متشابهة في صفاتها الجسدية وحضارتها عمرت جنوب السودان واختلطت خلال الألف الثالث قبل الميلاد وحتى بداية الألف الأول الميلادي بالمجموعات السكانية في أقاليم النيل الأزرق والأبيض وجنوب كردفان. ونسبة لاستمرار اختلاط الأعراق والثقافة في السودان يصبح -كما يرى العديد من الباحثين- الحديث عن جنس معين مرتبط بثقافة بعينها وعزله أو عزلها مما يجري من تفاعلات ثقافية- حضارية في المنطقة من وجهة النظر العلمية أو الواقعية أمراً مستحيلاً. ولهذا أطلق علماء الأنثروبولوجيا الطبيعية صفة «السودانية» على المجموعات السكانية التي قطنت -ولا تزال- حدود السودان الحالي. وببزوغ القرن السادس عشر رسخت الخصائص السكانية للسودان كما نراها اليوم. وإذا كان هذا هو الحال، يصبح الحديث عن تداخل إثني (عرقي) وتمازج واختلاط بدرجات متفاوتة وصلات قربى بين مختلف المجموعات العرقية في السودان حقيقة علمية تسندها الأدلة الأثرية والتاريخية، ويؤكدها الواقع العياني المعاش.
2- البعد الثقافي- الاجتماعي:
2-1 اللغة:
كان للسودانيين مشروع للنهوض الثقافي بدأت إرهاصاته منذ عهد مملكة كرمة (2500-1500ق.م.) وتبلور بشكل واضح للعيان في العهد المروي (900ق.م.- 350م) هدفه خلق أمة كوشية (سودانية) تتميَّز عن جيرانها في أفريقيا والشرق الأدنى القديم. ولعل أبرز دليل على ذلك محاولة المرويين ابتداع أبجدية خاصة بهم في القرن الثاني قبل الميلاد. ورغم التأثير المصري الذي لا تخطئه العين في مناحي الحياة السودانية المختلفة لاسيما في الجانب الديني، إلا أن النخبة المثقفة السودانية في ذلك الزمان تمكنت من ابتداع أبجدية (23 رمزاً)، كتبت بها المعاملات التجارية والقانونية والأدعية الجنائزية على الحجر والمعادن والفخار وعلى ورق البردي والجلود.
ورغم أن هناك ظروفاً موضوعية عديدة ساعدت على التعجيل باختراع الكتابة المروية (الخط النسخي) أبرزها الانقطاع الثقافي عن مصر بعد فقدان السودانيين لسلطتهم السياسية في مصر وتقهقرهم جنوباً ليحكموا بلادهم من مروي (البجراوية) عام 663ق.م. إلا أنني أميل إلى رأي مفاده أن هنالك دافعاً ذاتياً قوياً أدى إلى اختراع الكتابة وهو رغبة ثلة من الصفوة المثقفة المروية ذات الإرتباط بالبلاط الملكي في الانعتاق من إسار الثقافة المصرية الوافدة والعمل على بلورة شعور بانتماء مشترك تجسده لغة محلية مكتوبة. ولا مشاحة أن اختراع الأبجدية المروية كان إنجازاً حضارياً متفرداً لا يجير فقط لأهل السودان بل لأفريقيا قاطبة. ويجدر التنويه إلى أن اللغة المروية قد وصلت إلى أعتاب الأبجدية بل وتمثل ونظيرتها الأخمينية- الفارسية مرحلة شبه الأبجدية. ويعتبرها كثير من الباحثين تقدماً على الكتابات القديمة (المصرية والسومرية والبابلية والآشورية وكتابة ببلوس) في الشرق الأدنى القديم وتطويراً لخطوط من خطوطها (المصرية والسومرية).
وبعد نهاية الدولة الكوشية (المروية) (350م) لا تشير الأدلة الأثرية والسجلات التاريخية إلى محاولة جادة لابتداع أبجدية للتعبير اللغوي المشترك لأهل السودان. واستمر الحال على هذا المنوال طوال فترة الدويلات المسيحية (543-1504م) حيث أمدتنا الحفريات الأثرية بالعديد من المخطوطات والوثائق التي تشير إلى وضع لغوي مركّب في السودان القديم يتسم بالتعددية. وليس أدل على ذلك من أن هذه الوثائق كتبت بلغات متعددة تشمل اليونانية والقبطية والنوبية القديمة والعربية. بيد أن ظهور الكونفدراليات الإسلامية في أواسط السودان (سلطنة الفونج) وغربه (سلطنة المسبعات والفور وتقلي)، فضلاً عن فترة الحكم المهدوي (انظر أدناه) أدى كل ذلك إلى اعتراف رسمي وشعبي باللغة العربية كأداة تواصل بين المجتمعات الثقافية في السودان -شماله وجنوبه- منذ ذلك الزمان وإلى يومنا هذا رغم تخوف البعض من أن انتشار هذه اللغة ربما يؤدي إلى طمس هوياتهم الثقافية بشكل أساسي في لغاتهم ولهجاتهم المحلية وما تكتنزه من موروث ثقافي.
2-2 العادات والتقاليد:
ولعل من أبرز خصائص أهل السودان جميعاً هو التداخل الأسري والتلاحم الاجتماعي في الأفراح والأتراح. وهذه السمة متجذِّرة في نفوس السودانيين كما تشير معتقداتهم في العصور القديمة. وعند مجيء الديانات السماوية (المسيحية والإسلام)، عملت أيضاً على ترسيخ مفاهيم الوئام والوحدة والمحبة بين الناس على اختلاف مللهم ونحلهم. وتشير الأدلة الأثرية التي ترجع إلى العهد الكوشي (المروي) (900ق.م.-350م)، إلى ظاهرة العائلة الممتدة (Extended-Family). وهي بالطبع تقليد سوداني صميم لم يتأثر -بشكل لافت للنظر- بالمتغيرات الاقتصادية عبر العصور بل ظل قيد الممارسة حتى يومنا هذا، فالعائلة عند السودانيين ومنذ العهد المروي كبيرة الحجم تشمل معظم الأهل والأقارب بعكس العائلة المصرية الفرعونية التي كانت تقتصر على الأبوين والأبناء. ومن الأدلة على عمق هذا التقليد وتجذره في الوجدان الجمعي لأهل السودان أن أسلافهم كانوا وثيقي الصلة بأهلهم وذويهم ليس فقط في فترة حياتهم بل وحتى الذين ارتحلوا للدار الآخرة من ذوي المكانة الاجتماعية والسياسية كانوا يذكرونهم في شواهد قبورهم ونقوشهم الجنائزية، فضلاً عن طبيعة المنزل السوداني المشهور بالضيافة والكرم منذ آلاف السنين، فقد كان كبير المساحة، فأصغر منزل في العهد الكوشي-المروي كانت عدد غرفه تصل إلى خمس وأكبر المنازل ذات ست وعشرين غرفة معدة لاستقبال الأهل والمعارف والضيوف.
ومن العادات الجامعة لأهل السودان الشلوخ. ولا تزال تمارس هذه العادة لدى العديد من القبائل السودانية في شمال وجنوب البلاد رغم انحسارها النسبي في العقود الأخيرة. وترجع هذه الممارسة إلى العهد الكوشي- المروي (900ق.م.-350م) إذ تبين أنها من الممارسات المألوفة في السودان القديم. وتشير اللوحات الأثرية لأشكال زعماء (لوحة الملك المروي نتكامني وزوجته الملكة أمانيتيري في معبد الأسد بالنقعة مثالاً لذلك)، وأناس عاديين تظهر على خدودهم وجباههم أنماط متنوعة من الشلوخ.
ومن العادات التي لا تزال مستمرة في أغلب بقاع السودان عادة استخدام السرير الخشبي (العنقريب) وحمل الموتى عليه. وترجع عادة استخدام العنقريب لحمل الموتى إلى ما يزيد عن أربعة آلاف عام إذ ترجع إلى مملكة كرمة (2500-1500ق.م.) بشمال السودان حيث كان يوضع المتوفى على سرير خشبي (عنقريب) في وضع قرفصائي داخل المقبرة. وثمة إشارة هنا وهي أن العنقريب الكرمي كان يطعم أحياناً بالمايكا والعاج. واستمر استخدام العناقريب للموتى حتى العصر الحالي مع اختلاف في نوعية وكيفية استخدامها إذ اختفت عادة دفن الموتى بالأسِرة واستعيض عنها بحمل المتوفى فقط على السرير (العنقريب) إلى مكان المقبرة.
من الأخطاء التي يقع فيها الكثيرين في كتابتهم عن الهوية السودانية هي عدم التفريق بين الجغرافيا والتأريخ كمعلم مكون للهوية والإنتماء ، حيث أن الإنتماء التأريخي لمنطقة جغرافية تتبعها قوة جذب مقدر إلي التأريخ والحقبة الزمنية .
فالظاهر الآن علي أرض الواقع أن الجنوبيين المولديين في العاصمة يرون إنتماءهم للعاصمة أكثر من إنتماءهم للجنوب وكذا الحال عند الشماليين ، فنري أن الشمالي المولود في الشرق يري إنتماءه للشرق أكبر من إنتماءه للشمال ، وإن كان يراوده الحنين ، أو ينتسب في النهاية إلي أصله الشمالي أو الجنوبي .
ما أريد أن أقوله في هذه المداخلة أننا نري الإنتماء المحلي أكبر من الإنتماء الوطني في السودان داخل الوطن السوداني . وحتي داخل الخرطوم تري الإنتماء المحلي ظاهر بصورة أكبر ، مثل مصطلح ( نحن أولاد الخرطوم ـ محل الرئيس بينوم والطيارة بتقوم ) وفي المقابل نري أن الإنتماء ( أنا ود قلبها ـ في إشارة لأم در مان ) . وإن كانت هذه الإنتماءات فيها الكثير من معني الجمال ، والإعتزاز بالأرض ، ولكنها تستخدم في كثير منها بغرض التقليل من إنتماء الآخر ومن إنضمامه للوطن الأم ، لأنها تستعمل بحالة سلب حق الآخر فيه . فليست الخرطوم ملكاً خاصاً لسكان الخرطوم ولا بورسودان ملكاً خاصاً لسكان بورسودان .
تأريخية السودان وبداية التكوين السياسي الذي ما زال في مراحل تطوره البدائي ، خلق صعوبة في التواصل بين التصنيفات والتقسميات السياسية ، وذلك إنعكس سلباً علي المجتمع السكاني في السودان ، فقسمت المواطنين داخل هذه التقسميات السياسية مرة أخري إلي تقسميات إثنية وعرقية وجغرافية .
وهنا ظهر الإشكال الأكبر ، ومن هذه النقطة إستطاع الدكتور جون قرنق أن يخرج بفكرة ( السودان الجديد ) مرتكزاً علي حقوق ما سماه بالأقليات التي تغلب في ظل الديمقراطية بصوت الأغلبية . وإن كنت أري أن هذا كلمة حق اريد بها باطل .
فلا توجد أقلية مهضومة حقوقها في السودان بسبب إثنيتها أو عرقها . فقد أثبتت الكتابات إن لم تكن كلها نستطيع أن نقول جلها ، أن الهامش في السودان ممتد في كل مساحة السودان الدولة القارة .
لازمة التوحد في قراءة الهوية السودانية واجبة لأنها تعطي مزيداً من الثقة بالنفس والإعتداد بالوطن السودان ، وتشد المواطن إلي الصورة الواضحة للوطنية ، بالعمل الخالص للوطن ، وليست بالهتافات والأصوات العالية .
ودي وتقديري
ابوبكر
هنا (http://www.alsahafa.info/index.php?type=3&id=2147509907)
ابوبكر
28-05-2008, - 01:58 PM
استدراك على بئر أبي طليح وايديولوجيا الجعليين
عبد الحفيظ مريود : -
ثقافة النيل وثقافة الأقليات
خضر حمد، حسن مكي، أغنية الأحباش وفصاحة الكبابيش
* تأسيس:-
يسخر عبد الحليم علي طه - تربوي وشاعر مؤسس- من هجائيات يوسف محمد الكارب، المفتش بمشروع الجزيرة، حين دخل معركة الاخوانيات اللطيفة بين عبد الحليم ومحمود الفكي، نافياً قدرته على الارتقاء الى معيارية الشعر، ليس لتقاصر موهبته الشخصية وانما بسبب محيطه:
وين جوّ الشعر يا العالم العلاّمة؟
وين كأس الشعر والبرقو ليك ندامى؟
والكارب - بحكم عمله في مشروع الجزيرة - يخالط وينادم «البرقو» وهى إحالة مركزية الى مطلق القادمين من الغرب تمنع - في التهكم المفرط لصياغة عبد الحليم علي طه - الكارب عن المنافسة، التي قد يكون جديراً بها - في الفسحة القريبة للتأويل - لو أنه نادم أناساً غير «البرقو» العاملين في القطن .
واذا كانت «البرقاوية» مقعدة للموهبة ، فإن عبد الحليم على طه ينظر الى «الحلبنة» - نسبة الى الحلب - ذات النظرة، معرِّضاَ بالشاعر عزمي سمارة - الأبيض اللون - الداخل تواً معركة الإخوانيات:-
ميدان الشعر الخضنا في مضمارو
كنت أنا الوتر كان الحفيد طنبارو
«عزمي» الباش بوزق بالقوَّة غزَّ حمارو
والباش بوزق احالة مركزية ايضاً الى مطلق الحمرة «الأباها المهدي». وعلى الرغم من سياق إخوانيات عبد الحليم على طه، الا انها تطبيق نموذجي لهلوسات الهوية السودانية كما يشير اليها د. الباقر العفيف في مأساة شمال السودان . ثمة معيارية تنفي بإستمرار «البرقو» من جهة و«الحلب» من الجهة الاخرى، تتمدد لتحكم سيطرة ثقافية - سياسية هى ما أشرت اليه في مقال سابق حول قراءة البروفيسور عبد الله الطيب لموضوعة الخليفة عبد الله بـ «ايديولوجيا الجعليين» التي يعبِّر عنها عبد الحليم على طه تعبيراً نموذجياً في ممارسة النفي والاقصاء «للبرقو» و «الحلب» وتأكيد مركزية طاردة هى عند التربوي المخضرم «نحنا أولاد جعل أهل البلد وأصحابها» .
* في حدود الايديولوجيا : -
يعرف «المعجم النقدي للسيسولوجيا» بأنها منظومة من القيم أو بعمومية أكثر من المعتقدات التي لا تعني بالضرورة الاشارة الى مفاهيم وافكار مقدسة.. ويكون موضوعها بشكل خاص هو التعامل مع التنظيم الإجتماعي والسياسي للمجتمع. وإعتبر ماركس الأيديولوجيا وعياً خاطئاً وأسلوباً لتغطية وإخفاء المحركات الحقيقية للواقع والتأريخ. وبإختصار غير مخلٍ فإن عبد الله العروى يعرف النظرة الأيديولوجية بأنها النظرة التي تتخيَّر الأشياء وتأول الوقائع بكيفية تظهرها دائماً مطابقة لما تعتقد أنه الحق.. بيد أن تعريف جورج طرابيشي سيكون أساسياً في الفسحة الواسعة للتأويل، حين تعرض لتجليِّات «ايديولوجيا الجعليين» سياسياً، فهو يرى انها «جسم نظري متسق من الافكار الموظفة في خدمة برنامج سياسي».
* بإتجاه المركزية : -
وتأسيساً على ساندرا هيل - برغم شذوذها الجنسي المثير لقرف الحاج ورَّاق - فإنّ الجعليين يشكلون جوهر الثقافة المهيمنة على البلاد . ويستغلون في كل الاحوال معتقدات شعبية لإقتفاء أثر اسلافهم العرب المسلمين الاوائل ، ليتصل بنسب النبي نفسه . والأصل النبيل يمثل العنصر المميز الذي يشهره السودانيون العرب الشماليون في وجه المجموعات المسلمة الاخرى التي لا ترقى لمستواهم الإجتماعي ومستخدماً لأدبيات Litreature الكثيفة في الثقافة السودانية في ما يتصل «بالجعلنة» ينسج جعفر عباس مادة ساخرة حول «أم دكة الجعليين» القرية في ريفي المناقل ، مسقط رأس الخاتم عدلان ، بأنها لو كانت تعني الحبل الذي يرُبط به السروال، لأشعل الجعليون حرباً أهلية «فأهون على الجعلي أن يأكل في صحن واحد مع شايقي من أن يقترن اسم قبيلته بمواضع العفة» «الرأى العام». ويؤكد الطيب محمد الطيب بأن خلاوى المجاذيب كانت مركزاً للعلم والمعرفة حين لم يكن السودان يملك تعليماً مؤسساً، على أيام الدولة السنارية القديمة وربما قبلها.
وتتمدّد «ايديولوجيا الجعليين» لتحكم سيطرتها على المجموعة الجعلية الكبرى، ليس فقط القبيلة الضيقة بين الجيلي وبداية أرض الرباطاب، لتتماهى كامل قبائل المجموعة الجعلية مع الايديولوجيا، بالرغم من عمليات الطرد والنفي الداخلية الخفية الممارسة من الجعليين - القبيلة - على بقية المجموعة . ويتجلى ذلك أكثر في النكات والأمثال التي يمركز بها الجعليون «جعليتهم» بإزاء الشايقي، الرباطابي، البديري، الميرفابي..الخ.
ولقد اقتضى الوضع الجغرافي هجرات متصلة للجعليين من دارهم ، في ما عُرف بـ «جعليي الشتات» لتأسيس خيوط جعلية على طول النيل الأبيض والنيل الأزرق وبعض أطراف كردفان الشمالية، الشئ الذي أسهم في تمدّد رقعة الايديولوجيا ، فضلاً عن العوامل التأريخية التي مكنّت الهوية الجعلية من أخذ «خيرات» الإستعمار الانجليزي والعهود الوطنية التي لم يكن أحدُ مؤهلا أكثر منها للمطالبة بالاستقلال وتأسيس العهد الوطني.
واستناداً الى بروفيسور عون الشريف قاسم ، فإن مجموعة القبائل الجعلية هى مركز الثقل في العملية اللغوية ، غير أنَّ «الجقر» في كتابه روائع حقيبة أم درمان ، يذهب ابعد من عون الشريف ، فيعرف العامية السودانية بأنها لغة القبائل العربية التي استقرت على ضفاف النيل ووسط السودان ، في تجاوز ايديولوجي بهيج، ناسفٍ لأي آخر. وبالتالي فإن الشعر القومي والأغنية القومية والتوجه القومي هو الذي ينتجه الساكنون على ضفاف النيل. وشئ من ذلك هو الذي جعل شريف حرير يرى أن ما يُسمى بالقومية السودانية هو تعبير عن السودانية النهرية أكثر مما هو تعبير عن السودان .
ويقرّر عبد الله علي ابراهيم في كتاباته الراقية عن عبد الله آدم خاطر بأن (صفة العنصرية هى طريقة صفوة الشمال النيلي في إخذاء كلِّ تفتح إقليمي أو اثني أو عرقي وتجريمه) «الصحافة 11/4/2004م». وبعبارات كيرت بيك فإن وجهة نظر عبدالله علي ابراهيم صحيحة تماماً . وذلك لأن مركز الجعليين هذا يتبنَّى «نظرة محددّة للأطراف وللعالم». وتؤكد ملاحظات كيرت بيك أن أسلوب الحياة الذي نشأ في وادي النيل هو الذي يفترض المركز بأنّه الأمثل وينبغي أن يسود.
وغالباً، فإن احداً لم يعر اعتراضات فضيلي جماّع الشاعر المعروف، اهتماماً حين قسّم الدكتور نور الدين ساتي الثقافة السودانية الى ثقافة السودان الأوسط وثقافة الأقليات. مع أن اعتراضات فضيلي جمَّاع لم تكن جوهرية بما يكفي، ازاء ملاحظات دكتور نور الدين ساتي الدقيقة، فثقافة وادي النيل - ايديولوجيا الجعليين - بسطت سيطرتها حتى على رواة السيرة الهلالية وسط المسبعات والحوازمة وكنانة وفقاً لإبراهيم اسحق ، لأنها كانت «ثقافة قوية وطاغية» بعد القرن الثامن عشر «هجرات الهلاليين».
* هاك من دار جعل : -
كلَّ ذلك جعل «الآخرين» (جنوبيين، غرّابة، أدروبات، برقو، نوبة) فيما اصبحنا «نحن» (أولاد البلد) المصطلح الأكثر دقة في ايديولوجية الجعليين الذي تعود بدايات تأسيسه لأيام الخليفة التعايشي الأولى ، حين مثل «الاشراف» الايديولوجيا . وطالبوا بالحكم مناصرين من قبل أغلب المجموعات ، فإستناداً الى بحوث عاطف حسن الشريف ، فإنّ لأي أحد ان يدعي «الجعلنة» نسباً وثقافة ، لأنه لا أحد يطالبك أن تثبت «جعليتك» تحت عباءة الشتات الكبير للجعليين ووضعيتهم الاجتماعية .
وثمة صيغة أكثر لطفاً للمصطلح «أولاد البحر» هى في الغالب استدراك حميد لما بدأت حدّة (أولاد البلد) تثير حنق الآخرين وتقلل من وجودهم . وعليه فإن بيت عبد الحليم علي طه «نحنا اولاد جعل أهل البلد وأصحابها» ليس تفاخراً في سياق إخواني في مواجهة محمود الفكي «الحلبي» فقط . وانما ترسيم واضح لرؤية ايديولوجية يتم التعامل بناءً عليها .
ويتحسر خضر حمد ، أحد رموز الاتحاديين على أن أرض السودان على جانبي النيل الأزرق حتى الروصيرص يسكنها المهاجرون من نيجيريا «يقصد الفلاتة والبرنو والهوسا» بسبب السياسات الانجليزية الغشيمة ، ويعترض - فيما بعد ودون جدوى- د. عبد الله عبد الماجد: ما الفرق بين مهاجر ومهاجر؟ ثم يكتشف بروفيسور حسن مكي تغيير وجه الخرطوم العربي بسبب الأحزمة السوداء، فيعترض المهندس فاروق جاتكوث «هل حسن مكي أصيل في الخرطوم ونحن دخلاء ، نحن أهل الخرطوم قبل أن يأتي اجداد حسن مكي الى السودان) «الخرطوم الجديدة ابريل 2004م» . ويعلق صالح مختار عجب الدور- إعلامي وباحث استراتيجي- بأن ذلك «ليس سجالاً للنخبة بأية حال من الأحوال». وبعبارات ابيل ألير السياسي والقانوني «ان ذلك مما يضع القطر في متاعب مع نفسه» الأمر الذي نتطلع للتفصيل فيه حين نعرض للتجليات السياسية لايديولوجيا الجعليين .
* ثم أما بعد : -
تعيِّن ايديولوجيا الجعليين حدود السودان وترسم ثقافته وفقاً لرؤيتها. وتعرف مفردات هذه الثقافة تعريفات «اولاد البلد»: الشعر القومي ، اللهجة العامية ، الحس القومي . وتعيد انتاج ما ليس جعلياً وفقاً لمصالحها «الحضارات النوبية مثالاً». وأكثر من ذلك فإنها تعمد الى تعميم صورتها على السودان، ملتزمة بالأفق المشرقي العربي ، بالرغم من نظرته الدونية لها «راجع د. الباقر العفيف- ترجمة الخاتم عدلان».
ويؤكد حسن مكي أن الخطاب الصوفي ولج الى أعماق النفس السودانية «نموذج حسن ودحسونة» مع أن التصوف في السودان محصور جداً، استناداً الى د. مختار عجوبة، مشيراً الى انه «لا يمثل ملمحاً من ملامح الثقافة السودانية. وانما هو ثقافة نيلية» «اصول الادب السوداني».
ولقد مات خضر محمد والحسرات تملأ نفسه بأن الاغنية السودانية تشبه أغاني الاحباش والأفارقة . وليست الأغنية العربية الراقية ، على الرغم مما بذله هو وأصحابه من جهود لترقيتها لتشبه الأغنية العربية.
ولعلَّ أكثر دهشة حسن نجيلة كانت منصبة على فصاحة الكبابيش واستخدامهم لمفردات قاموسية في سياقها الصحيح، هى في وجه من الوجود إنكار- شبه ايديولوجي- لامتلاك الكبابيش في باديتهم فصاحة تكاد تكون نيلية . وفي السياق ذاته محاولات تبنِّى مسادير البطانة وجعلها شعراً «قومياً» لا يخص الشكرية والبطاحين وحدهم .
وفي مجالها السياسي، لعبت الايديولوجيا دوراً مهماً في تأريخ الأزمة السياسية ، نأمل أن نعرض له ، كما لعبته في «تأزيم العلاقات الاثنية بالإستغلال والإستعلاء معاً» كما يلاحظ كمال الجزولي في «الرأى العام» 5 مايو 2004م. على أن ذروة التعبير عن ايديولوجيا الجعليين ، بعد عبد الحليم علي طه بلغها محمد سيد أحمد سر الختم ، فالشماليون عنده «هم حكام هذه البلاد على الدوام، باعتبار ان انسان الشمال يتميز عن الآخرين بالمقدرات والامكانات في الخلق والابداع» «الخرطوم الجديدة» - ابريل 2004م.
عسى أن يكون ذلك تبياناً أكثر وضوحاً لمعالجتنا لتأريخ البروفيسور عبد الله الطيب لتطور النثر العربي في السودان، حتى لا يديم الناس النظر في بئر أبي طليح أو يغرقوا فيها .
المصدر : جريدة الصحافة
حالة إدعاء الرفعة والنسب الأعلي سمة في كثير من المجتمعات ، وكذا الحال في المجتمع السوداني ، حتي من قبل تكوين الدولة الحديثة في السودان ، ونعني بالدولة الحديثة في السودان حقبة الإستعمار البريطاني المصري ، حيث تفتحت المفاهيم ونادت الأصوات بالسودانوية ، والقومية السودانية ، والثورة ضد الإستعمار البريطاني المصري .
دلالة وجود مفهوم النسب الرفيع نجده أكثر ما نجده في مسرحية المك نمر التي صاغها ابراهيم العبادي ، ففي تلك المسرحية الشعرية نجد ثقافة المجتمع الذي كان سائداً في ذلك الآوان .
هوي يا عرب احسن تراعو ادابكم
واسوه الكلام قبال اواسى رقابكم
ما عندي الاضينة الاصلو معدود دابكم
فد جعلى ان ركب حالا بخربو عقابكم
فلاحة العربى داب سفروقو و يجلب كلبو
يا يربط درب و يرجى الاضينة يسلبو
الهيلكم حقيقة و فيها ما بتنغلبو
فالحين فى القنص ترعو و تعرفو تحلبو
وهنا نري أن العروبة أيضاً مراتب ، فالجعلية متفردين في العروبة ولهم كل صفات الفارس (الجحجاح ) . وأما سواهم فلا يفلحون إلا للصيد والرعي . وهذه كانت سائدة في الجزيرة العربية ، أي ثقافة مستوردة مع الدخلاء ، وإذا نظرنا إلي صفة العرب في المجتمع النيلي فيعني ذلك إنك شخص وافد علي المنطقة ، حيث يرتكز النوبية علي إمتلاك الأرض علي النيل ( في الجروف ) ومعرفة اللغة ، وهذا ما لا يتأتي للعربي الوافد .
وهذا لايعني الهوية السودانية في سياق جغرافية السودان الدولة ، بقدر ما يعني الهوية القبلية في النطاق الضيق ، وإذا أردنا أن نحدد هوية وطنية جامعة لكل السودان ، علينا أن ننزع هذه الإحترابات والحزازات ، ونقبل علي قبول الواقع الثقافي المتعدد للإثنوبولوجيا السودانية ، حتي نستطيع أن نقدم هوية وثقافة سودانية للعالم .
وأما ما ذهب إليه الأستاذ عبدالحفيظ من حالة التماهي بالجعولية في الثقافة النيلية في الشمال ، فهذه حالة لا تعكس كل الواقع ، فإذا نظرنا إلي القبلية نجد أن حظها أكبر وأوسع ، من التماهي حتي في مناطق الشتات . فلا يأبي شخص أن ينتسب إلي قبيلته إذا ما سئل عن ذلك ’’ خاصة الشماليين ‘‘ قبائل ( الشايقية والمناصير والرباطاب والمريفاب ـ والنوبيين المحس’’ الحلفاويين والسكويت ‘‘ والدناقلة ) وغيرهم من قبائل الشمال .
وهذه الحالة نجدها في الجنوب أيضاً حيث أن كل شخص يرجع سريعاً إلي النسب القبلي له وبكل الإعتزاز والفخر ، وليس الجنوبيون كلهم وحدة ثقافية واحدة ، وإن كانت هويتهم تبدو للوهلة الأولي واحدة ، فإن تفاصيل الإختلاف بينهم ظاهر لكل من يقترب من تلك المجموعات الإثنية . فنري قبائل شرق الإستوائية لها إشارات ’’ وشم ‘‘ تدلل بها عن هويتها الإثنية ، والحال بنفس الكيفية تقريباً عند كل قبائل الجنوب .
ابوبكر
ابوبكر
13-06-2008, - 01:09 AM
إفادات القوى السياسية
حول إشكالية التنوع الثقافي
إشكالية التنوع الثقافي
في السودان
الأستاذ محمد علي جادين
أمين عام حزب البعث
مقدمة :
1/ هناك الآن اتفاق حول واقع التنوع والتعدد الثقافي والأثني والديني في السودان .وتمثل ذلك في اتفاقات واعلانات وقعتها القوي السياسية والاجتماعية في البلاد وشمل اهمها الاتي :-
• مقررات مؤتمر أسمرا حول القضايا المصيرية 1995م التي تمثل وجهة نظر قوي التجمع الوطني الديمقراطي الذي يضم كل قوي المعارضة الشمالية والجنوبية تقريبا .
• اتفاقية الخرطوم للسلام 1997م بين حكومة الانقاذ وبعض القوي السياسية الجنوبية وتمثل وجهة نظر الجبهة الاسلامية القومية الحاكمة والقوي الاخري الموقعة معها والاتفاقية تطرح افكارا تقترب كثيرا من مقررات مؤتمر اسمرا 1995م بما في ذلك حق الجنوب في تقرير مصيره .
• اتفاقية السلام الشامل بين حكومة الانقاذ والحكومة الشعبية لتحرير السودان في يناير 2005م ومع ان الجانب الثقافي يشكل أضعف محاور الاتفاقية الا أنها اكدت علي حقائق التنوع والتعدد الثقافي والديني والاثني وحق المجموعات المختلفة في المحافظة علي لغاتها وثقافاتها وتطويرها ، اضافة الي تركيزها علي خصوصية انتماء السودان ودوره في محيطه العربي والافريقي وتوزان سياسته الاقليمية في هذا الاطار ( أنظر الاتفاقية ) .
هذا الاتفاق الواسع هو امتداد لاعلان كوكادام بين الحركة الشعبية وقوي التجمع الوطني لانقاذ الوطن في بداية 1986 واتفاق الميرغني / قرنق في نوفمبر 1988 وذلك إضافة إلي تطورات عديدة تمتد منذ مؤتمر جوبا 1947م حتي مؤتمر المائدة المستديرة في 1965م واعلان 9 يونيو 1969م واتفاقية أديس ابابا 1972م بين النظام المايوي وحركة تحرير جنوب السودان . ومع كل ذلك ، فان العبرة ليست في الإعلانات والإتفاقيات وإنما في فهمها المشترك وتطبيقها في الواقع العملي . وهذا لم يحدث حتي الآن . ولذلك يمكن القول ان قضية التنوع الثقافي والإثني والديني لاتزال تطرح نفسها بقوة في الواقع السوداني وتحتاج الي جهد أكبر وأوسع بحكم تعقيداتها وإختلافها النوعي عن قضايا تقسيم السلطة والثروة . ولا أريد هنا متابعة موقف حزب البعث العربي الإشتراكي السوداني من هذه القضية لان دكتور حيدر إبراهيم علي اشار في ورقته ، التي قدمها في جلسة الامس ، الي وثيقة (البعث وقضايا النضال الوطني في السودان) الصادرة في 1973م والتي تناولت قضايا الوحدة الوطنية وبالذات مشكلة العلاقة بين الجنوب والشمال . وهناك أيضا وثيقة أخري حول (قضايا الهوية والوحدة الوطنية ) طرحها الحزب في بداية 1989م ضمن مساهماته في التحضير للمؤتمر الدستوري الوطني المزمع عقده في تلك الفترة . وهناك أيضا وثيقة صدرت في 1998 تحت عنوان ( نحو مخرج ديمقراطي للازمة الوطنية الشاملة الجارية في بلادنا) وهذه الوثائق وغيرها متوفره ويمكن الرجوع إليها . ولذلك سأركز هنا علي بعض الجوانب الفكرية والعملية والمفاهيمية الخاصة بهذه القضية .
إشكالية التنوع في الوقت الراهن :-
2/ إشكالية الهوية الوطنية والتنوع الثقافي والاثني في السودان تتمثل الان ، رغم الاتفاقيات السياسية العديدة . في توجهين اساسيين متطرفين متناقضين ومتشابهين في نفس الوقت :
• الأول يضع الدين في مواجهة الهوية الوطنية ، وتمثله الجبهة الاسلامية القومية وسلطة الانقاذ و دوائر وسط القوي المهيمنة الشمالية . وهذا التوجة يعمل علي فرض مفهوم يقوم علي الاسلام واللغة العربية ومعاداة الثقافات والأديان الوطنية الاخري وبالذات الثقافات الجنوبية . وهو بذلك يعمل علي تبسيط مشكلة الهوية ويحصرها في عامل الدين فقط ويتجاهل حقائق التنوع الثقافي والديني والإثني في السودان ككل وحتي في الشمال (العربي المسلم) نفسه . ويحاول تحقيق ذلك بفرض سياسة أسلمة وتعريب واسعة وسط المجموعات السكانية غير المسلمة وغير العربية بكل الطرق الممكنة وعلي رأسها سلطة الدولة السياسية والاقتصادية . وهذه السياسة تعتبر امتداد لممارسات الحكومات العسكرية السابقة بشكل خاص والأنظمة المدنية الديمقراطية بدرجة أقل . ولكنها في ظل نظام الانقاذ ( الاسلامي) اتخذت أبعاد واسعة وخطيرة . وهو توجه يتناقض مع الاسلام والتراث العربي الاسلامي ، ومع التجربة السودانية في عمومها . وهو ايضا توجه آحادي أدي عملياً الي إدخال الإسلام والعروبة السودانية في مأزق صراع إقصائي وورطة عدم القدرة علي التعايش والتفاعل مع المجموعات الوطنية الاخري ، وخاصة المجموعات الجنوبية . وهو بذلك يخاطر بالعروبة والإسلام ومكانتهما الكبيرة في الهوية الشمالية ويحملهما مسئولية تفكيك الكيان السوداني علي أسس دينية وعرقية (عبد الله علي إبراهيم ) وذلك من خلال إستغلالهما كسلاح إضافي لتعزيز نهج الحكم الإستبدادي والشمولي (الصاوي) ومع ان هذا التوجه يجد جذورة في فترات سابقة وخاصة سياسات النظام المايوي في سنواته الاخيرة ودورها في تنمية حركات الإسلام السياسي وربطها بالفئات التجارية والطفيلية النامية في تلك الفترة ، إلا أنه لا يتماشى مع التطورات الجارية وسط معظم القوي السياسية الشمالية في موقفها من قضايا الهوية والتنوع الثقافي والاثني .
• الثاني توجه معاكس تماما للتوجة الأول ويتركز بشكل رئيسي وسط القوي السياسية الجنوبية. امتداداً لتقاليدها خلال فترة الحرب الأهلية الأولي ، مع إمتدادات شمالية ، خاصة وسط المجموعات الشمالية غير العربية وبعض الدوائر السياسية الشمالية . وهذا التوجة يركز علي تحميل الثقافة العربية الاسلامية والهوية الشمالية العامة مسئولية تصاعد الازمة الوطنية الشاملة الجارية في البلاد . وذلك استنادا الي سيطرة القوي المهيمنة الشمالية (تحديداً القوي النيلية وبعض القوي الاقليمية الاخري) علي السلطة طوال فترة ما بعد الاستقلال وسياساتها التي ادت الي استبعاد الجنوب والمناطق الطرفية الاخري وتهميشها . وهذا التوجة يعتبر هذه السيطرة نتاجاً لجوهر ثابت في الهوية الشمالية وثقافتها العربية الاسلامية ، وليس فقط نتاجاً للتكوين الفكري والاجتماعي لتلك القوي وبذلك يتحول التركيز من العوامل الاقتصادية الاجتماعية الي العامل القومي والثقافي ، ويتحول الصراع من صراع سياسي إجتماعي الي صراع ثقافات وهويات ( فرانسيس دينق ) ومن هنا يعمل هذا التوجة علي تضخيم حقائق التنوع والتعدد الثقافي والاثني في اتجاة اعلاء شأن المجموعات السكانية غير العربية (الأفريقية) باعتبارها اساس الهوية السودانية وتقليل شأن (القومية العربية الشمالية) واعتبارها ( اقلية مسيطرة) وفي بعض الاحيان مجرد (جالية أجنبية) يجب طردها من البلاد . وذلك اعتماداً علي الإحصاء السكاني الأول (1955م) رغم عيوبه الفنية وقصور نظرته للتقسيمات القبلية في البلاد . والمهم ان هذا التوجه ، هوالآخر ، يعمل علي تبسيط مشكلة الهوية وحقائق التنوع الثقافي والاثني ، وذلك من خلال نظرة عرقية تقود الي نفي الهوية العربية والشمالية لمصلحة اعلاء شأن (الهوية الافريقية ) ووضع تعارض موهوم بين الانتماء (العربي الاسلامي) في الهوية الوطنية السودانية وانتمائها (السوداني والأفريقي) ويعني ذلك عمليا رفض حقائق التنوع الثقافي والاثني القائم في ارض الواقع ، وعلي رأسها حقيقة المكانة الكبيرة التي تحتلها الثقافة العربية الاسلامية في الهوية السودانية . ويعني ايضا نفي صفة (الافريقية) عن الشمال لمجرد انه (عربي مسلم) دون تقدير لوجود أكثر من ثلاثة ارباع العرب في القارة الافريقية أو لحقيقة إن سكان الأقطار العربية الأفريقية يشكلون نسبة كبيرة من سكان القارة ، وكذلك دون تقدير لدور (العروبة السودانية) في بناء الكيان السوداني وتوطيد وحدته الوطنية . وعندما يصطدم هذا التوجه بحقائق الواقع ويفشل في نفي الهوية العربية الشمالية أو تأكيد أقليتها يتراجع الي الاكتفاء القبلي أو الجهوى . وبجانب ذلك فان هذا التوجه لا يساعد عملياً في معالجة الازمة السودانية الشاملة والمزمنة ، بل إنه يضحي بأهم أدوات هذه المعالجة المتمثلة في الهوية الشمالية كحضارة وثقافة وقوي سياسية واجتماعية حديثة لها دورها المؤثر و الفعال في بناء الكيان السوداني وتقدمة ونهضته الحديثة .
التنوع والهوية المزدوجة :-3/ هكذا تتحدد إشكالية التنوع الثقافي والهوية الوطنية في الوقت الحالي في هذا الاستقطاب والصراع الديني والعرقي بين هذين التوجهين المتناقضين والمتشابهين ، بغض النظر عن شعاراتهما المرفوعة ، وهنا لابد من التركيز علي دور سياسات نخبة الانقاذ المسيطرة خلال الفترة السابقة في دفع الصراع الشمالي الجنوبي والاوضاع السياسية بشكل عام لتصل الي وضعها الراهن . وكرد فعل لكل ذلك هنالك توجه ينظر لمسألة التنوع الثقافي كتنوع وتعدد غير محدود ، وينظر للمجموعات السكانية كمجموعات منفصلة ومعزولة لا تربطها مع بعضها أي علاقات مشتركة ، ويفترض وجود إختلافات وفوارق واسعة بينها ويتجاهل عمليات التمازج والتداخل والإندماج الوطني ، التي ظلت تجري في اوساطها طوال قرون عديدة . وذا كان الرأي السائد حتي وقت قريب يربط نشؤ الكيان السوداني بحدوده الحالية بالحكم التركي المصري (1821م- 1885م) فإن الدراسات التأريخية الحديثة تربطه بظهور الهوية العربية الشمالية بملامحها المميزة وقيام السلطنات الإسلامية ( الفونج ، الفور ، تقلي والمسبعات) في الوسط والشمال والغرب في بدايات القرن الرابع عشر والخامس عشر (القدال والصاوى) فقد شملت هذه السلطنات معظم المناطق التي يتكون منها السودان الحالي ، وكان تكوينها يعكس تنوعاً مشابهاً للتنوع الثقافي و الاثني . الحالي ونشير هنا الي إنتقال عاصمة سلطنة سنار الي جنوب مدينة سوبا ، عاصمة المملكة المسيحية السابقة ، والي إحتمال الاصل الشلكاوي لمجموعة الفونج ، التي ساهمت في قيام السلطنة مع مجموع العبدلاب العربية . وهو تطور لم يأت من فراغ وانما استند الي عوامل سياسية واقتصادية وثقافية ظلت تعمل علي دفع المنطقة بكاملها في اتجاه الوحدة والاندماج الوطني . وشمل ذلك دور الطرق الصوفية وانتشار الاسلام واللغة العربية و اتساع نشاط الطبقة التجارية المحلية والتجارة الداخلية الواسعة والتجارة البعيدة المدي مع المحيط العربي والافريقي . ولولا ذلك لما استطاعت القوات التركية المصرية السيطرة علي البلاد بسهولة ويسر . وجاء الحكم التركي ليقوم بتوحيد المنطقة ، لاول مره في تأريخها ، في دولة مركزية موحدة ويساعد في خلق عوامل اضافية ادت الي اعادة صياغة التركيب القبلي ودفع عمليات التمازج والاندماج الوطني خطوات الي الامام . وانفجار الثورة المهدية في عام 1881م في وجه الحكم التركي (المسلم) لم يكن بعيدا عن تأثيرات هذه العوامل . ولذلك مثلت الثورة المهدية اول ثورة وطنية في تأريخ السودان الحديث ، وشاركت فيها معظم المجموعات السكانية العربية وغير العربية ومعظم أقاليم البلاد ، بما في ذلك الجنوب . وفي عهد الحكم الثنائي (1898م – 1956م) ادي قيام الدولية المركزية و السوق الموحد ومشاريع القطاع الاقتصادي الحديث الي تسريع عمليات الاندماج الوطني وظهور الهوية الوطنية السودانية بتنوعها وخصوصيتها المعروفة . ومع كل ذلك ظلت عوامل التفكيك والتفتيت تعمل جنبا الي جنب مع عوامل الوحدة والاندماج الوطني . وبتعميم واسع يمكن تقسيم سكان البلاد الي مجموعتين كبيرتين ، الاولي تشمل السودانيين (نيليين وسودانيين ) في مناطق الجنوب والغرب ، وتشمل الثانية القوقازيين (حاميين وساميين) في الشمال والوسط والشرق (أحمد الجاك) وضمن هذا الاطار يمكن القول ان السودان ، بوضعه الحالي ، لايزال في طور التشكل والتبلور ، أي أنه لا يشكل أمة أو قومية موحدة بالمعني العلمي للكلمتين ، وانما هو دولة مركبة من عدة هويات , بعضها قطع شوطاً كبيرا في بلورة خصايصه القومية وبعضها الاخر لايزال في طوره القبلي ، ما قبل القومي . ويتجسد ذلك في التمايز الاساسي الثقافي والتأريخي والاقتصادي الاجتماعي بين الجنوب والشمال إضافة الي تنوع أثني وثقافي واسع في اطار كل من المنطقتين . ولذلك هناك ضرورة لمناقشة هذه المسألة في اطار كل من الجنوب والشمال ، بحكم واقع التمايز والتفاوت في أوضاعهما الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها .
الشمال :-
4/ شمال السودان ، في عمومه ، يرتبط بهوية عربية إسلامية ، تستند الي غلبة الثقافة العربية الاسلامية في داخله وإنتمائه للمجال الحضاري العربي الاسلامي العام ، أكثر من الاصول العرقية التي لا يمكن متابعتها . ويتضمن ذلك بالضرورة تنوعاً وتعددا إثنياً وثقافياً في أوساطه ، بمعني الاختلاف في درجة التعريب والاندماج الوطني ، واستمرار الثقافات المحلية السابقة كجزء حي وفاعل في التكوين العام للثقافة الوطنية الشمالية القائمة الان . وذلك بحكم تداخل وتمازج المجموعات السكانية ، بشكل عام مع بعضها ونتيجة للدور الحاسم الذي ظلت تلعبه اللغة العربية والاسلام والتجربة المشتركة طوال حقب تأريخية طويلة . ويمكن رصد هذا التداخل والتمازج بدءاً بالحضارات القديمة ، مروراً بفترة الممالك المسيحية والسلطنات العربية الإسلامية ، وإنتهاءً بالعصر الحديث ودور الدولة المركزية والسوق الموحد في تسريع عمليات الاندماج الوطني الجارية في عموم المنطقة .
ونتيجة لكل ذلك تبلورت ما يمكن تسميته الهوية العربية الاسلامية الشمالية واصبح التعدد والتنوع الثقافي والاثني في داخلها يمثل تنوعاً ثانوياً ودرجة في الاندماج الوطني . فبعض المناطق انكفأت واحتفظت بتراثها الثقافي القبلي والمحلي لاسباب عديدة ، ولكن ذلك لم يؤدي الي منع تداخلها وتمازجها مع المجموعات الشمالية والوطنية الاخري ولا الي ابتعادها الكلي عن تأثيرات العوامل الداخلية الدافعة في اتجاة الاندماج في الهوية الشمالية المتميزة والهوية الوطنية العامة . وهي عملية تأريخية طويلة ساعدت في تسريعها عوامل عديدة أشرنا الي بعضها في مكان سابق . ومن هنا فان التنوع الثقافي والاثني في الشمال بشكل عام لا يمكن تضخيمة وتحويله الي تباين واختلاف نوعي مقارنة بالاختلاف الثقافي والتأريخي مع الجنوب . وفي كل الأحوال ، فان وحدة الهوية العامة لا تعني التجانس المطلق وانتفاء التنوع . ولذلك لا يمكن الحديث عن اختلافات ثقافية نوعية في المناطق الشمالية ، بحكم تداخل وتمازج الثقافة العربية الاسلامية في مجمل النسيج العام للثقافة الوطنية الشمالية وتداخل وتمازج مجموعاتها الاثنية بشكل كبير . ومن هنا فان هذا التنوع يشكل مصدر قوة وثراء وليس مصدر تفكيك وتفتيت . واياً كانت نظرتنا لهذه المسألة ، فإن ذلك يجب ان لا يقف في طريق تمتع كافة المجموعات المتميزة بكامل حقوقها الثقافية والتعبير عن خصوصيتها في اطار الكيان السوداني الموحد . وربما لهذا السبب بالتحديد كان اختلاف الحركات الإقليمية في الشمال عن توجهات الحركة الإقليمية الجنوبية (وداوارد) واذا كان البعض يركزعلي المكون الافريقي في الهوية الوطنية ويدعي ان حتي الذين يدعون الانتماء العربي في الشمال هم أفارقة اقحاح (فرانسيس دينق) فإن المسألة ليست في تخيير أهل الشمال بين أفريقيتهم وعروبتهم بقدر ما هي في التعامل مع حقائق الواقع كما هي ، وفي التركيز علي المداخل التي توحد البلاد . فالسودان يمثل أفريقيا مصغرة وجسراً للتواصل بين القارة الافريقية والشرق الاوسط (= العالم العربي) حسب فرانسيس دينق . وهذا الوصف يعبر بشكل محدد عن خصوصية انتماء السودان عموماً ، والشمال بشكل خاص ، ودوره في محيطه العربي والإفريقي . ولذلك يمكن القول ان العروبة و الأفريقية أصبحتا مندمجتين بشكل كبير في الشمال ولا يمكن التمييز بينهما . وهو بذلك الأكثر تمثيلا للقارة الأفريقية بالمقارنة مع أي منظمة أخري بما في ذلك جنوب السودان ( مدثر عبد الرحيم ) .
الجنوب :-
5/ الجنوب يختلف عن وضع الشمال وتنطبق عليه التعريفات ذات الطابع السوسيولوجي المرتبطة بأوصاف الاثنية والقبلية أكثر من أوصاف القومية وشبه القومية . وذلك يعني أنه لا يزال في طور التكوين والتبلور ولم يستكمل مقومات تكوينه القومي (الصاوي) وذلك بالطبع لا يقلل من قيمته الإنسانية وحقيقة خصوصيته واختلافاته الثقافية والتأريخية مع الشمال. ومع ذلك يمكن القول بأنه يتميز بهوية (إقليمية) موحدة ، حسب تعبير إدوارد ، أي هوية فوق مستوي الهويات القبلية أفرزتها عوامل عديدة تشمل السياسة البريطانية في عهد الحكم الثنائي ، دور المتعلمين في فترة ما بعد الاستقلال ، الحرب الأهلية الأولي والثانية ، تجربة الحكم الذاتي الاقليمي 72- 1983م وغيرها – ويدخل في ذلك تأثيرات الحركة الشعبية التي تحولت في فترات عديدة الي معبر حقيقي عن تطلعات الجنوب كهوية موحدة . وكما هو الحال في الشمال ، لا يمكن الحديث عن التنوع الثقافي والاثني في الجنوب بعمومية أو كوحدات قبلية معزولة عن بعضها ، وبالتالي تجاهل عمليات التفاعل والتمازج الجارية في ارض الواقع . ففي هذا الإطار نشير الي وجود ثلاثة مجموعات جنوبية كبيرة تمثل درجة من الانتماء فوق القبلي والاثني . وهذا الوضع يساعد في فتح الطريق لتبلور كيان (قومي) أو أكثر حول كبري القبائل الجنوبية (الدينكا) أو حول تحالف بين مجموعة القبائل النيلية (الدينكا والنوير والشلك) التي تشكل حوالي 60% من سكان الجنوب . وذلك رغم الانقسامات القبلية والسياسية والشخصية وسط النخبة الجنوبية . ومثل هذا التوجة تدعمه تطورات فترة ما بعد الاستقلال التي خلقت الأساس الموضوعي لوحدة المنطقة . ويعتمد ذلك , بشكل أساسي , علي تماسك وحدة المتعلمين الجنوبيين وآفاق تطور علاقة الجنوب بالشمال ومحيطه المجاور وتطور مفاهيم الحركة السياسية الجنوبية حول قضايا الوحدة والانفصال والتكامل في إطار سودان موحد . وهنا نلاحظ ضعف المساهمة الجنوبية في هذا المجال بعيداً عن الدفاع عن خصوصية الجنوب ومعاداة الثقافة العربية والهوية الشمالية . ومع ذلك , فقد توصل الراحل جوزيف قرنق الي استحالة اندماج المجموعات القومية القبلية الجنوبية مع القومية العربية الشمالية لتكوين قومية سودانية موحدة , لان الأخيرة استكملت نمؤها وتبلورها القومي ولا يمكن اللحاق بها . لذلك يري ان الطريق الوحيد المفتوح امام هذه المجموعات هو ان تتطور جماعاتها الكبيرة وتتبلور في عدد من (الوحدات القومية) في اطار سودان ديمقراطي موحد , اذا ما توفرت ظروف ملائمة (نقلاً عن الصاوي) وفي عام 1970 عندما كان وزيراً لشئون الجنوب اقترح اختيار لغة أو لغتين من اللغات الجنوبية لتكون (لغة قومية) للاقليم بكامله (عبد الله ع . إبراهيم) ويتميز جوزيف قرنق بعدم معاداته للثقافة العربية والهوية الشمالية وبأنه يرجع ظاهرة التفاوت الاقتصادي الاجتماعي بين الجنوب والشمال الي سياسيات الحكم الثنائي وحكومات فترة ما بعد الاستقلال , وليس الي أسباب ترتبط بجوهر ثابت في الثقافة العربية الإسلامية كما يحدث الآن في بعض الكتابات الجنوبية . وهو أيضا يتعامل مع حقائق التنوع الثقافي والاثني في الجنوب والشمال في حدودها وحجمها الحقيقي . والواقع ان قرارات مؤتمر جوبا 1947 وبيان 9 يوليو 1969 واتفاقية أديس ابابا 1972 , وحتي اتفاقية السلام الشامل 2005 , كل هذه الاتفاقيات تتضمن إعلانا صريحاً بالهوية الإقليمية الجنوبية مقابل الهوية العربية الشمالية . ومن خلال كل ذلك يمكن للجنوب ان يلعب دوراً في إعادة بناء السودان علي اساس الاعتراف بتنوعه الثقافي والاثني . ويرتبط ذلك بشرط أساسي يتمثل في إشاعة الديمقراطية في الدولة والمجتمع واعتبار المواطنة هي الأساس للحقوق والواجبات .
خلاصة :-
6/ في مناقشتها لإشكالية التنوع الثقافي في السودان توصلت الورقة الي مفهوم واقعي لإشكالية الهوية الوطنية والتنوع الثقافي في السودان يرتكز الي تكوين قومي مزدوج . هناك هوية عربية اسلامية غالبة في الشمال وهوية إقليمية في الجنوب وتنوع اثني و ثقافي في إطار هاتين الهويتين والهوية الوطنية العامة . وينطلق هذا المفهوم من واقع تطورات السودان منذ قيام السلطنات العربية الاسلامية حتي تطورات فترة ما بعد الاستقلال . ومع ميلاد الحركة الوطنية الحديثة تطور مفهوم الهوية الوطنية العامة ليرتبط بالمساواة في حقوق وواجبات المواطنة والمشاركة في تقرير مصير الوطن الواحد . وتلازم هذا التطور مع انحسار النظرة التي تحصرها في الإسلام واللغة العربية فقط ليستوعب الجنوب وتعقيدات التركيبة السودانية وخصوصية انتمائها ودورها في محيطها العربي والإفريقي . وفي إطار هذا المفهوم الواقعي والواسع يمكن استيعاب الجنوب والمناطق المتميزة الاخري وتنمية ثقافاتها وتطويرها وإخراج الإسلام والعروبة السودانية من مأزقها الراهن الناتج من سياسات التحيز والاقصاء والاستعلاء . والمدخل الي ذلك يتمثل في التمييز بين الهوية الشمالية من جهة والقوي المهيمنة الشمالية المرتبطة بهذه السياسات . من جهة اخري والمهم ان اصلاح الاختلالات الناتجة من هذه السياسات لا يتم بنفي هذه الهوية أو التقليل من شأنها ولا بفرض الاخيرة بالقوة والاكراه , وانما بتوفير الشروط الضرورية لبناء الدولة الوطنية . وفي هذا الاطار فقط يمكن للسودان ان يكرس وحدته الوطنية وان يلعب دوراً أساسياً في محيطه العربي والافريقي وفي توطيد العلاقات العربية الافريقية وضمان أمن واستقرار المنطقة , انطلاقا من أن أمنها واستقرارها اما ان يكون عربياً وأفريقيا مشتركاً أو لا يكون علي الاطلاق .
المراجع :-
1. حوارات الهوية الوحدة الوطنية في السودان . عبد العزيز حسين الصاوي
2. أزمة المصير السوداني , عبد العزيزحسين الصاوي .
3. السودان : الدولة المضطربة , بيتر وداورد , ترجمة محمد علي جادين
4. ديناميات الهوية في السودان , فرانسيس دينق , ترجمة محمد علي جادين .
5. صراع الرؤى , فرانسيس دينق , ترجمة حسن عوض .
6. تأريخ السودان الحديث , محمد سعيد القدال .
7. الماركسية وقضايا اللغة في السودان , عبد الله علي إبراهيم
8. الارهاق الخلاق , عبد الله علي إبراهيم
9. الحركة النقابية والتطور السياسي في السودان , أحمد حسن الجاك
10.العروبة والأفريقية وتحديد الهوية , في : السودان في افريقيا , تحرير يوسف فضل بالإنجليزية .
11.اتفاقية السلام الشامل .
هنا (http://karama85.org/pages/conpages/con1/paper13.htm)
هذه ورقة عن الهوية السودانية .
ابوبكر
13-06-2008, - 01:11 AM
أيُّ نزاعٍ بين الغاب والصحراء؟
وضع العروبة كمقابل للإفريقية مفهوم خبيث..
بقلم : خالد أحمد بابكر
مفتتح:
سأعودُ اليوم يا سنارُ حيثُ الحلم ينمو تحت ماءِ الليل أشجاراً
تعرّي في خريفي وشتائي
ثم تهتزُ بنارِ الأرضِ، ترفضُ لهيباً أخضرَ الريشِ لكي
تنضجَ في ليل دمائي
ثمراً أحمرَ في صيفي، مرايَا جسدٍ أحلامه تصعدُ
في الصمتِ نجوماً في سمائي
سأعود اليوم يا سنار حيث الرمزُ خيطٌ
من بريقٍ أسودٍ بين الذرى والسفح
والغابة والصحراء، والثمر الناضج والجَذْرِ القديم
لغتي أنتِ، وينبوعي الذي يأوي نجومي
وعرقُ الذهب البرقِ في صخرتي الزرقاء
والنار التي فيها تجاسرت على الحب العظيم
(د. محمد عبد الحي)
لم يكن الشاعر صلاح أحمد إبراهيم من العاطفين على تيار الغابة والصحراء، بل كان من الناقمين عليه ، وقد سبقهم إلى التغني لإفريقيا . كما أنه لم يكن عضواً في التيار الذي ضم المرحوم د. محمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر .. وصرح بذلك الجفاء الشاعر الجميل محمد المكي إبراهيم في الحوار الصحفي المشهور الذي أجراه صلاح شعيب ونشرته مجلة (دراسات سودانية) قبل زمان مضي .
وفي السياق ذاته، أورد د. عبد الله على إبراهيم في ورقته المعروفة بـ (تحالف الهاربَيْن) أن شيخ الشعراء محمد المهدي المجذوب رحمه الله لم يكن كذلك عضواً في التيار، وإنما اتخذوه بمثابة شيخ لهم وهو يومئذ في عمر آبائهم . والهاربان هما : الأستاذ النور عثمان أبكر ومحمد المكي إبراهيم .. وكان أنْ سافرا إلى أوربا مطلع الستينيات وهناك داهمتهما فكرة (الغابة والصحراء) أو ما اصطلح على تسميته بـ (الأفروعربية). ومما أخذه عليهم د. عبد الله علي إبراهيم أنهم عندما هاجموا العروبة سعوا للتبرؤ منها ، وعدّوا الانتماء لها تكبراً أجوف ... ومن ثم نادوا بهوية إفريقية ابتنوا صورها من خيالهم الرومانسي .. وقد استبطنوا ذات النظرية الإنحطاطية عند (ماكمايكل) دونما وعي أو رؤية منهم ، فهم قد صوروا العربي المسلم في صورة العقلاني المتسم بالرصانة والاتزان ، في مقابل تصوير الإفريقي بالإنسان المهدار خفيف العقل ... منفتح الصدر بالانفعالات والذي لا يملك إلا أن يرقص على إيقاع في سلوك انفلاتي الطابع دونما تقيد بالعقلانية . ويذهب إلى القول بأن الأفروعروبيون أساءوا إلى إفريقيتهم من حيث أرادوا تعزيزها وتكريمها . الأفروعربية لم تسعد أحداً فلا العرب وجدوا رحابة فيها ولا الأفارقة وجدوا أنفسهم فيها .
وعلى صعيد آخر، فقد استخدمت بعض أشعار (الغابة والصحراء) كبينة تجيز استهداف الثقافة العربية في السودان . ونبه لذلك د. خالد المبارك قبل أكثر من عامين على صفحات (الرأي العام) في مقالة رصينة في ذكرى الشاعر محمد عبد الحي . وذكر أن عبد الحي أجري بعض التعديلات على المسودة القديمة لقصيدته (العودة إلى سنار) لئلا تستخدم في الهجوم ضد الثقافة العربية ، وكان يهم بإحراق جميع المسودات القديمة ، لكنه اقتنع برأي الدكتور خالد المبارك فسلمها له ، وهو بدوره أودعها دار الوثائق . ومن التعديلات التي أجريت على القصيدة قوله في السابق (عربيٌّ أنت؟ لا) ، حيث عُدّلت إلى (بدويٌّ أنت؟ لا) كما في نسخة الديوان . وأشار د. خالد المبارك إلى أن نبوءة الشاعر عبد الحي قد تحققت بالفعل حينما زيّن د. منصور خالد منصة العداء للثقافة العربية بذات الأبيات من قصيدة (العودة إلى سنار) دون تعديلها إلى النسق الأخير الذي انتهي إليه صاحبها .. وذلك في كتابه (النخبة السودانية وإدمان الفشل ـ الجزء الثاني) تحت عنوان (جدل الهوية والأهواء).
مرة أخرى نعود لما ابتدرنا به الحديث حول الشاعر صلاح أحمد إبراهيم وحول ما قال به كثيرون من أنه أضاع وقتاً ثميناً في المعارك السياسية والثقافية التي كانت خصماً على إنتاجه الشعري والإبداعي . لكني أري غير ذلك ، فالمعارك التي خاضها كانت قد فرضت نفسها عليه منذ البداية ، وما كان لمثله أن يتراجع أو ينسحب كما يفعل الجبناء أوقات الشدة والبأس .. فالانسحاب عار على الفارس إلا ما اقتضته استراتيجية المعركة ودواعي التخطيط . وهو بذلك يكون قد أسهم إسهاماً مقدراً في أدب المساجلات ، وترك بصمة واضحة في هذا المجال .
ونحن هنا بصدد كلمته ذائعة الصيت (.. بل نحن عرب العرب) التي نشرها عبر صحيفة الصحافة الصادرة في يوم الأربعاء (25/10/ 1967م) وكانت رداً على كلمة الأستاذ النور عثمان أبكر (لست عربياً .. ولكن) على ذات الصحيفة . وعلّق صلاح أحمد إبراهيم على ذلك بأن مقالة النور عثمان كتبت بلغة شعرية تنفلت من بين الأصابع كالزئبق .. بلغة تقف المناقشة المنطقية والدقة والتحديد حيالها في حيرة وارتباك وعجز مثل قوله : "الألوان الرئيسية في عمرنا هي الألوان الأولية بصراخها الشمسي" ومثل قوله : "نزاع الغاب والصحراء في عمرنا هو لونية هذه السماحة في علاقاتنا مع إخواننا العرب وإخواننا الزنوج".
لكن صلاحاً استهل حديثه قبل ذلك بأن مقالة النور عثمان غير موفقة من حيث توقيتها .. لأن جنودنا على خط النار قد اختاروا مصيرهم هناك في مواجهة المعتدين (الصهاينة) .. على شمالهم المصريون وعلى يمينهم الجزائريون وقلوب العرب كافة ترف عليهم لا تفكر أصابعهم القابضة على (الرشاش) والزناد ما إذا كانت أصابع عربية أو زنجية أو بين ذلك . فالسؤال ـ كما يراه صلاح مطروح على صعيد عنصري لا معني له ولا يمكن أن تكون له إجابة نهائية أو قيمة حقيقية .. ولكنه قد يكون تساؤلاً سياسياً ومراجعة لمواقفنا الرائعة أو تشكيك فيها .
ويمضي في نقده إلى أن المقالة لا تخلو من أخطاء كمثل قوله : "كل ما هو غيبي وعميق في السودان إنما هو عطاء الغاب" . ويري أن هذا مجرد إسراف ومعاملة ابتسار للحقيقة ، ويستنكر على النور عثمان كونه جعل للغابة والصحراء نزاعاً ـ أي نزاع بين الغابة والصحراء ؟ .. الزنجي بأكثر من النور عثمان والمفكر الإفريقي بأكثر من النور عثمان هو (كوامي نكروما): أوقف حياته لأن يجلي ويؤكد بأن الصحراء لم تكن في يوم من الأيام حاجزاً بين عرب الشمال وزنج الجنوب ، بل ظلت حتى قدوم الرجل الأبيض طريق القوافل حاملة الملح إلى (الأشانتي) قافلة بالذهب من (كوماسي) .
وذهب آخذاً عليه كذلك الإسراف والابتسار في قوله : "الفن الفرعوني بمصر العليا هو استلهام لأعالي النيل على الدوام". يجيب صلاح هنا عبر تساؤل آخر: ألم تهب مروي كل إفريقيا الحديد وفكرة (الملكة الأم)، وماذا يقول (فريزر) عن أصل (الزعيم ـ الإله) المعتقد الذي ران على داخلية إفريقيا ؟
أما قول النور عثمان : " في قاعة الجامعة العربية يلهج الابن بعروبته وفي (كوناكري) يصر على إفريقيته" فقد جعله صلاح مفهوماً خبيثاً وأبان إلى أن وضع العروبة مقابلاً للإفريقية هو مفهوم خبيث فالعروبة قد تكون إفريقية . ومضي إلى أن أكثر من سبعين بالمائه من العرب إفريقيون .. وإذا صُحح التعبير ووضعت كلمة الزنجية : فإن المذهب الزنجي في الثقافة مذهب سقطت أهميته وبانت عورته حتى للزنوج الخلّص . وحمل على النور عثمان عدم قراءته نقد (كوامي نكروما) وآخرين للمذهب ، وأن إصرار (كوناكري) على الإفريقية هو ذات إصرار القاهرة والجزائر.
ويخلص صلاح إلى أن في قول النور عثمان شعوبية وأنه مهما كانت دوافعه فهو لم يأتِ بجديد .. فأعداء العرب الذين يدرسون عورة العرب في المعاهد الخاصة ويحاولون طعنهم في خاصرتهم وفي كعب أخيلهم يثيرونها بذات الطريقة . أي بلد عربي لم يسعَ فيه أعداء العرب بث الفرقة والقطيعة والشقاق بين أبناء البلد الواحد ، ومن ذلك ، وعلى رأس ذلك إنكار عروبة البلد ووضعها موضع اتهام وتجريمها ومحاولة سلخ البلد عن موكب العروبة . يقول : في السنة الماضية ـ أي في نحو 1966م ـ أثاروها فتنة شعواء في موريتانيا لأن موريتانيا العربية قررت إدخال العربية في تعليمها الرسمي .. وقالت ألسنة الاستعمار المحلية أن (شنقيط) ليست عربية . في المغرب يسعون بالوشاية بين عرب المغرب وبربرها . في الجزائر يقولون إن التعريب نكسة للوراء فالجزائر ينبغي أن تظل (فرنسية) وأن تظل (قبلية) . في تونس (بورقيبة) يأخذ زمام المبادرة مع (سنغور) في الدعوة لمجموعة البلدان المتكلمة بالفرنسية .. تلك الدعوة التي ركلتها الجزائر التي هي أكثر اعتماداً على الفرنسية . في مصر أصوات ما فتئت تُسمع من حين إلى حين تقول بالفرعونية وبطريق مصري منفصل . ولا يزال في لبنان صراع ضار من أجل إثبات عروبة لبنان .. هناك من يبكون على أجدادهم الصليبيين ويحنون إلى فرنسا الأم الحنون ، وهناك من يبكون على فينيقيتهم وعلى (صور) و(صيدا). وفي سوريا ما فتئ القوميون السوريون يعملون على إطفاء نور العروبة في أعز قلاع العروبة .. وهناك من يبكي اللسان السرياني ولا يري في العروبة إلا طاعوناً وبيلاً وهكذا ..
ثم يتساءل الشاعر صلاح أحمد إبراهيم : أين هم العرب الخلّص ، ما من شعب عربي في قطر عربي إلا وامتزج بدماء الأعاجم (كل لغة لدي الهوسا لغة ـ لارابنشي أو يوروبانشي مثلاً إلا لغة الهوسا فهي الهوسا وكفي) . ولكن كان نصيبنا أن يظهر من اختلط بهم أجدادنا في اللون والقسمات .. نسبة الاختلاط واحدة أو تكثر أو تقل ولكنها لا تقلل من عروبة السودان .. في الجزائر ولبنان بل حتى في المنصورة قد يعبر الامتزاج العنصري عن نفسه بازرقاق العيون ونصاعة البشرة ، والمهم أنه قليلاً ما تقابل عربياً قحاً أو خالصاً في معظم البلدان العربية ، وهذا من تسامح العرب وتسامح الإسلام . ولعل أروع ما قدمه العرب وقدمه دينهم أن رمز شجاعتهم هو عنترة بن شداد ، وأن نصيباً هو أشعر بني جلدته وجلدة من قال ذلك ، وفي نظر شاعرهم الجاهلي (أن من يريد عراراً بالهوان فقد ظلم) وأن غفاريهم وهو من الأقحاح قد وضع خده على التراب ليطأ عليها بلال برجله لأنه قال له (يا ابن السوداء) مما أثار حفيظة النبي عليه الصلاة والسلام .
ويصفه بعد ذلك بالمتسرع وأنه كان على النورعثمان قبل أن يتسرع بمثل مقاله أن يقرأ (العربية في السودان) للشيخ عبد الله عبد الرحمن و(العروبة في السودان) للشيخ محمد عبد الرحيم على سبيل المثال وغير ذلك من المراجع الأمينة ـ بل وحتى غير الأمينة ، فإن الذين يريدون أن يشككونا في عروبتنا كثر، وعلى رأسهم علماء السلالات البشرية ، ويجدر بنا أن نذكر أن أول قطر أسعف إدوارد عطية بمثال هو السودان .
من هنا (http://www.alsahafa.info/index.php?type=3&id=2147499583)
ابوبكر
13-06-2008, - 01:26 AM
مداخلة علي ورقة الأستاذ / محمد علي جادين
أمين عام حزب البعث
الإتفاقيات السياسية لا تستطيع أن تغير الواقع الحقيقي علي الأرض ، لذا نري أنها تقدم إقراراً بقبول التعدد الثقافي والإثني وتوقع علي إتفاقية إعطاء الحقوق لكل الثقافات والأديان كامل الحرية ، ومن ثم تعود وتلف علي ما وقعته من إتفاقية ، من واقع هاجس وخوف لا مبرر له .
يقول الأستاذ في أن إشكالية الهوية مع تغول الإسلامويين يؤدي إلي صراع .. وأتفق معه في هذه الرؤية ، حيث يري الإسلامويون أن السودان (عربي )، وكل ما عداه باطل ، وذهبوا بمشروعهم الحضاري لطمث كل الثقافات الأخري ، لتبقي الساحة فقط للأناشيد الجهادية ، ربما كان هذا الخطأ مكرراً ، فمن الصعب أن نحصر الهوية الوطنية لشعب متعدد الثقافات والإثنيات مثلالسودان فقط في الدين الإسلامي واللغة العربية ، فالمجموعات الشمالية وإن كانت تدين بالدين الإسلامي ، فهذا لا يلغي خصوصيتها ولا تأريخها العريق . يجب أن يعرف دعاة العروبة والتعريب ، الفرق بين الدعوة إلي الإسلام ، وطمث هوية الآخرين ، فالإسلام لم يقصي لغات الآخرين ولا ثقافاتهم ، ما لم تتعارض مع دعوة ومنهج الدين الإسلامي ، والناظر إلي شمال السودان المسلم يري كيف أنه قد تم أسلمة الكثير من العادات النوبية وأولها ( عملية ختان الإناث ) فهذه العادة ليست من الإسلام في شئ ، وإلا كنا وجدناها في البلد الذي جاءنا منه الإسلام ( المدينة المنورة ومكة المكرمة ) . أصبحت هذه العادة الفرعونية ( النوبية القديمة ) سمة من سمات الإسلام في السودان المسلم ، ولا نجده في السودان المسيحي ولا الوثني .
والناظر إلي مشروع الإنقاذ الحضاري يجد أن لا مصداقية للإنقاذ في تطبيق مشروع حضاري يرتقي بالأمة السودانية ، وكذا من كان قبلها من الحكومات ، بل إن جل هم هذه الحكومة ومن سبقتها في الحكم ، هو إلهاء الشعب بجدليات وتحويل الأنظار إلي زوايا صراع ليست له وجود إلا في مخيلتهم ، والمؤسف أن الكثير يسير في هذا الإتجاه ليزيد من هوة الفرقة والشتات ، بسبب حب الجدل والصراع حول نقطة دائرية مفرغة المحتوي والمضمون .
فإذا سألنا الإسلامويون الجدد عن وضع غير المسلمين في دولة الإسلام السودانية ، فإنهم لن يستطيعوا أن يعطوا إجابة شافية .. فهل يفرض عليهم الجزية ؟؟ أو يعلن عليهم الحرب ؟ ويكونوا أرقاء للمسلمين حتي يسلموا ؟؟ وهذا باب يفتح أبواباً كثيرة للجدل نحن في غني عنها . خاصة في الوقت الحاضر .
نجد أن التوجه المعاكس الثاني نشأ في العام 1993م ، بعد المشروع الحضاري للإنقاذ ، في محاولة لصد المشروع الحضاري الإنقاذي العروبوي ( بعد قيام ثورة التعريب العالي في الجامعات والدعوة لتعريب الجنوب ) ، وكمحاولة لإيجاد نقطة معارضة قوية ، نادت الحركة الشعبية بـ(مشروع السودان الحديث ) كعملية مناوئة للمشروع الحضاري العروبوي الإنقاذي ، وللأسف فقد ساير هذا المفهوم الكثير من المثقفين الشماليين ، فأصبحت الهوية السودانية بين إقصائين .. نار العروبة المزعومة ، ونار الحداثة التي تريد أن تلغي كل شئ ، وتعيد تشكيله من جديد حسب رؤاها السياسي ، وبما يخدم فكرتها . وهذا يقودنا إلي تكرار جدلية العقلية السودانية ، ورفضه لنفسه وللأخر سياسياً ، وإتفاقه ثقافياً وإجتماعياً في الكثير ، بل والمشابه في الخطأ ، فنري أن الكثير من الجنوبيين يسيرون مع الإنقاذ في مشروعها الحضاري بغض النظر إن كانوا مسلمين أو غيره ، وفي الجانب الآخر ، نري الكثير من الشماليين يسيرون مع الحركة إما نكاية في حكومة الإنقاذ ، أو لتثبيت حقهم بالحفاظ علي هويتهم وثقافتهم ولغتهم علي ضوء ما وقعت به الحركة الشعبية في إتفاقية نيفاشا .
وخطأ المجموعة الثانية تقف علي رفضها لكل ما يقرب من العرب ، لغة أو ثقافة . فلا يمكن أن نسلب عروبة القبائل العربية في السودان ، لحساب الإنتماء السوداني لأفريقيا !! وتحميل الشمال كل أزمات السودان ووصفها بالعروبية الرافضة ، في حالة فشل عقلي من الصفوة الجنوبيين ومستشاريهم من الشماليين من أمثال الدكتور منصور خالد ، فهذا حجة الفاشل ووصف العاجزعن الإعتراف بخطأه ، فلا العربية ولا الإنتماء العربي لشمال السودان هو من تسبب في الأزمة السودانية ، ولا كل الشمال عربي ، ولا كانت إشكالية النخب السودانية في الهوية ولا الإنتماء ، بقدر ما كانت إشكاليتها التي ولدت الأزمة التأريخية للسودان هي حبها المفرط للسلطة والتسلط ، وهذا لعبت فيه دول الجوار دوراً مقدراً لزيادة أمد الأزمة السودانية ، فلا القبائل العربية في السودانية هي التي تتحكم منفردة ، ولا كل من في السلطة يجب أن يكون عربياً صرفاً ، والدماء العربية موجودة في السودان من قبل الإسلام ، ولها الحق في أن تكون مساهمة ومشاركة في تكوين الهوية السودانية ، في إطار الإحترام المتبادل ، من دون أن تلغي حق الآخرين في الحفاظ بهويتها ، أو أن تنعتهم بالعجمة للتقليل من ثقافتهم أو لغتهم .
من المفارقات أن الحركة الشعبية قد رفعت راية المهمشين وأعلن جون قرنق بعد عقد من الزمان بأنه رسول رأس المهمشين في السودان ، ورغم أنه يقر بتعداد عام 1955م الذي يؤكد أن العرب في السودان يمثلون الأقلية ، لكن نراه يعود ويقرر أن هذه الأقلية قد أصبحت أكثرية ، وهي المتسلطة علي حكم السودان منذ الإستقلال ( وقد يكون الأحري أن نقول الإستغلال ـ فما زالنا ننتظر أن نستقل من عقد نخبنا النفسية ، حتي يتكرموا علينا ، ويعلنوا إستقلالنا من داخل عقولهم الخربة ) . في محاولة بائسة من الحركة الشعبية للإلتفاف علي العربية ، نجد أنه إستعان باللغة الإنجليزية لتكون لغة المكاتبات الحكومية ، في حين أنه يصف اللغة العربية بأنها لغة إستعمار !!! ولا يري غضاضة في إستخدام لغة المستعمر الجديد ’’ البريطاني ‘‘ لتكون اللغة الرسمية في الجنوب ؟ وفي الوقت نفسه يسمح للغات المحلية بحقها في الحفاظ علي هويتها . وإن كنا نتفق معه في أن للغات المحلية الحق في الحفاظ علي هويتها ، فلا نتفق معه علي محو العربية ، وسلبها لحساب اللغة الإنجليزية ، فاللغة العربية بثراءها إستطاعت الثقافة في السودان أن تقدم الكثير من خلال هذه اللغة ، وأصبحت اللهجات المحلية السودانية لها مدولولات تعبر عن ذاتيها وهويتها الثقافية والحضارية ، فلا يستطيع جون قرنق أو غيره من أن ينكر بأن محمد وردي أو ود الامين يطربه ، وإن تغني باللغة العربية . فاللغة العربية لا تعني فرض الهوية ولا إلغاء الآخر ، إذا فهم الجميع ما هو الحد الذي يجب أن يقيف عليه كل طرف ، ويقدم الإحترام للآخر .ولا نرفض أن يكون للغة الإنجليزية مكان كما كان في السابق ، فهذا يفتح المجال واسعاً لنرفد من أدب الغرب ، ويعطي مساحة أكبر لنشر الثقافة السودانية بلغة عالمية . وحقيق علينا أن نطالب الحكومة بدعم جهود إحياء اللغات المحلية ، وعدم الإعتراض علي أن تحي كل مجموعة لغتها الخاص .
ودي وتقديري
ابوبكر
ibrahim mugahid
13-06-2008, - 03:03 AM
فاللغة العربية لا تعني فرض الهوية ولا إلغاء الآخر ، إذا فهم الجميع ما هي الحد الذي يجب أن يقيف عليه كل طرف ، ويقدم الإحترام للآخر .
مدخل رائع ابوبكر ويحل اشكال ثقافى مفتعل
بجيك برواقه فقدكان يومى طويل ومقالك ازال بعض التعب:wavey:
ابوبكر
05-07-2008, - 04:18 AM
ابراهيم مجاهد ليك الشكر والتقدير علي المتابعة والحضور الدائم ..
أرجو أن أكون عند حسن ظن الجميع ، بما أجمعه من أوراق ، ومحاضرات عن الهوية والثقافة السودانية ، وأن نقدم توثيقاً يروي ظمأ كل باحث عن المعرفة .
خالص ودي وتقديري
ابوبكر
ابوبكر
05-07-2008, - 05:31 AM
كسار قلم مكميك:عودة إلى هوية الجعليين الكبري
د. عبد الله علي إبراهيم
ترجمة عز الدين عثمان المحامي
سادت منذ حين مصطلحات وأوصاف في الكتابة عن الثقافة السودانية لم تخضع بعد إلى التمحيص. ومن هذه المصطلحات قول الكتاب أن إسلام السودانيين المسلمين هو "تأسلم" وأن عروبة عربهم استعراب وأن خليط هذين الحظين المبخوسين هو "الاسلاموعربية". و"التاء" في حال التأسلم والاستعراب هي "ت" الافتعال. وهذا حكم مجازف لا يصدر عن علم أو تأهيل لأنه لا أحد يعرف "مقدار" الإسلام أو العروبة التي يشترط توفرها في كائن بشري حتى يصح وصفه بالمسلم العربي بغير "تاء" المناتقة كما جاء عند الدكتور عبدالله الطيب.
اخشي أن يكون ذيوع هذه المصطلحات هو أثر من أثار معارك السياسة العملية حيث تدور رحى حرب الحداثيين والأصوليين من العرب المسلمين منذ حين في سياق حرب أهلية بغيضة. وقد أراد الحداثيون كسب نقاط علي خصومهم الدينيين بالقول ان ديننا هو "نص ديانة" وعروبتنا هجينة فلا تخوتوننا. وإذا صح مثل هذا الاعتذار بضآلة كسبنا من الإسلام والعروبة في معمعمان العراك السياسي فهو لا يجوز في مقام العلم بالأشياء.
ومصطلحات الحداثيين الدهريين من مثل الاستعراب والتأسلم قديمة حتى لو بدت لها لمعة عند الناطقين الجدد بها. فهي من موروثنا من الإثنوغرافية الاستعمارية والتبشيرية التي نشط فيها هارولد مامكايكل بكتابه عن (تأريخ العرب في السودان، 1922م) والقس الأنجليكاني ترمنقهام بكتابه عن الإسلام في السودان (1949م). ولم نقصد برد منشأ هذه المصطلحات إلى بؤر استعمارية القول ان متبنيها في أيامنا هذه ملوثون ومصروعون بالغرب. حاشا. اكثر ما نريده في هذا المقام القول ان هذه المصطلحات قد تفرعت من نظريات "الأوابد" survivals والانتشار التاريخي للثقافة ومبادئ الوظيفية functionalism التي سادت في أوائل القرن الماضي ثم خبت جذوتها وهجرها الناس إلى نظريات أهدي وأقوم. ووقف للأسف حمار نظرنا الثقافي في عقبة تلك النظريات المهجورة. وقد نعزو ذلك إلى ان شعبة الأنثربولجيا بجامعة الخرطوم ،التي هي مركز تلقي الجديد في هذا العلم، قد كفت عن العناية بالثقافة منذ تحولت إلى شعبة خدمات لمنظمات غوث الملهوف الغربية. وأضحي جهد أكثر أساتذتها منصباً علي كتابة مذكرات عن خلفيات اجتماعية للسودانيين المراد إغاثتهم أو تطويرهم. وهكذا توقفت الشعبة عن النظر الثقافي الذي ميز جيلها الأول مثل الدكتورين تاج الأصفياء وفهيمة زاهر. وسيري القارئ خطر مثل هذا التباطؤ في متابعة النظر الثقافي المطرد الذي انتهي بنا إلى التعلق بنظريات تتحدث عن أخص خصائصنا عفا عليها الزمن ورمي بها الناس في مزبلة العلم لو صح التعبير.
وقد حاولت في مقالين لي بالإنجليزية أن أوطن النظر الثقافي عندنا فيما استجد من علم الهوية والثقافة. نشرت كلمتي الأولي في مجلة الدراسات الأفريقية العالمية عام 1985م ونشرت الثانية بكتاب حرره الدكتوران سيد حامد حريز والفاتح عبدالسلام عنوانه في العربية: "الإثنية والخصام والتكامل القومي في السودان" (1989م). وقد حال صدورهما في الانجليزية وتنائي المنشورة بالخارج منهما عن محيط البلد دون أن يجدا مكانهما في المناقشات الجارية علي قدم وساق في بلدنا عن الهوية . وقد التمست عون الأستاذ عزالدين عثمان المحامي لعوني على ترجمة المقالة الأولي والأستاذ محمد عبدالله عجيمي على ترجمة الثانية . كما دقق في التعريب الدكتور بدر الدين علي . فجزاهم الله عني كل خير. وأنشر المقالة الأولي المعنونة "كسار قلم مكميك: عودة إلى هوية الجعليين الكبرى" هنا. على أن أنشر الثانية المعنونة " الإسلام الشعبي: دين في مقاس الرجرجة" في مكان آخر.
تعارض الأبحاث المعاصرة حول الهوية العرقية للجعليين الكبرى(وتشمل عرب النيل الأوسط كالبديرية والشايقية والرباطاب ولا تقتصر علي الجعليين بالاسم القاطنين بين عطبرة والنيل والشلال السادس ) في شمال السودان تقاليد النسابة السودانيين التي استقرت علي شكلها الحالي منذ القرن السادس عشر. ويصنف هذا التقليد الثقافي ، وبوضوح ، الجعليين باعتبارهم عرباً ينحدرون من العباس ، عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم . وفي المقابل يشكك هارولد ماكمايكل في صحة نسبة الجعليين كما تواضع عليها النسابة السودانيون. وقد أذاع هذا النقد في كتابه ( تاريخ العرب في السودان * ) و الذي استفادت منه كل التحريات المعاصرة حول أصل الجعليين. فقد ورد في كتاب ماكمايكل بصدد تجديد النظر في اصل الجعليين ما يلي:
(إلى المدى الذي يمكن فيه اعتبار الجعليين جماعة واحدة ، فإن تماثلها العرقي إنما يتوقف على قاسمها الأعظم النوبي أو البربري والذي يسود بنسب شديدة التفاوت في كل أجزائها المكوّنة . توجد ثمة كذلك ، في هذه الجماعة ، دفقه قوية من الدم العربي وبصورة اكثر تحديدا لدي الجعليين بالمعنى الضيّق للكلمة . ولكن يكمن الخطأ الذي وقع فيه النسابة السودانيون عمداً في تجاهل العنصر النوبي وإرجاع العامل العرقي المشترك إلى قبيلة قريش . و بأخذ هذه الحقائق في الاعتبار فإن من المستحيل تحديد أية قبيلة من قبائل الجزيرة العربية يمكن أن يردّ إليها العنصر العربي الذي ساهم في تكوين قبائل الجعليين.
وما صح لماكمايكل صح لمن جاءوا بعده في مبحث هوية الجعليين. فيصف ترمنغهام كذلك خليطاً من النوبة المحليين والعرب ، والذين استقروا في مناطق الجعليين منذ القرن التاسع وحتى الرابع عشر إما بوصفهم " حاميون مهجنون بالعنصر السامي أو زنوج مهجنون بالعنصر السامي " ويصفهم بصورة أكثر وضوحاً كحاميين مهجنيين بالعنصر السامي والزنجي . و شاع هذا التوصيف بين الباحثين اللاحقين. و تم تبينه على نطاق واسع . فيصف يوسف فضل المجموعة العرقية المتولدة عن هذه الخلطة كـ " نوبة مستعربين " وقد قبل الباحثون بمصطلح يوسف فضل وشاع استعماله.
لقد أصبح لسوء الحظ هذا الخطاب المعاصر حول هوية الجعليين العرقية ، وبدرجات متفاوتة ، مضللا ً. لقد ابتدأ هذا الخطاب ، في أغلبه ، كنقد لتقاليد النسبة السودانية ولم يتقدم كثيراً علي نقطة بدايته. وتكمن قوة هذا الخطاب في شكه بصحة النسابة مستنداً علي التقاليد المحدثة في جرح العقائد وتعديلها. ويستمد هذا الخطاب، من الجهة الأخرى، مشروعيته الأكاديمية من سلطانه السياسي النابع من توفره على و استخدامه للمعرفة " كمصادر نادرة" . فالمؤسسة الأكاديمية الحديثة تزعم لنفسها احتكار الحقيقة وكتابة التاريخ الصواب في حين تستهين بعلم الأهالي الذين تراهم فريسة للمعتقدات التقليدية ويفخرون بأنساب هي محض أساطير. ومع ذلك فإن الأكاديميين كما سنري ما زادوا إلى الآن ، متي ما تحروا هوية الجعليين ،عن الوقوع في المحظور الذي حذروا النسابة منه وهو اصطناع نسبة للجعليين كيفما اتفق .
لقد حذر ماكمايكل من أخذ تأكيدات وخلاصات النسابة كشهادات حقيقية عن الواقع. رغماً عن وعيه ، على أية حال، بقيمتها الجيدة " اذا فهمت بمعناها المجازي ، أو اذا نظرنا إليها ، بوجه آخر ، كأمثولة (وهي تعريبي لكلمة parable التي هي حكاية خيالية قصيرة تضرب في معرض توضيح وترويج خطة خلقية أو مبدأ ديني) ". أشار ماكمايكل إلى هذا المفهوم في ملاحظة تذييليه في كتابه المذكور، ولكنه لم يتوسع في الشرح . ولقد فهم ويليام ادمز "مجاز الأمثولة " كمؤشر على نظم نسبة البطون في القبيلة العربية . وهي النسبة التي تحكم سياسات القبيلة بطبيعتها المرنة في التناصر القبلي علي المستويات العديدة التي بوسعها أن تتفتق عنها في تدافع الناس لمعاشهم. وبمعني آخر فقد اعتبر وآدمز الأمثولة هي خرافة النسب الشامل الذي يصل بين بطون القبيلة والذي يقوم فيها مقام مؤسسات الحكم الرسمية .
لم يشف " مجاز الأمثولة" غليل الباحثين. فقد احتج كنينسون علي ماكمايكل لأنه ذكر المصطلح ولم يتبعه بالشرح. فقال: " ليس ثمة ما يشير إلى ان ماكمايكل قد أولى ما يترتب علي شكه الثاقب في النسبة السودانية التقليدية كثير تفكير. وإذا كانت علوم النسب التقليدية تفتقر إلى الصدق من حيث كونها وصفاً حرفيا للحقيقة، فمن أين يتأتى صدقها؟ و كيف يتسنى لنا ان نأخذها بغير حرفية؟ وأي معني نستخلصه من النسبة التقليدية إذا لم تزد عن كونها أمثولة ومجازاًً؟ لقد أثارنا ماكمايكل بمفهومه الطريف وقصر دون إشباعنا منه".
لقد طلب كنينسون محالاً من ماكمايكل لأنه هو نفسه سيئ الظن بالنسابة وله العديد من التحفظات علي كفاءتهم الخلقية والاكاديمية . وفي أسئلة كنينسون لماكمايكل ضيق واضح بالغموض وترك المعني علي القارب ، اللذان هما مما يولده المجاز بطبيعة الحال، مما يشي برسوخ الفهم الحرفي بين أهل المباحث المعاصرة في انساب الجعليين. فكنينسون نفسه يصف الأنساب التقليدية بأنها أيدلوجيات والأيدلوجية هي الوعي الزائف بالهوية أو غيرها يتمسك بها المرء ولا يظنه مما يأتيه الباطل أبدا.
أما ادمز فكأنه يقول : إن أشجار النسبة هي سجل كاذب. ولقد سبقه ترمنغهام بنعته الأنساب التقليدية بأنها "مصطنعة" و"متخيلة" بما لا يمكن معه تصديقها . وظلت مصطلحات كـ "متخيل" ، "مزعوم" وحتى " غير خيالي" جارية علي الألسن بصورة آلية في كتابات المحدثين عن الأنساب. وهذا من خيلاء السلطة المعرفية التي تزعم لنفسها التفريق الدقيق بين الحق والوهم.
من الصيغ الشائعة في التعامل مع النسبة السودانية التقليدية هو اختزالها كوثائق تاريخية يتحرى الباحثون جوانب الصدق فيها لإنجاز كتابات تاريخية متنوعة. ويقف كتاب الدكتور يوسف فضل العرب والسودان (1967م) ، والذي استعان فيه المؤلف علي دراسة الأنساب بمصادر عربية إسلامية من القرون الوسطي، شاهداً علي نهج استخلاص الذاكرة التاريخية للأنساب لكتابة تاريخ جيد لتعريب السودان وأسلمته. و نبه يوسف فضل مع ذلك إلى التحوط متي ما أردنا استخلاص الأصول القبلية من الأنساب التقليدية. ومن جهة أخرى، ثمن آدمز بصورة عالية مساهمة الأنساب التاريخية في كتابة تاريخ السودان الثقافي ولكنه نبه إلى ضعف مصداقيتها متي ما أردنا كتابة تاريخا دارجاً للبلد. وجردت مخاوف المحدثين وتحذيراتهم هذه النسبة من متانتها كخطاب معرفي. وتكمن مثل هذه المتانة، في نظر الفيلسوف الفرنسي، ميشال فوكو، في فرادة الخطاب فلا يكون إلا هو ولا يمكن أن يخطئه المرء من بين الخطابات الأخرى التي يحتل بينها، وفي علاقة معها، منزلة لا يطمع فيها خطاب آخر.
وجب القول هنا أن اعتراضات الأكاديميين على تقاليد النسبة كما عرضناها خاطئة . كما أن دمغ مصنفي هذه التقاليد بسوء النية هي خطة بلا شواهد صدق عليها. فقد أصبح معروفاً النقد الذي صوبه المحدثون للنسبة السودانية وهو تجاهلها عمداً للأصل النوبي المطمور للجعليين كما تقدم. وهو نقد ذاع بين كتاب الفترة الاستعمارية في السودان. غير ان وندي جيمس تأخذ علي الناقدين للنسبة أنهم عرضوا عليها أسئلة إثنوغرافية لم تتهيأ لها أصلا وفصلاً. فلم تكن هذه الأسئلة ، التي هي بنت زماننا هذا، واردة عند من صنفوا هذه الأنساب. فما أخذه المحدثون علي النسبة من عزة بأصل الجعليين العربي ليس محض نفاق أو أكذوبة. فهو في الغالب مؤشر لوعي جمعي نهض علي تراكم خبرة تاريخية اختار الجعليون من بينها الأصل العباسي وطاب لهم. وتستحق هذه العملية الثقافية التي سكن بها الجعليون إلى هويتهم بحثاً جدياً في ديناميكيتها وترميزها. أما القول بان الجعليين افتروا نسبتهم فهو قول يقصر عن النفاذ إلى تشكيل الثقافة والتاريخ للناس وتشكيل الناس لهما. فللكذب في الهوية منطق ومغاز سنري طرفاً منها خلال هذا البحث.
لا مندوحة من أن يتوصل الاكاديميون المحدثون إلى طريقة يفسرون بها تقاليد النسبة حتى يتسنى لهم فهم أقْوَم لهوية الجعليين . ولا مهرب لهم من اصطحاب هذا النسب في أبحاثهم. ولن يجديهم تمني العثور علي سجل افضل منها أو الالتفاف حولها إلى غيرها من شواهد التاريخ. فقد تمني آدمز لو أنه قد توفر سجل تاريخي آخر معاصر للنسابة يفض لنا مغالق النسبة ويقيل عثرتها متي ما اضطربت أو اشتطت. ومن الجهة الأخرى نادي سبولدينغ بإهمال النسبة كمصدر تاريخي ونظر إلى النسابة كجماعة فقيرة في الجانب العلمي وخصبة في الجانب الإنساني لإسكانها الناس في بيوت وأصول حبيبة إلى نفوسهم بغير دليل علمي. ومن رأيه أن قصور تقاليد النسبة المشاهد في العلم بهوية الأعراق يزكي أن نتجنبها ونعتمد علي خصائص الثقافة كمصدر لتلك الهوية. غير ان وندي جيمس كانت قد حذرت من مثل طريقة سبولدينغ هذه . ونبهت إلى مخاطر الثقة العمياء في مفردات الحضارة مثل الثقافة المادية واللسانيات والطقوس الاحتفالية في دراسة التاريخ متوهمين حيادها كمصدر تاريخي. وكان من رأيها أن تفضيل الباحثين لهذه المفردات علي الأنساب أمر لا يمكن الدفاع عنه. وواصلت القول:
" تمثل أنساق التقاليد المحلية مثل النسبة تأويلا ً لما ترسخ من معرفة في ذاكرة من ورثوا ماضياً معيناً. وهذا التأويل هو في ذاته واقعة اجتماعية تاريخية . فإذا ما أخذناه في الاعتبار اغتني التحري التاريخي خلافاً لعقيدة من يريدون إغناء أبحاثهم بإهمال النسبة. إن دراسة تقاليد النسبة كإطار محلي للتأويل الشعبي للتاريخ قد يثمر لنا معان فذة غالباً ما أهدرتها المباحث الأثنوغرافية التي تزعم الموضوعية لنفسها."
لم تعد الموضوعية علي أيامنا هذه هي ساحة الحقائق المجردة التي لا يأتيها الباطل من أمامها أو خلفها. فالخيال، الذي ننسب إليه الادعاء والكذب، ممارسة مشروعة وموضوعية علي عهدنا هذا. وعليه فادعاء هوية عرقية أو دينية هي ممارسة شائعة بل هي في أصل ديناميكية الهوية. و قد حلل مايكل هرزفلد، وببراعة، كيف تبني الأكاديميون والفلكلوريون اليونانيون في القرن التاسع عشر هوية هيلينية لينسبوا أنفسهم للحضارة الإغريقية القديمة. ولم ينح هرزفلد في تحليله إلى مغالطة هذا الجيل اليوناني من النسابة وتكذيب "دعواهم" التي لا يري لها سنداً في الواقع "الموضوعي". ما اهتم به هرزفلد حقاً هو كيف يدرس الشواهد التي أبرزها الإغريق لإدعاء الهلينية بواسطة تفكيك هذا "الادعاء" ومغازيه في عصره. ونقتطف هنا بشيء من التطويل عن هرزفلد لبيان منهجه تجاه "رواته الموتى" من النسابة الإغريق قاصدين أن نكشف عن تعسف النقاد المحدثين من أمثال ماكمايكل وجورهم حيال النسابة السودانيين. قال هرزفلد:
لا يسعي عالم الأنثربولجيا إلى تجهيل رواته والإزراء بهم لجهلهم بعوالمهم الثقافية. كل ما بوسع هذا العالم عمله هو إجلاء كيف أدرك هؤلاء الرواة هذه العوالم وكيف استنطقوها ما شاءوا. وعملاً بهذا النهج والخلق العلمي فغرضنا في هذا الكتاب ليس هو مساءلة ومغالطة الحقائق التي قامت عليها دراسات الفلكلور الإغريقي وهوية الإغريق أو أن نصرف المبادئ التي اهتدوا بها كضلالات. ولما كنا نتعامل مع هذا التقليد الثقافي الإغريقي كطائفة من "الرواة" من الماضي فعلينا أن نحذر من مجادلتهم حذرنا من مجادلة و "زرزرة" الرواة المعاصرين في عملنا الحقلي بقصد أن يتبنوا وجهة نظرية أنثربولجية ما. ولا شك أن المصادر الثقافية الإغريقية حاشدة بالأخطاء ولا يملك المرء أحيانا من التذمر من معاييرها الفكرية الهابطة أو حتى من تسرب التزييف لها. إلا أن رمي هؤلاء الرواة الأموات بسوء النية خطة عقيمة وبخاصة حين يكون الهدف هو الكشف عن لماذا فكروا في المسألة علي نحو ما نري وليس ابتداء البحث بافتراض توفر الإجابة قبلاً"
لما عجز خطاب أنساب السودان المحدث المتآمر أن يتأقلم مع مجاز ماكمايكل المار ذكره تحول هو نفسه، وبطريقته الخاصة، إلى تقليد عادي من تقاليد كتابة النسبة. فلقد اضطر حيدر إبراهيم للقول ان أصل الشايقية ظل هدفاً للحدس والتخمين حينما هالته الأصول المتضاربة التي اقترحها الأكاديميون المحدثون لهذه الجماعة السودانية. فماكمايكل، في قول هو نفسه" "يجازف بنظرية" في اصل الشايقية تقول أنهم تكونوا جزئياً من المرتزقة البوسنيين والألبان والأتراك الذين خدموا في جيش السلطان التركي سليم الأول لدي غزوه للسودان واستقروا حيث هم منذ ذلك التاريخ. وقال ترمنغهام أنهم من اصل بجاوي. وطبقاً لهيكوك فاصل طبقة الشايقية الفارسة الحاكمة في العبابدة المستعربة والمتأسلمة. ومن جهة أخري وصفهم آدمز في وقت لاحق بأنهم نوبة وذو اصل عريق فيها برغم ازدرائهم العميق لمواليهم من النوبة. وبالنظر إلى خلطة الشايقية الموصوفة مال حيدر إبراهيم نفسه إلى اعتبارهم "كطيف هجين من مجموعات شتي ، فبعضهم من سلالة قدماء المصريين، وبعضهم من مغاوير مملكة نبتة وملوك جبل البركل ومروي، وقد اندمجوا في طور متأخر بالبجة والعرب". فالشايقية حسب هذا القول هم النوبة المستعربة ذاتهم وهو الوصف الشائع لجماعات الجعليين المختلفة كما تقدم. ولا عجب ان يبدو الخطاب المحدث المتآمر حول نسبة الجعليين كبير الشبه بأوراق النسبة التقليدية حين تردهم إلى أصل واحد في العرب . فتمسك هذا الخطاب المحدث بـ "النوبة المستعربة" كأصل للجعليين فيه مشابهة ، من جهة المنهج، بعمل أولئك النسابة من حيث رد الهوية إلى اصل قديم واحد بلا منازع .
تعاطي الباحثون المحدثون مع تقليد النسبة التقليدي بصرامة طلباً لحقائقه أو زيفه. غير أن من المدهش أن هؤلاء الباحثين لم يظهروا هذه الصرامة تجاه عملهم العلمي نفسه كما رأينا في اضطرابهم المشاهد حول اصل الشايقية . وسينتظر الشايقية ، الذين جردهم النسابة المحدثون من الأصل العربي الخالص، طويلاً حتى تتبلور لهم هوية بديلة من ثمار حدس وتخمين البحاثة المعاصرين. ووجب التذكير مع ذلك ان هوية قوم من الأقوام ليست بنت الصرامة الفكرية والموضوعية مهما شفت أو دقت. فالهوية خلق فيه اصطناع. فالجماعة تأخذ من كل الحقائق التي تحيط بها تلك التي تناسب حسن صورتها في نفسها وبين الناس. فالهوية ليست تقريراً بسيطاً عن اصل الجماعة البيولوجي بل هي تأويل ثقافي لذلك المنشأ. وعليه فالادعاء أو الزعم أصل أصيل في بزوغ هوية الجماعة.
لقد أدت دعوة ماكمايكل للنظر إلى الأنساب السودانية كمجاز إلى حرفية أخرى. وجاءت هذه الحرفية من مدرسة أكاديمية تفترض ان السودانيين وثقافتهم لم يتغيرا واستمرا كما هما طوال التاريخ . فهيكوك مثلاً يقلل من الدور المزعوم للعرب المهاجرين إلى السودان في تغيير هوية أهله وجعلهم أمة أخري . وهو يعلي عوامل أخري علي عامل الهجرة مثل التجارة والحرب والدين والتأثيرات المصرية في التغيير الذي حدث في السودان. فنواة سكان السودان ، في منظور هيكوك، قد بقيت كما هي بعد عمليات التعريب والأسلمة المنسوبة إلى هجرات العرب. أما بالنسبة لآدمز، الذي كان أول من أذاع نظرية استمرارية السودانيين علي هويتهم الأصل التي سبقت الاسلمة والتعريب ، فالسوادنيون المعنيون بالاستماتة عند أصلهم الأصيل هم النوبة المحدثون دون غيرهم . فمن رأيه ان عصرا المسيحية والإسلام يرسمان معاً، بوجه ما، "أفقاً قر أوسطي (من القرون الوسطي)" في مسار تاريخ النوبة لا اكثر ولا اقل. وهو بقوله هذا إنما ينكر نظرية الهجرة التي تنسب التغيرات الثقافية العظمي لوفود سكان علي سكان .
كان أول من تحدي نظرية ماكمايكل الذائعة عن هجنة الجعليين هو سبولدينغ الذي تبني نظرية استمرار عنصر السودانيين الأصلي بغض النظر عن الهجرات اللاحقة. فهو يرفض جملة واحدة مفاهيم ومصطلحات تالدة، نسبها إلى المستشرقين، عالجت ثقافة وهوية السودانيين. ومنها "الأسلمة" و"الهجرات" و"التعريب" و "التلاقح الثقافي" و""الهجنة" و "القبلية". واستبدل ذلك بمفهوم مفاده استمرارية المؤسسات التاريخية السودانية لأنها ظلت تخدم حاجيات أهلها بكفاءة. وقال سبولدينغ بصورة غامضة نوعاً ما أن الجعليين، ومعهم رعية دولة الفونج (1504م -1821م )، مما يمكن عدهم نوبة مسلمين . أما هوية الجعليين العربية المزعومة فهي مما انتحلته طبقة وسطي صعدت بين هؤلاء النوبة. وهذه الهوية العربية ، في قول سبولدينغ، تمثل "جماع القيم والمؤسسات الإسلامية المعقدة" التي راقت لتلك الطبقة فاستصفتها خلال العصر الذي سماه بـ"العصر البطولي أو الملحمي" السناري" الذي امتد من 1750م إلي 1850م .
في البادي أن منهج سبولدينغ في النظر إلى هوية الجعليين مطابق لدعوة كنينسون التي دعت إلى درس هوية أهل السودان بالنظر إلى خصائصهم الثقافية لا إلى أنسابهم الموروثة . وقد احتج سبولدينغ إلى غرضه بقوة وأسس ذلك علي أمرين . فالأمر الأول انه نسب "الكوره"، وهو مناسبة للزواج الجماعي زهيد التكاليف في سودان الجعليين المعاصر، إلى الكوره Eucharist) ) التي من طقوس النوبة المسيحية . أما الأمر الثاني فهو سعيه للبرهنة علي ان النظام المؤسسي لدولة الفونج هو من ثمرات التراكم التاريخي طويل المدى ولم يقع نتيجة استيراد إجمالي له من العرب أو المسلمين.
من المأمول أن يضخ نهج الاستمرارية في الثقافة السودانية الذي يدعو له سبولدينغ دماً جديداً في مباحث الهوية الجعلية . فقد عقمت هذه المباحث من جراء سيادة تقليد أثري روج بأن الجعليين هجين عربي أفريقي وثقافتهم محصلة تلاقح ثقافة العرب والنوبة وعليه فقد احتفظت ببعض خوالف من ثقافة النوبة التي لم يعد لها معني معروفاً في السياق الجديد . وقد أنشغل أهل هذه النظرة إلى ثقافة الجعليين برد عناصر تلك الثقافة إلى أي من أصليها: العربي أو الأفريقي. وكثيراً ما تعثر مطلبهم وانبهمت عليهم المسالك. ومن هؤلاء الباحثين صلاح الدين حمودي الذي قال ان توقير مقابر الأولياء مما يمكن رده إلى عقائد نوبة كوش ومروي الأولي أو إلى تقديس المسيحيين النوبة لرهبانهم . ولم يكتف بذلك بل زاد أن قداسة الأولياء ربما جاءت إلى الجعليين من إرث عربي جاهلي . وهذا مأزق لا منجاة منه لمن يخوض في الهوية بدءاً من خصائص الثقافة . فقد رأينا حمودي يقلب أصل ممارسة ثقافية ، هي اعتقاد الجعليين في الأولياء ، ويردها بيسر لكل أصل عرقي معروف للجعليين من نوبة وعرب ومن عقائد سبقت المسيحية والإسلام وصحبتهما . وهذا باب في بوار النظرية الثقافية لانها تدور علي نفسها ولا تفسر شيئاًً.
ليس بوسع الخصائص الثقافية بمفردها تأسيس هوية إثنية لجماعة ما. وكل ما بوسع هذه الخصائص" كرموز، هو الإشارة لهوية تميزت لجماعة ما . فالعامل المقدم في تعريف الهوية ليس الميزات الثقافية بل ما تواضع العلماء علي تسميته بـ"حيلة الثغور" أي بما تتفتق عنه الجماعة من براعة في استثمار ميزاتها الثقافية لتعزيز نفسها وتحسينها في نظر الآخرين الواقعين عبر حدودها الإثنية . وأوضحت آنا رويس منزلة "حيلة الثغور" في تعريف الهوية الإثنية بقولها:
ليس بوسع جماعة ما أن تحتفظ بهوية مصدقة عند الناس بغير سيماء، ورموز، وقيم مستبطنة تشير إلي هويتها المميزة. غير أن هذه السيماء والرموز هي ثمرة تدافع مع أقوام آخرين. ومصداقية هذه الهوية تقوم علي إدراك القوم لمحتواهم الإثني واستنطاقه صورة لهم غراء ترفع من شأنهم عند أقوام آخرين ممن هم عبر الحدود منهم.
أفرد سبولدينغ صفحات غراء لتحليل السياق التاريخي الذي انتحلت فيها طبقة وسطي من النوبة صاعدة في سودان القرن الثامن عشر صفة كونهم "أولاد عرب" يريدون بها علواً في الأرض. غير أنه يشتط للأسف حين يقول أن الجعليين نوبة خالصة بعد صرفه لأيدلوجيتهم الهادية إلى هويتهم كتزييف للسجل التاريخي . وهو تزييف خرج سبولدينغ للكشف عنه وفضحه. وهنا فارق سبولدينغ سكة مجاز ماكمايكل الصعبة لأنه ادعي موضوعية يلجم بسلطتها حتى أهل الشأن ممن يزيفون لغير مجرد الكذب أو الجهل كما قال بذلك علماء الهوية.
لدينا علي حجة سبولدينغ مطعنان. فهي أولا تناقض فكرة يوسف فضل حسنة التأسيس التي قال فيها ان العرب لم يأتوا إلى بلاد الجعليين بأعداد كبيرة بين القرن التاسع والقرن السادس عشر وحسب بل كادوا يفرغون النوبة من سكانها بالنخاسة . ويتفق آدمز مع يوسف فضل فيما ذهب إليه حول الحقائق السكانية لبلاد الجعليين علي ذلك العهد. فقد وصف مجيء العرب إليها في صورة موجة بعد موجة وقد امتصوا في كنفهم بقايا النوبيين المتناثرة. أما المطعن الثاني علي رأي سبولدينغ فهو أنه لم يكلف نفسه عناء تقديم البراهين علي تغييبه العمدي للعرب من تاريخه للسودان كما رأينا مع أن حقيقة وفودهم إليه ماثلة مؤيدة كما رأينا. ونخشى ان يكون سبولدينغ قد وقع في ما وقع فيه النسابة السودانيون الذين غيبوا النوبة وأقصوهم من كتب نسبتهم. ووردت مع ذلك إشارات منهم عن مصير النوبة. فقد قالوا انهم اختفوا فجأة من علي ظهر البسيطة. وقالت رواية متداولة ان الله سلط عليهم أفاع شرسة تناوشتهم في ديارهم فهجروها إلى أراض بعيدة. وقال قائل ان زعيم عربي ما أراد ان يخرجهم عن ديارهم فتماسكت جموعهم والقوا بأنفسهم في البحر وماتوا غرقا. وواضح ان سبولدينغ مهما جاء بمعاذير لتلاشي العرب عن سجله التاريخي فلن ينافس حيلة النسابة في تعليل محو النوبة من سجلهم. فهي حيلة ذات مأتي أسطوري أخاذ وهذا بعض ما يتفوق به تقليد النسبة علي خطاب المحدثين المتآمر عن هوية الجعليين. فقد يزعجنا قول النسابة ان النوبة قد غابوا عن أرضهم ما بين عشية وضحاها ونعده اختلاقاً. غير أنه ينبغي ان نحرص ان لا نعد "الاختلاق" ضرباً من الكذب أو الهراء. فالاختلاق هو تفسير ثقافي للأصل البيولوجي تناصرت عليه ذاكرة تاريخية ما، وخيال أسطوري، وعزة للجماعة بمنزلتها بين منازل الآخرين. فالنسب العباسي الجعلي هو ثمرة لهذا الشغل الثقافي الصعب.
3 - 4
ما يزال افضل الفهم للنسبة كشاهد علي هوية الجعليين هو قول ماكمايكل الذي عدها مجازاً وأمثولة. وقد صدق آدمز حين قال ان ماكمايكل القي بفكرته القيمة بيننا ولم يكلف نفسه تبيين كيف نتعامل مع النسبة كمجاز. ولا عيب من تكرار ان المعرفة ليست طريقة سالكة أو محفوفة باليقينيات. وعلينا ان نتعلم العيش غير المريح مع غبش المجاز وطيوفه الشاردة لأننا قد نبتذل المعرفة إن طلبنا يقيناً لم يزف وقته (أو لن يزف وقته). والفهم الحرفي أيا كان، كما حاولت التوضيح في ما مر، هو اقصر الطرق لابتذال المجاز عند ماكمايكل. فبدلا من تقليد انساب الجعليين الفرد نجد أننا الآن حيال ثلاث تقاليد في فهم هوية الجعليين: أوراق النسابة السودانيين، وماكمايكل ومن اتبعه ممن قالوا ان الجعليين نوبة مستعربة ، وسبولدينغ وجماعته من قالوا أن الجعليين نوبة خلص. والذي تسبب في هذا الإكثار في أصول الجعليين هو الخطاب الأكاديمي المتآمر. فقد انحدر إلى تكوين نسب منافسة للتقليد السوداني الموروث لأنه لم يصطبر علي ما يترتب علي اصطحاب المجاز من توتر ذهني. فقد كان بوسع الخطاب المحدث الناقد للنسبة التقليدية ان ينير لنا باجتهاداته جوانب خفية من نشأة وديناميكية النسبة التقليدية. ولكن أحجم عن هذا الاجتهاد ولم يزد عن اصطناع تقليد نسبة منافس انبني ، مثله مثل كتب النسبة ، علي جملة افتراضات عن ما يستحق الاعتبار والتضمين في استخلاص هوية الجعليين . وكان بوسع أهل الخطاب المحدث ان يتمسكوا بما قالته وندي جيمس من ان النسبة المتوراثة هي محصلة محلية تؤطر تفسير القوم لتاريخهم . فهي لم تكذب النسابة ولم يكن هذا شغلها . بل هي أخذت أوراقهم مأخذ الجد. ولو اتبع المحدثون ، الذين رأيناهم يغالطون النسابة ويرمونهم بالتزييف ، سنة وندي جيمس لأعطونا علماً افضل يفسر عمل النسابة وخطتهم وذلك بكشف مغزى ومستور مجاز النسبة ومترتباته كتفسير تاريخي محلي لأصل الجعليين. ولو فعلوا ذلك ما اضطروا إلى خفض قوام أوراق النسبة إلى مجرد مصدر خام لأبحاثهم يسلقون منهجه ومادته بألسنة حداد.
من بعض ما وجه للنسبة من نقد أنها تنمط العلائق المتداخلة المتنوعة بين أقسام الجماعة الجعلية لتختصر طريق نسبتها إلى العباس . والتنميط كما لا يخفي حيلة من حيل النسب لا مهرب منه ولا احتجاج عليه . فالنسبة ترسم للجعلي حدوده الجامعة المانعة لهويته التي تتناصر فيها العروبة والإسلام . وقد فطن آدمز بقوة إلى جدل هذا التناصر حين عقد مقارنة بين الجعلي المسلم والمسلم من غرب أفريقيا . فقال ادمز ان المسلم في غرب أفريقيا يعتبر نفسه عربياً بوشيجة الإسلام بينما يعد الجعلي نفسه مسلماً لأنه عربي والإسلام هو عقيدة قومه . وقد سبق ان رأينا سبولدينغ يعكس هذا الجدل ويقول أن عروبة الجعلي مشتقة من كونه مسلماً . أي ان سبولدينغ لا يقيم وزناً لدعوة الجعليين العريضة بالعروبة التي لها سند في التاريخ كما فعل آدمز بعبارته الدقيقة.
ووجب التنبيه أن الجعلي أوسع حيلة من أن يجعل تقليد النسبة السلطة النهائية في ترسيم حدود هويته. فقد لاحظت خلال عملي الميداني بين الرباطاب الجعليين خلال عام 1984م أنهم يضيقون صدراً ويشتبهون في مرمي من يعرض منهم شجرة نسبة تنحدر في الماضي لأبعد من جد العشيرة المعنية . فقد قال لي رباطابي أن عائلته تحتفظ بشجرة نسبة . وقدرت أنها من تلك الأشجار التي رايتها متداولة بين الرباطاب والتي تنسب جدهم رباط إلى العباس. وسرعان ما علق أخ ذلك الرباطابي قائلاً أن الذين يعرضون شجرة نسب كشاهد علي أصلهم في جعل والعباس هم من المشكوك في نسبتهم أصلا إليهما . ولهم في ذلك مثل حي في القرية. فتاجر القرية معروف انه من العرب البدو (وترجع بهم النسبة الموروثة إلى عبدالله الجهني لا العباس) كان يعلق نسبة في متجره تثبت أصله عند جعل والعباس . واستعان التاجر يوماً بهذه النسبة كشاهد علي جعليته وعباسيته. ولم يقبل منه ذلك رباطابي في الحضور وقال بهزء: "أن من يعلق مثل نسبتك هذه كصائد سمك يرمي بحبل صنارته ولا يعقله إلى وتد". بدت لي سلبية الرباطاب بشجرة النسب كما وصفنا كتعبير عن ضيقهم بغزو الكتابة لعالمهم الشفهي . وبعبارة أخري، فهم يرفضون ان يمنحوا فن الكتابة ، الذي لا يحسنه معظمهم ، سلطة توثيق مسائل النسبة ودقائقها . وهم مع ذلك شديدو الاقتناع بالمحتوي العام لتلك النسبة التي تردهم إلى جعل والعباس .
فإذا تركنا النسبة التي توثق لعروبة الجعليين جانباً، نجد ان لهوية الجعليين مقومات أخري. ففي حيز القرية يفرق الرباطابي بين كلمة "العرب"، التي تنصرف إلى البداوة والرعاة بشكل أخص وتشتمل حتى علي البجة الذين لا يتحدثون العربية كلغة أم، وبين "ناس البلد" أي أهل القرية. والسمة الفارقة بين "العرب" و"ناس البلد" ان الأخيرين هم من يملكون أرضا بالبلد مهما صغرت في حين يخدم "العرب" علي هذه الأرض في مواسم معلومة إلى جانب خدمات أخري مثل حش التمر أو رعي بعض سعية اهل البلد. وهذا التمييز بين العرب و أهل البلد يوقع أهله أحيانا في تعبيرات لغوية عبثية. فقد سمعت من رباطابي نادرة بدأها بقولها: "عاش مرة عربي لا يتحدث العربية". ولما اكتشف فساد عبارته أردف قائلاً: "أعني أنه رطاني من قبيلة البجا."
ومع تنازل "ناس البلد" عن هوية "العرب" مؤقتاً للأعراب بالمعني القرآني إلا انهم يتمسكون بالصفة متي ميزوا بين أنفسهم و"السودانيين" من "العيلة" (الرقيق السابقين) وغيرهم من الجماعات الأفريقية القارة. فقد حكي لي المرحوم محمد المهدي مجذوب، الشاعر المحسن والذي هو من دوحة المجاذيب الجعليين، عن قصة قريب ريفي له. فقد زاره القريب بعيد الاستقلال وعلم منه انه ظل يعاني توثيق أوراقه حتى يحصل علي الجنسية "السودانية". واستنكر القريب حتى من إلزام الحكومة للشاعر الجعلي باستخراج وثيقة تدمغه بـ "السودانية" ناهيك من أن يلاقي "ود عرب" مثل المجذوب الأمرين ليزعم هذه الهوية لنفسه.
وقد وجدت بياناً سائغاً لصورة الجعليين عن أنفسهم في قصيدة أنشأها شاعر رباطابي هو المرحوم البشير عمر يدافع عن جماعة من "أولاد" البلد هم أهل قرية الشريك التي تقع علي خط السكة الحديد بين عطبرة وأبوحمد. فقد هجا أحدهم أهل الشريك لانهم نصبوا علي ركاب قطار توقف عند محطتهم لأيام نظراً للسيول التي جرفت السكة. فقد غلوا أسعار ما باعوهم من الطعام والشراب. ولم يقبل البشير ذلك من الشاعر وقال له في رده الشعري أن لا يلوم أهل الشريك للخسة التي صدرت من الوضعاء ممن ساكنوهم البلد:
سببو كلو من الصعاليك
واحدين عرب والباقين رقيق
ينظر " العرب " و " المعاتيق "، في الجانب الآخر، إلى "ناس البلد" كرباطاب " و "أولاد عرب" على التوالي. و لقد تعجب أحد الأعراب البداة من تمسك الرباطاب بصوم رمضان بصورة صارمة ( يمثل تساهل العرب البداة في الالتزام بالشعائر الإسلامية موضوعاً متجدداً في الفكاهة الرباطابية ). و يقال ان الإعرابي سأل قائلاً: إنته الصوم دا شيتاً نزلوا الله واللأ فلاحتن للرباطاب؟". وينظر معاتيق الرباطاب إلى ""ناس البلد" كـ " أولاد عرب ". و حدثني رباطابي عن ثورة وقعت في 1924م قام بها المعاتيق ضد شروط الخدمة الظالمة التي يزارعون بها علي أراضى أسيادهم السابقين . فقد تظاهروا في سوق كرقس وتجمعوا وحذروا من ان يقترب منها أي "عربي" وانه إذا ما جاءهم أي "ود عرب" فإنهم سيعتدون عليه.
ولا يقبل الجعليون وصفهم بـ "أولاد العرب " فحسب بل يفاخرون به ويزدهون . وفي واقع الأمر فإن المرتكز الثقافي لهوية الجعليين أو ناس البلد هو العروبة . ويتحاكم الجعليون في السلوك بمعيار ما هو خليق بـ " ود العرب" أن يفعله أو لا يفعله . وفوق هذا وذاك فإن "ود العرب" هو التجسيد المثالي لما لا يطمع في بلوغه العبد أو "الحلبي" (وهو من جماعة الغجر وكل من أبيض لونه بما تجاوز مألوف البياض عند الجعليين)أو ،وبدرجة اقل، "الأعراب" البداة. ويمكن القول ان صفة "ناس البلد" تصف هوية الجعلي كمالك أرض في قريته في حين تصف "ود العرب" مثله وقيمه الثقافية. وكلا الصفتين تميزان الجعلي علي العبد والحلبي و"الإعرابي" المفتقر إلى أصل في الأرض.
ومهم القول ان صفة "ناس البلد" تتضمن مغازي العروبة والإسلام معاً. فقد تبنت قيم العروبة جماعة العبيداب وهم عشيرة نوبية معروفة سكنت مع الرباطاب منذ زمن بعيد. ووجدت الجماعة نفسها مضطرة لاختراع نسبة تبلغ بها "دوحة العرب". فمن مما يروي ان جد العبيداب جاء إلى دار الرباطاب كمعلم دين ومرشد. وما زال هوي التعليم والفقه وحتى الإبداع الأدبي سمة في نسل الرجل. وبرغم خلطة العبيداب الطويلة وعشرتهم مع الرباطاب فقد يسمع الواحد منهم تذكيراً بأصلهم الأجنبي بقصد الإحراج. ووجد هذا التذكير صداه في أغنية من نوع "السومار" تشيد فيها المغنية بتقوى أولاد ايوب من العبيداب ولمسة يدهم الشافية المعافية للمرضي:
ولاد ايوب حقيقة ما بحملوها اللمسة
والشيطان يجازمو يطبو قبل الرمشه
واستاء فيما يقال عمدة كرقس من هذا المقطع من الأغنية لسبب لم أتبينه. ومعروف عن العمدة أن أصوله في "الأعراب". فسأل المغنية باستفزاز وهي لم تكمل سومارها بعد: نان "بتتقلعو" (من لا أرض له، أو من يأخذ حق الناس عنوة لأنه بلا حق) لي شنو وكت بتطبو الشيطان قبل الرمشه". وارتجلت المغنية ردها علي العمدة قائلة:
بتغنيلك الولي (غير) متقمشه
وجرولي (أذكروا لي) فعايل ود القبايل الخمسه
نحن لانا حلب ولانا عرب ولانا النوبة
قافتك (شكرك) بتسير تتالا
انتو اهل الفروخ واهل التلي (عدة الحرب؟) القواده
لانا حلب ولانا عرب ولانا النوبه نبقي قراضه
عباسية اصال عند الله لينا زيادة
نحن جعل محيس سدرنا كلو عبادة
مسجدكم يدخلو يدورو فيو افادة
جددت المغنية في تعييرها للعمدة بأصله في الأعراب البداة رسم حدود هوية "ناس البلد" في تعارضها مع هوية "الأعراب" و الحلب والنوبيين. علاوة علي ان الواضح أن المغنية كانت تغالب متاعب شتي في نسبة المحس، وهم فريق من النوبة، إلى العباس الذي هو الأصل المزعوم للجعليين "أولاد العرب". فهي لم تغالط في سومارها ان العبيداب هم نوبيون. ولكنها تتحفظ علي نسبتهم للنوبة بغير تمييز إيجابي. فمحس سيس، الذين منهم العبيداب، لا يمكن ان يكونوا من نفس العترة النوبية التي جاء منها دناقلة القنب وهو الموضع المعروف بجهة دنقلا في شمال السودان. ولذا نسبت المغنية العبيداب إلى "رسول الله" العربي بقرينة تقواهم وفرط خدمتهم للإسلام. وهكذا تعمقت المغنية في الأصول لتوطن أهلها العبيداب في العروبة والإسلام.
جهل الباحثين والرحالة بحيل الجعليين في المناورة بين حدود هويتهم وعبرها أوقعهم في أخطاء كبيرة. فقد جاء ف. ويرني إلى الشايقية في 1852م وقارن بين ما قاله له غمارهم وبين ما قاله له رجال الدين بينهم . فقد قال له الشايقية العاديون بشيء من الاشمئزاز انهم ليسوا "عرباً" ولا علاقة لهم بهذا الجنس . بينما أكد له رجال الدين أن الشايقية عرب أقحاح . وتحفظ ماكمايكل علي كلمة ويرني القديمة وقال ان الشايقية الذين عاصرهم لا يتنصلون عن نسبتهم إلى العرب. ونحتاج في كل الأحوال إلى معرفة سياق مصطلح "عرب" حين نتحدث إلى رواتنا. فلربما كان شايقية ويرني العاديين يعنون بـ"عرب" "الأعراب"حين أنكروا النسبة إليهم بينما كان فقهاؤهم يعنون العرب في معني النسبة إلى العباس. ولا ينكر الشايقية هذه النسبة إلى العرب في المعلوم. أما في حال ماكمايكل فلربما أنكر الشايقية ان يكونوا عرباً لو حملوها محمل الأعراب والبداوة . وقد جاء أحمد الشاهي، وهو من أميز دارسي الشايقية ، في هذه المسألة بقول فصل: "يكون زعم الانحدار من قبيلة عربية مصدر فخر في سياق ما ، بينما كون المرء عربياً في سياق آخر ، يشير إلى البداة من الأعراب والي منزلة اجتماعية ادني." وعليه فالتناقض الذي قال به ويرني بين الشايقية وصفوتهم هو بلا أساس. فحينما تحدثوا إلى ويرني ركز كل من الشايقية العاديين وصفوتهم علي جانب من هوية الشايقية المتعددة الأصول.
لا يحدد الجعلي سقف ولا تعوزه حيلة وهو يناور بهويته لغاية عرض ميزاته علي الناس أو تحقيق مغنم. وقد استطرفت هذه الحكاية عن لقاء إنجليزي بجعلي في السودان وما دار بينهما مما له صلة بغرضنا. قال الإنجليزي نيك ورل:
لم نكد نقطع بالعربة بيوت وشجر الزيداب حتى ظهر لنا جعلي بشعر اسود منفوش واستوقفنا. وقال لنا حين توقفنا أن قبيلته العربية ذات نسبة للبريطانيين ويقتضيه واجب هذا الرحم أن يدلنا علي معدية الزيداب لنقطع إلى شرق النيل إذا لم نتكرم بتوصيله إلى الدامر(عاصمة ولاية النيل والزيداب ،المشروع الزراعي لا محطة السكة الحديد، هي القرية التي تليها إلى الجنوب وعلي غرب النيل) حيث يريد ان يكون. وقبلنا منه أن يدلنا علي معدية الزيداب. وأخذنا الجعلي عبر قنوات مياه وكباري راجفة علي الشارع ورمال موحلة. وبلغنا بعد المشقة المعدية. ولكنها لم تكن معدية الزيداب بل معدية الدامر. لقد بلغ الجعلي الداهية محطته في نهاية الأمر. وقال في تبرير فعلته: "معدية الزيداب معطلة فما جدوى اخذي لكم إليها".
قد يصرف بعض القراء هذه الواقعة كنشاز لا تنبني عليها حجة. غير أنه معلوم أن من الجعليين من استصفي للطرافة رحما مع الإنجليز علي سنوات استعمارهم للسودان. فقد أعجبهم في الإنجليز إقبالهم علي مهمتهم بسلطان وتفان وعزة وهي صفة يزعمها الجعلي لنفسه. وما كان يحز شئ في نفس الجعليين إلا ان الإنجليز جعليون كفار.
ولن نخرج عن خطة هذا المقال إن روينا في هذا المقام نادرة عن نسب ماكمايكل كما اصطنعها سودانيون ربما لم يعلموا انه باحث ضليع في أنسابهم هم. ولك أن تفهم من مصطلح نادرة (وهي تعريبي لكلمة Anecdote الإنجليزية) انه القول لم يكتب أو يدون. فهو ليس مجرد عبارة تمر بل مادة تستحق أن تدرس بعناية ويستفاد منها بمثل ما نفعل مع ما يسطر العلماء من كتب. وقصدت من الاستعانة بهذه النادرة أن أوضح بقدر ما استطعت كيف بوسعنا في الأكاديمية الحديثة أن نحذو حذو العربي السوداني حين يجادل بشجرة نسبه.
اصطرع في نهاية العقد الأول من القرن الماضي شعب الكبابيش والكواهلة من سكان شمال كردفان حول ملكية عد (موضع للسقيا) كجمر. وعرض النزاع علي ماكمايكل مفتش بحري كردفان بمدينة بارا. وقضي ماكمايكل بعد كجمر للكبابيش. وحين مد يده ليتناول القلم ويمضي الحكم امسك المرحوم عبدالله ود جاد الله، زعيم الكواهلة، بيده وكسر القلم. وعوقب عبدالله علي فعلته بالفصل من نظارة الكواهلة. غير ان مغنيته أذاعت مأثرته واورثتها إلى الخلف في كلمات بقيت فينا. ففي شطر من الأغنية وصفت المغنية ماكمايكل (وينطقه الأهالي كـ "مكميك") بأنه "جنا هكسي" أي "هكس Hicks . وهكس هو الجنرال البريطاني الذي قاد حملة كبيرة رتبتها مصر في 1883م للقضاء علي الثورة المهدية التي بدت علائم خطرها علي الدولة. ومعروف ان المهدي قضي علي جيش هكس قضاءاً مبرماً. وليس مهماً هنا صحة نسبة ماكمايكل إلى هكس بيولوجيا. ولكن المغنية مزجت صوراً آسرة منها ما تداعي إليها من التاريخ ومنها ما عاشته في زمانها بقرينة التهشيم في كل . فقد انتهي قلم ماكمايكل الظالم إلى الكسر بواسطة عبدالله ، الذي هو مهدوي ملتزم، مثل ما انتهي جيش هكس إلى الهزيمة والفناء . وفي تلبيس الماضي في الحاضر جاءت المغنية بتأويل بيولوجي للثقافة. واستنبطت في الأثناء نسبة لمكمايكل مع ان ذلك لم يكن شاغلها الأول. فلا المغنية ولا جمهورها ممن انشغل بصحة هذه النسبة. فغاية مطلبهما عرض هذه النسبة المصطنعة كمجاز للتحدي وإبطال الظلم.
ملخص البحث
اخضع البحث الخطاب المعاصر حول هوية الجعليين الجامعة للنظر النقدي. فقد فرغ هذا الخطاب من التقرير ان الجعليين إما نوبة مستعربة أو نوبة خلص تأسيساً علي ريبة الخطاب ، علي ضوء العلم المستحدث، في هوية الجعليين العربية التي وثقتها كتب النسبة التقليدية. وقد بنينا نظرتنا النقدية لهذا الخطاب المحدث المتآمر علي مفهوم انثربولجي معاصر يقول ان الهوية هي تأويل ثقافي لمنشأ المرء البيولوجي وأنها مما ينتحل أو تزعمه الجماعة لنفسها زعماً. كما استعنا في نقدنا بالنظرية العامة للمجاز. وخلصنا من ذلك إلى ان هذا الخطاب المحدث قد سقط في الحرفية وفارق سبحات الخيال التي لا غني منها في علوم المجتمع. ولم نستغرب تحوله إلى تقليد نسبة منافس للنسبة التقليدية بفضل مزاعمه في الموضوعية وقناعته أن بوسع العلم ان يهتدي إلى هوية قوم بالنظر المجرد للسجل التاريخي وبالمقاييس المنطقية.
وحاولنا قدر الاستطاعة ان نجدد مفهوم ماكمايكل في جدوى النظر إلى النسبة التقليدية كمجاز. وقد رأينا كيف أن الباحثين المحدثين لم يميلوا إلى المفهوم. فقد أخذ كنينسون عليه الغموض وقال ان ذلك يجرده من النفع للباحثين. وخلافاً لكنيننسون قالت مقالتنا هذه ان الغموض هو أميز ما في المفهوم لأنه مما يوسعه ليوطن دعوة وندي جيمس للنظر إلى هوية الجعليين في سياقاتها الاجتماعية لا الأرشيفية. وقلنا أن دعوة وندي مما سيقودنا إلى النظر إلى هوية الجعليين "من اسفل" أي كما تدور علي ألسن الجعليين وتتجلى في فعلهم.
وقد رأينا بعض سداد منهج وندي جيمس. ففي كلمتنا هذه لم نكتف بالنسبة لاستخلاص هوية موضوعية جامعة للجعليين بل وفرنا مادة شفهية مأخوذة من سياقات اجتماعية تداول فيها الرباطاب الجعلية شأن هويتهم. فمن جهة الأرشيف رأينا كيف ان تقليد النسب الجعلي يرسم لهم حداً خارجياً للهوية تتناصر فيه العروبة والإسلام. ورغم أهمية هذه الهوية إلا ان بعض الجعليين يشمئزون ممن يلح عليها ويستعين بأشجار النسبة المكتوبة ليعرضها ويدعيها. ثم بدت لنا حيل جعلية أخري بشان النسبة حين نظرنا إليها في سياقاتها الاجتماعية. فالجعلي، كما بدا لنا، يفرق بين "العرب" حين تعني ، من جهة، البداة عرباً وغير عرب ممن لا ارض لهم بالقرية . وحين تعني، من الجهة الأخرى، الجعليين ممن يخدمهم العرب البداة علي أرضهم بالأجر. غير ان الجعلي يفرح بصفة "ود العرب" ليميز نفسه من عتقائه ومن صنوف الجماعات السودانية الأفريقية مسلمة كانت أوغير مسلمة. ويدعو مقالنا الخطاب المحدث أن يقلد الجعلي في الاحتكام إلى السياق الاجتماعي في سلوكه. ومن شأن تقليد الجعلي في هذه الخطة أن يعين الخطاب المحدث ليقف علي اليسر الذي يراوح فيه الجعلي بين حدوده الإثنية الشتي.
أثارة هذه الورقة الكثير من الجدل .. فكتب الكثيرون ردوداً عليها .. ناقدين لها .. ومفندين بعض ما أورده الدكتور عبدالله علي ابراهيم . أو معترضين علي فكر ورأي الدكتور عبدالله علي ابراهيم . رغم أن الدكتور عبدالله علي ابراهيم أورد أراء الدارسين والباحثين عن هوية ( الجعليين ) من منظور إنثربولوجي وإثنوغرافي ، وتطور هوية الجعليين علي مر العصور من دخولهم إلي السودان ، وتأثيرهم وتأثرهم بالبيئة .
ولعل هناك خطأ لم ينتبه لها الكثير من الباحثين ألا وهو ( هل ينتسب الجعليين إلي أب واحد ؟؟ وإذا كانت الإجابة نعم .. فكيف كان حال بقية المهاجرين من العرب الذين جاءوا مع زمرة هجرة العرب ’’ وأعني الذين كانوا في سفينة الجعليين ‘‘ . علماً بأن إسم جعل هذا يعتبر حديثاً ، أي بعد دخولهم إلي السودان حوالي مئة عام . وهنا سنتوقف كثيراً لنبحث عن تسلسل هذه الإثنية وتفرعها وتجذرها إلي بطون وأفخاذ ..
لا يستطيع أن ينكر باحث أو دارس مهما كان أثر الثقافة النوبية علي هوية الجعليين ، شاء من شاء وأبي من أبي .. فمن التراث والثقافة النوبية ورث النيليين الكثير . فعلي سبيل المثال ولا الحصر ( الإعتقاد في النيل ـ وتعظيمه ) ، حيث كان من عادة النوبيين القدماء تعظيم النيل وتقديم الغربان له ’’ فتاة النيل ـ أي ما سمية عروس النيل ‘‘ . وعادة زيارة النيل في الأفراح ، وفي أربعينية المرأة النفساء .
هذه إضافة ، حتي العودة بتفاصيل مزيدة وأوراق أخري
ودي وتقديري
ابوبكر
ابوبكر
05-07-2008, - 05:33 AM
في البدء لا بد علينا من أن نشكر الدكتور عبدالله علي ابراهيم علي هذه الورقة التي تحقق في البحوث والدراسات التي صيغت عن هوية الجعليين والعرب والعروبة في السودان ، ومشهود للدكتور عبدالله علي ابراهيم مقتدرته الفائقة في التقصي والبحث بأنّة وتؤدة خاصة إذا ما كان الأمر يتعلق بالقراءة في كتب السابقين ، وقدرته علي ترتيب الأفكار وصياغتها في قالب موضوعي ، وسواء إختلفنا معه أو إتفقنا معه في بعض ما أورده ، فهذا لا يعني أن نلغي بكل هذا العمل ، ونضرب به عرض الحائــط ، خاصة وأن هناك حقائق لا يستطيع أن ينكرها إلا مغالط أو مجادل من أهل بيزنطة .
وبعيداً عن المخاتله والمناتله في ما هو غير مفيد علينا أن نقرأ هذه الورقة مع الوضع في الإعتبار وجود السلبيات والإيجابيات في كل مجتمع ، وخاصة إذا كان المجتمع مشعب ومنزوي علي ذاتيه القبلية كما هو حال السودان الذي لم ينعتق بعد من ربق الشعوبية القبلية ، والإنزواء الداخلي علي مرجعيات تقليدية ، بغض النظر عن جانب الخرافة والأسطورة فيها ، فإننا نجد حالة التهويل في النسابة حالة عامة في مفهوم الهوية في شمال السودان ، وهو إرث موروث منذ قديم الزمان .. ولم نجد توثيقاً يحدد تأريخ هذه النسابة (كما ذكر الدكتور ) ، وإن كان البعض يرجئها لعهد السلطنة السنارية ، وإنتساب سلاطين سنار إلي العرب العباسيين ، وبعضهم إلي الأمويين ، ولكن نجد أن الدكتور عبدالله علي ابراهيم وهو ينتقد ويرفض فكرة الأفروعربية ، قد مشي في نفس خطي السابقين من الخطأ ، فهو يقر بالتحول والتغيير في الإنثربولوجيا والإثنوغرافيا ، سواء كان بالتزاوج والإنصهار أو بإكتساب الثقافة المجاورة ، فنجد أن ثقافة الجعليين قد تشربت بالكثير من الثقافة الأفريقية ، في حالة الشلوخ ، فكان سلاطين سنار ( بادي ابوشلوخ ) ، وغيره .. وإن كان البعض يرجئ معني إسم بادي إلي اللغة النوبية ، ونري أن الدكتور عبدالله علي ابراهيم قد وقع في ما حذر منه الآخرين ، وهو يرتكز إلي النسابة العرقية في تحديد هوية الجعليين ( الكبري ) ويلغي بكل العوامل والمؤثرات الأخري ، سواء تأريخية زمنية ، أو جغرافية مكانية .. ولا ننكر علي الجعليين عروبتهم ، ولا نبخسهم حقهم في الإنتماء العرقي لأية قبيلة شاءوا ، ولكن الشواهد علي واقع الأرض والحقيقة تمثل التغييرات التي حدث علي الجعليين في التركيب الفيسيولوجي في السحنات ، والتكوين الظاهر الآن يؤكد وجود الدماء الأفريقية ( كانت زنجية ـ أو نوبية ) في المكون الأساسي لهوية شمال السودان ( قبيلة الجعليين الكبري ) .
وبنفس الكيفية نجد أن الدم النوبي في شمال السودان قد تأثر بالمؤثرات العربية سواء كانت بالمجاورة ، أو بالتزاوج ، ولكنها إحتفظت بلغتها وتراثها الثقافي ، وإن كانت قد ألبست الثوب الإسلامي للكثير من المعتقدات القديمة ، فهذا لا ينفي إرجاعها إلي أصلها الأفريقي النوبي ، وقد تزاوجت المجموعات النوبية في شمال السودان مع عدة أجناس أخري وفدت إليها من مختلف بقاع العالم ، إن كان المجراب في حلفا ، أو الكنوز الذين إستوطنوا في دنقلا ومن ثم عادوا إلي جنوب مصر ، كما أورد الدكتور عون الشريف قاسم في كتابه ، وذكر أن هذه هي القبيلة العربية الوحيدة التي فقدت لغتها العربية الأم مقابل اللغة النوبية ، وأصبحوا يتحدثون اللغة النوبية بـلهجة الدناقلة ، مع الوضع في الإعتبار أن اللغة النوبية الأصلية هي اللغة التي يتحدث بها الدناقلة الآن .
ونجد أن ثقافة ود البلد الذي قام بشرحها الدكتور عبدالله علي ابراهيم ، موجودة في مناطق النوبة بشرطين بدلاً عن شرط واحد كما هو الحال في دار جعل الذي يعتمد علي تسمية ود البلد فقط بمن يمتلك أرضاً علي النيل ( في الجروف ـ حيث هي حواكير ـ ملكية يتوارثها الأبناء عن جدودهم ) ، فنري في حالة النوبيين ، إن الشرط الثاني مترادف مع الأول من حيث الأهمية والتثبيت ، وهو إجادة اللغة النوبية .
«وقد بنينا نظرتنا النقدية لهذا الخطاب المحدث المتأمر على مفهوم انثربولجي معاصر يقول ان الهوية هي تأويل ثقافي لمنشأ المرء البيولجي . وأنها مما ينتحل أو تزعمه الجماعة لنفسها زعماً، كما استعنا في نقدنا بالنظرية العامة للمجاز .»
وإذا كان الدكتور عبدالله علي ابراهيم يقر بهذا القول الذي صاغه في ورقته لكسر قلم ماك مايكل ، فإننا نقرأ ناقض تأويله للهوية والثقافة ، وأن التزعم ليس شيئاً فرضياً ، ولا حقيقة خالصة تخلو من الشوائب والإلتماس .. والإنتحال يحتمل الخطأ والصواب سواء بالزعم والتزعم أو إلحاقاً بآخر .
ونري أن الدكتور عبدالله علي ابراهيم قد ركز كثيراً علي ثقافة ود البلد الذي يمتلك أراضي علي النيل ، وهو ذلك الجعلي العباسي النسب ، وأورد لنا خرافة غربية
(«ونخشى ان يكون سبولدينغ قد وقع في ما وقع فيه النسابة السودانيون الذين غيبوا النوبة واقصوهم من كتب نسبتهم». ووردت مع ذلك اشارات منهم عن مصير النوبة. فقد قالوا انهم اختفوا فجأة من على ظهر البسيطة. وقالت رواية متداولة ان الله سلط عليهم أفاع شرسة تناوشتهم في ديارهم فهجروها الى اراض بعيدة. وقال قائل ان زعيم عربي ما، اراد ان يخرجهم عن ديارهم فتماسكت جموعهم والقوا بانفسهم في البحر وماتو غرقا. وواضح ان سبولدينغ مهما جاء بمعاذير لتلاشي العرب عن سجله التأريخي فلن ينافس حيلة النسابة في تعليل محو النوبة من سجلهم. فهي حيلة ذات مأتي اسطوري أخاذ ، وهذا بعض ما يتفوق به تقليد النسبة على خطاب المحدثين المتأمر عن هوية الجعليين.
«فقد يزعجنا قول النسابة ان النوبة قد غابوا عن ارضهم ما بين عشية وضحاها ونعده اختلاقاً». غير أنه ينبغي ان نحرص ان لا نعد "الاختلاق" ضرباً من الكذب او الهراء. فالاختلاق هو تفسير ثقافي للأصل البيولجي تناصرت عليه ذاكرة تأريخية ما، وخيال اسطوري، وعزة للجماعة بمنزلتها بين منازل الآخرين. فالنسب العباسي الجعلي هو ثمرة لهذا الشغل الثقافي الصعب.)
نقرأ هنا أن الدكتور يخشي أن وقع الدارسون لهوية شمال السودان قد وقعوا في خطأ تغييب النوبيين ، وأتي بخرافة من القول الذي إستدلوا به ، وهو لا يرفض فكرة أن يكون النوبيون قد إختفوا من خارطة النسب والهوية ، رغم أن المكون النوبي موجود حتي الآن في شمال السودان بلغته وكل إرثه الحضاري الموروث والمكتسب ، ويزعجه إختلاق قول النسابة عن تغييب النوبيين ، ولكنه لا يعد ذلك ضرباً من الكذب والهراء ، فأيدولوجيا التمسك بالهوية تعطي النسابة الجعليين لتغييب كل ما يمكن أن يمس إنتهاءهم العربي ( العباسي ) .
ونواصل في بقية القراءات .
ابوبكر
ابوبكر
06-07-2008, - 10:25 PM
كسر قلم مكمايكل أم التأسيس لايديلوجيا الصراع الثقافي ! (1 ـــ2)
بقلم : عبد المنعم عجب الفيا
الدكتور عبد الله على ابراهيم من الكتاب الذين تحظى كتاباتهم باحترام كبير وسط المثقفين. وقد صارت افكاره حول الهوية والثقافة السودانية ، مثار جدل ومناقشات كثيرة في الآونة الأخيرة. حيث يرى البعض « محمد جلال وعبد المنعم عجب الفيا » ان مشروع الدكتور عبد الله الثقافي يقف على النقيض تماما من الصورة التي كان يروج لها مثقفو اليسار. فهو مشروع لا يخص كل السودان وانما يخص الجماعة العربية المسلمة « على النيل والبوداي » . ويتحدد هذا المشروع ، في ترسيم ملامح هوية عروبية اسلامية خالصة لسكان شمال السودان دون شائبة افريقية محلية .
مقالة « تحالف الهاربين » كانت الخطوة الأولى في مشروع الدكتور ، لنفي الانتماء الافريقي عن سكان شمال السودان. وهي مقالة مكرسة في نقد «الغابة والصحراء» التي تعد أول محاولة مؤسسة في الاقرار بالبعد الافريقي الى جانب العربي ، في الذات السودانية .
اما الخطوة الثانية ، فكانت مقالة : « كسر قلم مكميك : رد الاعتبار الى هوية الجعليين الكبرى»، وهي في الرد على المؤرخ والاداري الانجليزي بالسودان ، هارولد ماكمايكل والذي يحمله الدكتور عبد الله ابراهيم مسؤولية مقولة ان عرب شمال السودان خليط من العرب والنوبة. ويرى ان المؤرخين السودانيين : يوسف فضل وحامد حريز وحيدر ابراهيم وغيرهم رددوا هذه المقولة من بعده .
وليس المقصود بالجعليين هنا القبيلة المعروفة بفروعها المختلفة ، وانما المقصود المجموعة الجعلية العباسية الكبرى وذلك حسب التقسيم التقليدي لانساب القبائل العربية في السودان . وتشمل هذه المجموعة ، الجعليين والشايقية والبديرية والرباطاب والمناصير وقبائل من الاواسط وكردفان كالجموعية والجمع والجوامعة الخ . .
اما عنوان البحث فقد استوحاه الدكتور عبد الله من قصة ناظر الكواهلة بكردفان مع ماك مايكل الذي كان مفتشا على كردفان في ذلك الوقت .
يقول « اصطرع في نهاية العقد الأول من القرن الماضي شعب الكبابيش والكواهلة من سكان شمال كردفان حول ملكية عد «موضع للسقيا» كجمر. وعرض النزاع علي ماكمايكل مفتش شمال كردفان بمدينة بارا. وقضي ماكمايكل بعد كجمر للكبابيش. وحين مد يده ليتناول القلم ويمضي الحكم امسك المرحوم عبدالله ود جاد الله، زعيم الكواهلة، بيده وكسر القلم. وعوقب عبدالله علي فعلته بالفصل من نظارة الكواهلة. غير ان مغنيته أذاعت مأثرته واورثتها إلى الخلف في كلمات بقيت فينا ».
علما ان النسابة التقليديين لا يصنفون الكواهلة ضمن المجموعة الجعلية . ولكن كسر الدكتور لقلم ماكمايكل له قصة اخرى . فهو يهدف من ذلك الى رد شبهة اختلاط الجعليين بالسكان المحليين التي رماهم بها هارولد مكمايكل في كتابه : « تاريخ العرب في السودان » .
يقول : « فقد استقرت تقاليد النسابة السودانيين ،على شكلها الحالي منذ القرن السادس عشر، تصنف ، بوضوح الجعليين باعتبارهم عربا ينحدرون من العباس ، عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم» .
ثم يورد أي ماكمايكل موضوع النقد ، ويقول ورد في كتاب ماكمايكل بصدد تجديد النظر في اصل الجعليين ما يلي: «..إلى المدى الذي يمكن فيه اعتبار الجعليين جماعة واحدة ، فإن تماثلها العرقي إنما يتوقف على قاسمها الأعظم النوبي أو البربري والذي يسود بنسب شديدة التفاوت في كل أجزائها المكوّنة . توجد ثمة كذلك ، في هذه الجماعة ، دفقه قوية من الدم العربي وبصورة اكثر تحديدا لدي الجعليين بالمعنى الضيّق للكلمة . ولكن يكمن الخطأ الذي وقع فيه النسابة السودانيون عمداً في تجاهل العنصر النوبي وإرجاع العامل العرقي المشترك إلى قبيلة قريش . و بأخذ هذه الحقائق في الاعتبار فإن من المستحيل تحديد أية قبيلة من قبائل الجزيرة العربية يمكن أن يردّ إليها العنصر العربي الذي ساهم في تكوين قبائل الجعليين».
مكمايكل هنا لا ينفي الاصول العربية للمجموعة الجعلية لكنه يأخذ على النسابة السودانيين تجاهل العناصر المحلية الاخري التي شكلت هويتهم . ونحن هنا لسنا بصدد اثبات او نفي ما ذهب اليه مكمايكل في تفصيلاته . الا ان اختلاط العرب المهاجرين مع السكان المحليين وتأثرهم بالثقافة المحلية - مهما كانت درجات هذا الاختلاط والتأثر - أمر يستحيل ، من الناحية التاريخية والمنطقية والوقائعية ، المماراة فيه . وبدون ذلك التمازج الثقافي يصعب جدا الحديث عن ثقافة سودانية . والسودان في ذلك ليس استثناء . فتميز شعوب البلدان العربية عن بعضها البعض سببه تمازج الثقافة العربية الاسلامية بالثقافات المحلية المتوطنة في بلد .
مع التأكيد على ان منطلق مكمايكل وهو يؤرخ لعرب السودان كان منطلقاً عنصرياً . فهو قد أعلن صراحة ، تفوق الدم العربي على الدم الافريقي حتى انه أساء الى بعض القبائل التي تزعم ان لها نسبا عربيا ويغلب عليها الدم الزنجي . وهذا ما حدا بالدكتور عبد الله على ابراهيم ان يستخلص في مقالة « تحالف الهاربين » ان القول بان سكان شمال السودان حصيلة اختلاط العرب بالنوبة القارة ، ينطوي على فرضية انحطاط .
الا ان نظرة ماكمايكل العنصرية ، ينبغي الا تستغل كمبرر لنفي المكون الافريقي المحلي في تشكيل سكان شمال السودان والذي يمنحهم خصوصيتهم كعرب سودانيين . ولكن هذا للاسف ، ما انتهى اليه الدكتور عبد الله ، في خلاصة مشروعه العروبي الاسلامي . ويمكن للمرء ان يتقصى دون تعسف ، من كتابات واحاديث الدكتور الفاضل ، ان صورة الافريقي النمطية السالبة في المخيلة العربية والأوربية القديمة كان لها الاثر المباشر في اقصاء ، المكون الافريقي عن الكل المركب الذي شكل الهوية السودانية .
وفي هذا السياق يأتي رد الاستاذ كمال الجزولي« مهما يكن من أمر ، فاننا نتفق مع ما ذهب اليه يوسف فضل من ان حقيقة الهجنة واختلاط الدماء العربية والنوبية تبدو ماثلة للعيان بقوة لا تحتمل المغالطة . والى ذلك يجدر التعاطي معها كحقيقة معرفية لا ينتقص منها ان دعواها في أصولها العرقية عند مكمايكل وتجلياتها الثقافية عند ترمنغهام متوهمة لدي بعض المفكرين بانها تنطوي على فرضية انحطاط كما ذهب الى ذلك مثلا د. عبد الله ابراهيم » .
كسر قلم مكمايكل أم التأسيس لايديلوجيا الصراع الثقافي ! (2 ـــ2)
سبل تعزيز التنوع الثقافي في السودان
بقلـم : عبد المنعم عجب الفيا
لا شك ان هذا الكلام ينبغي ان يؤخذ في عمومياته لانه يجري في اطار الحديث عن القواسم القومية المشتركة التي تشكل ملامح الوطن . اذ لا ينفي ذلك وجود قبائل وعشائر وبطون عربية صرفة. ولعل من الاخطاء المنهجية التي يقع فيها بعض ممن يتصدون للحديث عن قضايا الهوية ، هي انهم ينظرون الى الهوية من واقع انتماءاتهم الصغيرة وليس من واقع الانتماء الى الوطن الكبير. فالوعي القومي متجاوز للوعي القبلي والعشائري او هكذا يجب ان يكون . واذا وجدنا العذر للمواطن البسيط العادي لغياب هذا الوعي القومي فاي عذر يرتجى للمفكرين والمثقفين . ولا نقصد بذلك ان يخلع هؤلاء انتماءاتهم الصغيرة وانما نقصد ان دائرة انتمائهم ينبغي ان تكون اكبر ومتجاوزة .
لكن الامر الذي نسعى الى ابرازه هنا ، هو المنحى المنهجي الذي اتخذه د.عبد الله على ابراهيم . فهو لم يرد على مكمايكل في اثبات نسب الجعليين العربي الصريح ، بالاستقراء التاريخي والتحرى الوثائقي للانساب ، وانما يرد عليه بمنطق آخر لا علاقة له بالحقائق الموضوعية والتاريخية والوقائعية . انه منطق ينحو منحى آيديلوجيا صريحا في التأسيس للهوية اعتمادا على الانتحال وشرعنة ادعاء النسب . وهذه كلمات الدكتور وليست كلماتي . يقول :
«فما أخذه المحدثون علي النسبة من عزة بأصل الجعليين العربي ليس محض نفاق أو أكذوبة. فهو في الغالب مؤشر لوعي جمعي نهض علي تراكم خبرة تاريخية اختار الجعليون من بينها الأصل العباسي وطاب لهم.. فللكذب في الهوية منطق ومغاز سنري طرفاً منها خلال هذا البحث».
« .. فالخيال، الذي ننسب إليه الادعاء والكذب، ممارسة مشروعة وموضوعية علي عهدنا هذا. وعليه فادعاء هوية عرقية أو دينية هي ممارسة شائعة بل هي في أصل ديناميكية الهوية ».
« و قد حلل مايكل هرزفلد، وببراعة، كيف تبني الأكاديميون والفلكلوريون اليونانيون في القرن التاسع عشر هوية هيلينية لينسبوا أنفسهم للحضارة الإغريقية القديمة. ولم ينح هرزفلد في تحليله إلى مغالطة هذا الجيل اليوناني من النسابة وتكذيب «دعواهم» التي لا يري لها سنداً في الواقع «الموضوعي». ما اهتم به هرزفلد حقاً هو كيف يدرس الشواهد التي أبرزها الإغريق لإدعاء الهلينية بواسطة تفكيك هذا «الادعاء» ومغازيه في عصره».
ومن وسائل الانتحال ما اسماه الدكتور بحيلة الثغور، وهو التحايل على الخصائص الثقافية لتأسيس هوية إثنية لجماعة ما: " فالعامل المقدم في تعريف الهوية ليس الميزات الثقافية بل ما تواضع العلماء علي تسميته ب«حيلة الثغور» أي بما تتفتق عنه الجماعة من براعة في استثمار ميزاتها الثقافية لتعزيز نفسها وتحسينها في نظر الآخرين الواقعين عبر حدودها الإثنية».
هكذا يمضي الدكتور الفاضل في التأسيس لانتحال الهوية وشرعنة ادعاء النسب ،استنادا الى ما وصفه ، بما استجد في علم الهوية ويختم بحثه بالقول: « وقد بنينا نظرتنا النقدية علي مفهوم انثروبولجي معاصر يقول ان الهوية هي تأويل ثقافي لمنشأ المرء البيولوجي وأنها مما ينتحل أو تزعمه الجماعة لنفسها زعماً».
وبذلك يؤسس الدكتور عبد الله كما يقول محمد جلال « لمفهوم الهوية كاختيار وكسلاح أيديولوجي، وكيف أن الهوية عندما تستخدم الأنساب إنما تفعل ذلك كأداة من أدواتها دون أن تعير الوقائعية التاريخية أدنى اعتبار».
ورغم ان محمد جلال يقر د. عبد الله ابراهيم على هذا المبدأ الايديلوجي في التأسيس للهوية ، والذي ينتهي بعبدالله ، الى نفي اية شبهة افريقية عن عرب السودان ، الا انه ما يلبث ان يستدرك قائلا : «هنا تتهتّك المسوح الأكاديمية لدكتور:عبدالله علي إبراهيم لتكشف عن موقفه الأيديولوجي من عملية الصراع الثقافي في السودان. إذ إن بالنسب هذا، وبأدوات أخرى، يُمارس في السودان «القهر الثقافي» و«الاضطهاد والتطهير العرقي» وما يتبع من امتيازات مادية، دنيوية».
ونحن من جانبنا ، نؤمن ان الانتماء ، خيار ، وحق حياتي مشروع مثله مثل اي حق انساني آخر . بل هو على رأس قائمة الحقوق الحياتية . وبهذا للجعليين او غيرهم من عرب السودان الحق ، كل الحق ان ينسبوا انفسهم الى العباس او الى اية قبيلة في الجزيرة العربية . دون ان يكون في ذلك مدعاة لاستغلال هذا النسب سلاحا ايديلوجيا ، للقهر الثقافي والاضطهاد العرقي . لكن حق الانتماء كخيار ، شيء . ومشروعية البحث الاكاديمي المسنود بالحقائق التاريخية والوقائعية شيء آخر .
فالدكتور عبد الله ابراهيم يرد على مكمايكل بما يؤكد أراء ماكمايكل لا بما ينفيها . الحقيقة ان ماكمايكل لم يذهب الى حد القول ان الجعليين او غيرهم من عرب السودان انتحلوا اصولهم العربية . وانما قال حسب الاقتباس الذي أورده الدكتور : «ولكن يكمن الخطأ الذي وقع فيه النسابة السودانيون عمداً في تجاهل العنصر النوبي وإرجاع العامل العرقي المشترك إلى قبيلة قريش » . فمأخذ ماكمايكل ، ان النسابة السودانيين احتفظوا بانسابهم العربية نقية من شبهة الاختلاط بالعناصر المحلية . لكنه لم يقل ان اصولهم العربية منتحلة او مخترعة اختراعا .
وبهذا يمكن القول ان الدكتور عبد الله قد وضع الجعليين في موقف الحرج ، من حيث اراد تكريمهم حينما لم يجد سوى شرعنة الانتحال مخرجا لهم من شبهة الاختلاط التي رماهم بها ماكمايكل . وكان في مقدور الدكتور ان يجد مخرجا اكرم من ذلك بكثير. أعني الخصوصية التي تميز عرب السودان من اين جاءت ؟ ألم تأت من كونهم سودانيين. وهذه السودانية من اين جاءت ؟ ألم تأت من هذه التركيبة الفريدة كونهم عرب افارقة .
لكن الدكتور عبد الله آثر ان يتعامل مع الهوية كخطاب وايديلوجيا ، وليس كواقع . واذا كانت الماركسية تعمل على تعرية الايدلوجيا بوصفها وعيا زائفا ، فان «الخطاب » يعمل على تكريس هذا الوعي الزائف ومنحه الشرعية واحلاله محل الحقيقة الموضوعية . وهو ما انتهي اليه الدكتور عبد الله في محاولته كسر قلم مكمايكل بقوله :
« ان الهوية هي تأويل ثقافي لمنشأ المرء البيولوجي وأنها مما ينتحل أو تزعمه الجماعة لنفسها زعماً.»
ولا أظن ان الجعليين وغيرهم من عرب السودان في حاجة للانتحال لاثبات أصولهم العربية . وفي ذات الوقت ، لا يشفع لهم الانتحال، في الافلات من حقيقة تأثر هذه الأصول العربية بالمكونات المحلية ، الثقافية والأثنية ، التي تمنحهم سودانيتهم وخصوصيتهم التي تميزهم عن غيرهم من شعوب البلدان العربية الاخرى .
مراجع وهوامش :
* كتب البحث في الأصل باللغة الانجليزية بعنوان :
Breaking the Ben of Harold MacMichael: The Jakaliyyin Identity Revisted
The International Journal of African Historical Studies,Vol.21,No.2,1989
وقد ترجمه عز الدين عثمان /المحامي بعنوان :« كسار قلم مكميك : العودة الى هوية الجعليين الكبرى » اخذ ترجمة الجزء الاول من العنوان من الاسلوب الذى تروى به قصة فضل الله ود جاد الله ناظر كواهلة شمال كردفان مع ماكمايكل . والافضل لو جاءت الترجمة : «كسر قلم ماكمايكل : في رد الاعتبار لهوية الجعليين » مع اضاءة ذلك بايراد اسلوب القصة الشعبية في الهامش .
2- الآفروعربية أو تحالف الهاربين - الدكتور عبد الله على ابراهبم- نشرت المقالة بمجلة المستقبل العربي- عدد 1987م واعيد نشرها بكتابه : « الثقافة والديمقراطية في السودان » الصادرعن دار الامين بالقاهرة سنة 1996م
3- الآخر : بعض افادات مستعرب مسلم - كمال الجزولي ص 163،165 منشورات رواق 2006م
4- السودانوعروبية ، أو تحالف الهاربين - الدكتور - محمد جلال هاشم - مجلة الدراسات السودانية - ابريل 1998م ، اطلعنا واعتمدنا على النسخة التي نشرها الاستاذ عادل عبد العاطي بمنبر سودانيزاولاين سنة 2003م
5- الآفروعربية بين الواقع ووهم الايدلوجيا - عبد المنعم عجب الفيا - السودان ندوة الثقافة والتنمية - القاهرة 4 - 6 أغسطس 1999م - مركز الدراسات السودانية «نشرت اعمال الندوة بكتاب يحمل ذات العنوان » .
ابوبكر
17-07-2008, - 10:22 PM
ملف الهوية ـ د. محمد جلال أحمد هاشم
السودانوعروبية ، أو تحالف الهاربين
د. محمد جلال أحمد هاشم
Sudan Notes and Records
مجلة الدراسات السودانية
معهد الدراسات الأفريقية والاسيوية
جامعة الخرطوم
ص ب 321 ـ تلفون المكتب 775820 ـ تلفون المنزل 220202
السودان
18 Observatory Street
Oxford OX2 6EW
ENGLAND
Tel. 00 44 1865 553 091
Mobile: 00 44 (0)7904276623
مقدمة:
يهدف هذا المقال إلى ترسيم أبعاد اتجاه جديد في قضايا الثقافة والهوية في السودان. هذا الإتجاه يقوم ـ كما نرى ـ على سودنة الإسلام والعروبة، وبالتالي رسم حدود هوية إسلاموعروبية خاصة بالسودان دونما عداه من دول أخرى ضمن المنظومة الإسلامية عامة، وتلك الناطقة بالعربية خاصة. ولهذا أطلقنا على هذا الاتجاه مصطلح "السودانوعروبية"، على أن "العروبية" تستبطن في داخلها الإسلام. إذ عندما نتحدث عن دخول العرب إلى السودان، إنما نستضمن في ذلك دخول الإسلام إلى السودان بالضرورة.
تأتي أهمية هذا الموضوع من كونه حاسماً في تحديد مسار السودان اجتماعياً، وسياسياً وحضارياً. فقد كانت إشكالية هوية السودان ـ ولا زالت ـ من حيث عروبته أو أفريقيته، هي القضية الشاغلة بصورة مباشرة للطبقة المثقفة، وبصورة أخرى غير مباشرة للقطاعات العامة للشعب السوداني. ونستطيع أن نقول بحق، إن قضية الهوية هي مأزق الفكر الاجتماعي ـ السياسي السوداني طوال عقود هذا القرن. والآن تشغل هذه القضية كافة جنبات المسرح السياسي السوداني، خاصة مع اشتداد حدة الصراع حول السلطة إلى درجة الحرب الأهلية، وضلوع الأيديولوجيا الإسلاموعروبية في هذا الصراع بكل ثقلها وبشكل سافر عبر مؤسسة الدولة ومشروع أسلمتها.
فيما يختص بالبيانات والبينات مناط التحليل والاحتجاج في هذا المقال، فقد عمدنا إلى الأدبيات الخاصة بالموضوع بقدر ما وقعنا عليها، فأوردناها، مع حرصٍ، في اقتباسات موثقة، ومن ثم تصدينا لتحليلها. عليه، فإن المنهج الذي اتبعناه هو وصفي تحليلي.
تستند الورقة في قوامها المنهجي على تحليلنا لثلاثة مقالات كتبها عبدالله علي إبراهيم خلال عقد الثمانينات. وحتى عنوان مقالنا هذا نفسه مصاغ ومنحوت على غرار عنوان واحد من المقالات الثلاثة. ولكن، حريٌّ بنا أن نذكر أن بحثنا هذا ليس عن عبدالله علي إبراهيم، بقدر ما هو يستند على تحليل لمقالاته في هذا الشأن. بخصوص عبدالله علي إبراهيم فإن أهميّته تأتي من كونه أكاديمياً ضليعاً، وسياسياً نبيهاً، خرج من أروقة الحزب الشيوعي السوداني بعد علاقة استشارية لصيقة بالمرحوم عبد الخالق محجوب (السكرتير العام السابق للحزب الشيوعي السوداني، الذي أعدمه نميري عقب انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971م)، مسنوداً بخبرة مشهودة، ومَكِنةٍ فكرية غير منكورة. وقد وظف جهوده منذئذٍ لتكريس الهوية العربية الإسلامية دون أن يدور في فلك أي حزب سياسي. وقد أدت به مواقفه هذي إلى مناورات تشهد له بالذكاء، واتبع في ذلك حيلاً أعانته عليها ألمعيته الأكاديمية الفذة.
لا نزعم أن عبدالله على إبراهيم يتفق معنا في الرأي، وربما كنا على يقين من أنه يختلف معنا أيما اختلاف فيما ذهبنا إليه. والأمر كهذا، فحريٌّ بنا ألاّ نزعم بأن الذين سندخلهم ضمن هذا الاتجاه الجديد ينظرون إلى أنفسهم من خلال منظورنا لهم.
بقي أن نقول إن أهم محدوديات هذا المقال هو انحصاره في الحركة الفكرية والسياسية بين من ينتمون للثقافة العربية الإسلامية أو ما يعرف تقليدياً بشمال السودان، الذي يُنظر إليه على أنه تغلب عليه الثقافة العربية الإسلامية. ولهذا عدة أسباب؛ أهمها أن المقال يتناول اتجاهاً إسلامياً عربياً يسعى لاستيعاب الاتجاه الأفريقي في هوية السودان.
إشكالية هويّة السودان
هذه الإشكالية لها ثلاثة محاور هي: العروبية، الآفروعروبية، والأفريقية. وقد نتجت عنها ثلاث مدارس في مجال الدراسات السودانية. سنتعرض للمدرستين العربية والأفريقية، ثم نركز تحليلنا على المدرسة الآفروعروبية. وسبب هذا أن السودانوعروبية ـ فيما نرى ـ هي بنت الآفروعروبية، أو على وجه التحقيق، هي الاتجاه الجديد الذي بدأت الآفروعروبية في التحول إليه والتشكل به، بعد نجاحها في استيعاب المدرسة العروبية. والآن جاء دور استيعاب كل عناصر التمرد فيها.
المدرسة العروبية
قامت هذه المدرسة في أدبياتها على ما كتبه عبد الرحمن الضرير في أوائل القرن العشرين في كتابه العربية في السودان، بدافع إثبات عروبة السودان دون الالتفات البتة إلى العناصر غير العربية التي تشكل قوام الأطراف في الشرق والغرب، الشمال والجنوب ـ هذا الأخير خاصة ـ فكأنها غير موجودة [أحمد عبد الرحيم نصر، 1985: 15]. وتبعه في ذلك محمد عبد الرحيم في كتابه نفثات اليراع في الأدب والتاريخ والاجتماع، حيث دافع عن عروبة السودان وعن إسلاميته [المرجع نفسه: 16-15].
وعندما استشرف السودان إستقلاله، كتب بعض السودانيين في الصحف مثيرين موضوع العروبة والأفريقية. وبدلاً من انتهاز الفرصة، وإجراء حوار حول هذه المسألة، تصدى لهم أكاديمي مصري الجنسية هو عبد المجيد عابدين، فاتّهم أول ما اتهمهم بأنهم عنصريون [نفسه: 18]. ثم ذهب إلى التصريح والتأكيد إلى أن اللغة العربية وثقافتها تتقدم في السودان، ولا شيء سيوقفها. كما إنه لم يذكر شيئاً عن الكيانات مشهودة التأفرق ـ مثل الجنوب ـ وكأنها لا توجد، حاله في ذلك حال الضرير وحند عبد الرحيم [نفسه]. وبالرغم من أنه دافع عن العروبة كهوية ثقافية لاعرقية، إلاّ أن حديثه استبطن نعرة عرقية لا تخفى [راجع في ذلك كتبه: 1967: 108ـ109؛ 1972: 73ـ78.]
من الواضح أن هذه المدرسة كان محتوماً عليها التراجع عن ريادة الحركة الفكرية والعلمية في السودان، ذلك لأنها لا تحسّ ولا تقرُّ أصلاً بوجود سودان خارج خيمة الثقافة الإسلاموعروبية. فهي لا تشعر بوجود المكوّن الأفريقي [حسبما فهموا] في هوية أولئك الذين يجلسون القرفصاء في دار الندوة الإسلاموعروبية في السودان، الأمر الذي يجعلها لا تقرُّ بسودانية من هو ليس بعربي.
المدرسة الأفريقية
في رأينا أن وجود هذه المدرسة نظري افتراضي، أي لحفظ ميزان الصراع من حيث ثنائيته القطبية: عربي ـ أفريقي. فالحديث عن الأفريقانية في السودان يأتي دائماً تعبيراً عن الكيانات مشهودة التأفرق من لغة وعرق … إلخ، واستبعاداً للعناصر المستعربة. ولكن لا توجد كتابات عن سودان أفريقي الثقافة مع اشتمال شمالي الوسط المستعرب المسلم فيه. وقد قام أحمد عبد الرحيم نصر بالتصنيف لهذه المدرسة مستنداً في ذلك على بحث قدمه أحمد المعتصم الشيخ - الطالب آنذاك بشعبة الفولكلور، معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم - لنيل درجة الدبلوم [نصر، 1985].
اعتمد أحمد عبد الرحيم نصر في تقويمه وتصنيفه لهذه المدرسة على تركيز أحمد المعتصم على أن أسماء الناس والأماكن ـ في منطقة يُنظر إليها كمنطقة عرب مسلمين ـ كلها نوبية الأصل. كما إن الابطال الأساسيين الذين يردون في الحكايات الشعبية من الذين ينتظمهم المضمار الأمومي، مثل: الأم، الأخت، الخال، ابن الخال، ابن الأخت…إلخ. وفي هذا ما يشهد ـ حسبما يرى البحث ـ بمخلفات survivals للنظام الأمومي matrilineal system الذي كان سائداً في سودان ما قبل العرب، مضافاً إلى كل ذلك المعتقدات الدينية التي ـ حسب رأي الباحث ـ لا تتوافق مع تعاليم الإسلام [ أحمد المعتصم الشيخ، 1975م]. على أيٍّ، ما كان لهذا البحث أن يكون معلماً لمدرسة قائمة بذاتها في الدراسات السودانية لو لم يصنفه أحمد عبد الرحيم نصر هذا التصنيف، ولو لم يقوّمه هذا التقويم. ولا نعني بقولنا هذا إن البحث ضعيف في تكوينه، أو أي شيء من هذا القبيل؛ ولكن نقصد إلى القول بأن الكاتب نفسه لا يذهب هذا المذهب في بحثه، والعنوان يشي بذلك. فأحمد المعتصم يتحدث عن "عناصر أفريقية في الأحاجي السودانية" وهذا شيء بعيد ـ فيما نرى ـ عن التحدث عن هوية أفريقية للسودان ككل.
وعلى أيٍّ، هذا الاتجاه عموماً لم يُشهد له بفاعلية في تشكيل المواقف وبنائها في السودان. بالطبع كانت هنالك وعلى الدوام أصوات ترتفع مطالبة بحقوق الكيانات الأفريقية في السودان، أو تتحدث عن رد الاعتبار للمكون الأفريقي في ثقافة شمالي السودان العربي المسلم؛ ولكن لم تكن هنالك أصوات ترتفع منادية بأن السودان بمستعربيه ومسلميه ـ بعيداً عن الإطار الجغرافي ـ هو أفريقي الهوية. فدعوى أفريقية السودان كانت بوصلتها دائماً ـ ولا زالت ـ تتجه جنوباً وغرباً وشمالاً وشرقاً نحو الهامش و الأطراف بعيداً عن الوسط والمركز وشمال الوسط.
المدرسة الآفروعروبية
بواكير الدعوة وروادها
يمكننا أن نرتد ببواكير هذه المدرسة إلى بدايات القرن العشرين ودعوة قومية الأدب والاقتصار على ما هو سوداني السمات، أو ما يسمى بمدرسة الفجر. لقد كانت جرثومة ذلك الوعي تكمن في إحساسهم بحوجتهم إلى أدب يعبر عن واقعهم. وقد بدأ هذه الدعوة الشاعر حمزة الملك طمبل، وتبعه في ذلك الكثيرون منهم محمد أحمد محجوب، محمد عشري الصديق، وأخوه عبدالله [محمد عبد الحي، 1976: 7-11]. ولكن محمد عبد الحي يأخذ عليهم أن دعوتهم لم تكن واضحة الرؤية. فمفهوم ما هو سوداني لم يكن واضحا لدى طمبل [المرجع نفسه: 9]. كما إن العمق الأفريقي للسودان كان غائباً عنهم بالمرة [نفسه: 23]. لقد مسّوا أفريقية بالسودان مسّاً بينما تجاهلوا كينونته الأفريقية من حيث تأفرقهم هم أنفسم، وبالتالي سقط عنهم الوعي بأطروحة التمازج والتفاعل الثقافي الذي انتظم الثقافة العربية في السودان [نفسه].
إذن فقد كانت المطالبة بأدب سوداني السمات بمثابة حوار عربي ـ عربي. فتلك المدرسة (الفجر) سعت إلى سودنة الأدب الذي كان يهيم في مفازة الشعر العربي الآبد. وعليه، لقد كانت تلك الدعوة تتحرك داخل خباء الثقافة العربية الإسلامية [ محمد فوزي مصطفى عبد الرحمن، 1972: 226-228].
رد الاعتبار للمكون الأفريقي
في أواخر أربعينات القرن العشرين وخلال خمسيناته، ومع اشتداد حدة الخطاب العروبي على المستوى الرسمي جرّاء كتابات أمثال عبد المجيد عابدين وآخرين، ارتفعت أصوات تنبّه للعنصر الأفريقي وتنحاز إليه كردّ فعل لانحياز السواد الأعظم للعروبة. وقد كان محمد المهدي المجذوب رائد هذا الإتجاه حيث تغنّي بجنوب السودان وسعي في بوهيمية آسرة للتماهي فيه. ولكن، كان المجذوب في أعماقه عربياً نَزَا في سورة شبابه فأُعجب بأفريقيا. فهو يقول في قصيدته (انطلاقة) والتي ألفها بمدينة واو 1954م [ محمد المهدي المجذوب، 1982: 20]:
فليتِي في الزنوج ولـي ربـابٌ تميـلُ به خطاي وتستقيــمُ
أُجشِّمه فيجفلُ وهـــو يشكـو كما يشكو من الحُمَةِ السليـم
وفي حِقْـوَيَّ من خـرزٍ حـزامٌ وفي صَدُغَيّ من وَدَعٍ نظيـم
وأجتـرع المريسةَ فـي الحواني وأهْــذِرُ لا أُلام ولا ألــوم
طليـقٌ لا تقيـّدني قريـــشٌ بأحساب الكــرام ولا تميـم
وأُصرعُ في الطريق وفي عيوني ضبابُ السُّكْرِ والطّربِ الغَشوم
في هذا الفضاء ظهر شعر الفيتوري الذي فاخر بسواد لونه، بل ودعا إلى أن نُعلن عن زنوجتنا بالصوت العالي [أنظر نص القصيدة في: فتح الرحمن حسن التني، 1990م: 327]:
قلها لا تجبن… لا تجبن
قلها في وجه البشريه
أنا زنجيٌّ..
وأبي زنجي الجدِّ
وأمي زنجيه
أنا أسودْ … أسودْ
لكني حرٌ أمتلك الحريه
أرضي أفريقيه
عاشت أرضي
عاشت أفريقيه
هنا يتضح الفرق بين المجذوب والفيتوري. فالثاني يحمل في دواخله أزمة أفريقيته من حيث الواقع المزري، بينما الأول معفي من تبعة ذلك بحكم وعيه بعروبته، ولكنه يسعى للتماهي في صورة ذهنية كوّنها عن أفريقيا ربما كانت لا تمت إلى الواقع بصلة.
عليه، نخلص إلى أن الفيتوري جاء تعبيراً عن وعي سوداني لم يجد لنفسه موضع قدم في الواقع العروبي. وقد كان الفيتوري بحق ترجماناً لهذا التيار، فجاءت أغلب قصائده عن أفريقيا حتى تمخضت عن أربعة دواوين تحمل اسم أفريقيا [1956؛ 1964؛ 1966؛ 1967].
الآفروعروبية والحل الوسط
إذن، فقد جاء شعر الفيتوري ترجمةً لحركة استقطاب جديدة تدور رحاها حول الزنوجة والأفريقانية الطاغية على الملامح السودانية، وذلك في مقابل الاستقطاب العروبي. بيد أن هذا الوعي الأفريقي الصاعد جاء عبر خطاب عربي؛ وهنا كانت مفارقته، فكأنما جاء مخرجاً من مأزق.
كان في مقدور هذا الطرف الاستقطابي الجديد أن ينضج ويتبلور في نظرية معرفية يمكنها أن تنسف بناء الاستقطاب العروبي الهش لولا أن ظهر تيار الآفروعروبية كحل وسط يُخرج العروبية من مأزقها. لهذا فإننا ننظر إلى الآفروعروبية لا على أنها ناتج جدلي من صراع الأفريقانية والعروبية، بل على أنها جاءت كحل توفيقي منحاز لصالح التيار العروبي، ولاستيعاب عناصر الثورة الأفريقية المضادة. وقد نجح هذا التيار في مسعاه، وليس أدلّ على ذلك من استيعاب الفيتوري نفسه وتخصيص دكة مريحة له داخل خباء العروبة.
أنظر مثلا إلى قصيدته (مقام في مقام العراق) التي ألقاها ببغداد في مهرجان المربد التاسع حيث يقول [أنظر نص القصيدة في مجلة الدستور، الإثنين، (19ـ26)، 1988م، ص 43]:
غيـرُ تلك البلادِ بلادُك لولا اليقينُ ولـولا شمـوخُ العراق
العـراقُ الأيادي التي غسلت جبْهةَ الشرق بالـدّمِ حتّى أفاق
العراقُ الصحائفُ مُذْهَبةُ النقشِ في زمن العجـزِ والانسحاق
العراقُ المــلاحمُ لا تنتهي والرؤى ثورةٌ والحضورُ ائتلاق
ويظلُّ العــراقُ مداراً وبغدادُ شمساً تُضيءُ مـدارَ الرفاق
فالتماهي العروبي هنا كأوضح ما يكون، في مقابل تماهٍ أفريقي سابق. ليس هذا فحسب، بل إن الفيتوري يتماهي حتى تركبه العنجهية العربية فلا يتمالك من أن يعرّض بالعجم من المغول والمماليك والأغوات مختزلاً فيهم الصفات السالبة ودامغاً بها متخاذلي العرب:
كلُّ ما كان بالأمس أن المغولَ أَتَوْا في الدجى ومَضَوْا في المحاق
وتقيمُ المقـــاديرُ فيــك احتجاجاً على وطنٍ أبدي الوثــاق
ضــاع بين صراع المماليك والأَغَوَات وفرسان عصر الوفاق
أيّاً كانت الجهة التي يعرض بها الفيتوري، واصفاً إيّاها (بالأغوات)، وكيفما كانت الدلالات التشريفية لهذه اللفظة قابلة للتداعي، الا أن الفرصة للتداعي تبقى أكبر حيال الدلالات السالبة لها، ونعني بذلك طائفة الخصيان الذين كانوا يقومون بخدمة الحرم المكي والمسجد النبوي بالمدينة. وفي هذا ما يضع الفيتوري ـ كأفريقي سوداني أسود ـ في موضع لا يحسد عليه. فعندما كانوا يستقدمون هؤلاء الخصيان إلى تلك الأماكن المقدسة، كان من ضمن ما يشترطون عليه أولاً أن يكونوا من أفريقيا ومن أجناس بعينها. وبحلول 1814م كان معظم الأغوات من الأحباش والسودانيين. وأصل أكثر الاغوات حينها كان من منطقة ولّو (Wallo) بأثيوبيا ومديرية دارفور بالسودان [لمزيد من التفاصيل في ذلك أنظر: أحمد عبد الرحيم نصر، 1986م، ص ص 11،12،16،17]. ولا نملك إلاّ أن نشير إلى أن الفيتوري يرجع في أصوله إلى دارفور.
ثم يتباكى الفيتوري على هذا الوطن العربي الكبير:
جـــزّأوه وقـد كان شعباً، فأضحى شعوبـاً مُعبّأةً في زقــاق
ثم يختم قصيدته قائلا:
يــا بلادي التـي حملتني بعيـداً إلى عُرسها يا بلادي العــراق
وهنا يكون الفيتوري قد سلا عشقه الأول الكبير، أفريقيا، ليدلج بعد ذلك في ليل القضية العربية.
الأكاديمية: حصان طُروادة
نهضت الآفروعروبية على أساسٍ متين وعلمية صارمة، فقد أرساها أحبارٌ نهدوا إلى العلم بوثبة شابة، وألمعية نافذة. وقد خلص ذلك الجيل إلى أن السودان هو مزيج من العروبة والأفريقية. فيوسف فضل في دراسته عن العرب في السودان يخلص إلى أنهم نوبة استعربوا [1973: 153-158]. ويذهب حريز في دراسته لطقوس العبور ودورة الحياة عند الجعليين [1969] ثم في دراسته لأدب الجعليين الشعبي (الحكاية) [1977] إلى وصف ثقافتهم بأنها آفروعروبية. وعلى صعيد علم السياسة تناول هذه الإشكالية أيضا مدثر عبد الرحيم متحدثاً عن مشاكل ومزايا الهوية الآفروعروبية للسودان [1969؛ 1970].
لقد كانت تلك الكتابات رصينة، وقد استندت على قدم راسخة في العلم، كما قامت على وقائعية تاريخية وجدلية مؤدّاها أن سودان اليوم هو ناتج تلاقح ثقافي نهدت فيه العروبة والأفريقية برفدهما ثم كان أن وسمته أفريقيا بميسمها. وهذا حق! الا أن مشكلة الآفروعروبية تكمن في أنها رفعت شعاراً لم تعمل بمقتضاه، فقد كانت الأكاديمية العلمية بمثابة حصان طُروادة ركبها ذلك الجيل الألمعي كيما يستأنس الغابة، فيما سنرى لاحقاً.
مدرسة الغابة والصحراء
تولدت الآفروعروبية أول أمرها كاتجاه فكري سوداني داخل الحقل العلمي الأكاديمي، وفي هذا لبس نود إجلاءه. فبالرغم من أن بذرة هذه المدرسة قد نشأت داخل المدرسة الأكاديمية، إلاّ أن الإصدارات العلمية الأكاديمية ـ كتلك التي رفد بها أمثال يوسف فضل وسيد حريز وفرانسيس دينق ـ لم تظهر إلاّ بين منتصف الستينات ومنتصف السبعينات من القرن العشرين. هذا بينما الكتابات الأدبية من شعر وقصة التي تنتمي إلى الآفروعروبية قد ظهرت منذ أوائل الستينات، ولذا تبدو دعوة الآفروعروبية وكأنها قد ظهرت أول أمرها كتيار أدبي فحسب. وما ذلك إلاّ لأنها قد خرجت في تجلّياتها الأدبية قبل أن تخرج من أروقتها الأكاديمية إلى الشارع السوداني. وتتمثّل تجلياتها الأدبية في مدرسة الغابة والصحراء، حيث ترمز الغابة إلى أفريقيا والصحراء إلى العروبة. وقد بدأ ذلك في أوائل الستينات من خلال مقالات في الصحف رادها كل من محمد عبد الحي، صلاح أحمد إبراهيم، محمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر، أدانوا فيها ثقافة الكف والصرامة التي تتسم بها العروبة، ومجدوا في المقابل الطابع الانفلاتي ـ فيما رأوه هكذا ـ الذي تتسم به الثقافة الأفريقية [عبدالله علي إبراهيم، 1988: 119]..
هذه التيارات المناهضة للخطاب العروبي ـ في مرحلة ما قبل التبلور والاستقطاب ـ كان لابدّ للعمل على استيعابها في خطاب يجعلهم يصطلحون عبره مع العروبة. وما كان هذا ليتأتّى إلاّ بالاعتراف بالمكون الأفريقي في ثقافة شماليي السودان. وهذا ما تم إرساء قواعده علمياً من خلال الرفد العلمي الذي ظهر في أروقته الأكاديمية مبكراً، رغماً عن تأخر ظهوره للعامة عبر النشر. لقد كانت تلك أرضية صلبة روّج لها دعاة الغابة والصحراء يحدوهم عميدهم محمد عبد الحي. فكان بالتالي أن أرسوا اتجاهاً جديداً يعترف بالمكون الأفريقي ويضعه ـ نظرياً ـ على قدم المساواة مع المكون العربي، وذلك من خلال توازي وتساوي الغابة والصحراء.
لقد جعلت مدرسة الغابة والصحراء من إنسان سنار نموذجاً للإنسان السوداني، وقدمته كمشروع. وفي ذلك يقول عبدالله علي إبراهيم [المرجع السابق: 107]:
"أمل الآفروعروبيين في تمازج الثقافات في السودان معلق بحركة التصنيع التي بوسعها أن تزيل البقية الباقية من العوائق بين الجنوب والشمال.. وعليه يكون ناتج الامتزاج بين الجنوب والشمال إعادة إنتاج لإنسان سنار، الذي هو أساس التركيبة الهجين للسودانيين الشماليين. فمحصلة الامتزاج بين الجنوب والشمال في نظر الآفروعروبيين ستكون بمثابة طبعة لاحقة للسوداني الشمالي الذي لا عيب فيه حالياً سوى تجاهله لتراثه الأفريقي".
العروبية والآفروعروبية: برنامج موحد
كان للعروبية برنامجها السياسي الاجتماعي والثقافي متمثلاً في ميكانيزمات التمدد والاندياح الاستعرابي الذي نشهده في سودان اليوم، والذي جرت سيرورته منذ قيام دولة الفونج. وهذا البرنامج يترسم خطواته وفق خطاب يتسم بالتماسك والثبات. وفي المقابل نجد أن الآفروعروبية لا تقدم لنا أي برنامج له شكله التخطيطي وبعده التنفيذي فيما يختص بإشكالية الهوية. فهي لا تطالب بأن يكون التعليم على طريقة بعينها ـ مثلا إدخال اللغات السودانية في المدارس ـ أو أن تأتي البرامج الاقتصادية والسياسية على شكلٍ بعينه بحيث تحقق جوهر الفهم الآفروعروبي في فكرهم، والصورة التي يترسمونها لما ينبغي أن يكون عليه السودان.
فإذا كانت هناك تيارات رافضة للعروبة فإن الآفروعروبية جاءت وهي تستبطن في تلافيف ميزانها اعترافاً بالعروبة. وهكذا أصبحنا في السودان ـ خاصّةً منذ السبعينات ـ نشهد الخطاب الرسمي والشعبي يلهجان بالآفروعروبية، بينما تتحكم ميكانيزمات الاستعراب على كل أصعدة البرامج السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وهذه هي ذات ميكانيزمات الاستعراب التي شكلت إنسان سنار (أي نموذج الآفروعروبية للإنسان السوداني). فإذا علمنا أن هذا هو ذات برنامج المدرسة العروبية، وصلنا إلى أن العروبية والآفروعروبية عبارة عن برنامج واحد يقوم على تكريس الاستعراب. وما حديث الآفروعروبية عن المكون الأفريقي ـ على وجه التحقيق ـ إلاّ من قبيل الاستهلاك الشفاهي والتخدير كتكتيك استيعابي.
وهكذا نتفق مع عبدالله على إبراهيم [المرجع نفسه: 119] عندما يقول: "وصفوة القول إن الآفروعروبية هي صورة أخرى للخطاب العربي الإسلامي الغالب في السودان".
ميكانيزم الاستعراب وثقافة أمدرمان
نعني بذلك العملية التي يبدو أن كل الكيانات السودانية ذات الثقافة واللغة الأفريقيتين معرضة كيما تمر بمراحلها .هذا بالطبع ما لم نتحسب لذلك حتى لا تندثر هذه اللغات.
ويمكن تلخيص ميكانيزم الاستعراب في الاتي:
أب وأم يتحدثان لغة سودانية كلغة أم ولا يعرفان من اللغة العربية إلاّ بضع كلمات لا يحسنان نطقها؛ ثم أبناء يبدأون بلغة الأم، فتجبرهم ظروف الحياة على تعلم العربية مع "لكنة" واضحة؛ ثم أبناء يبدأون بالعربية كلغة أولى، وتصبح لغة الأم هامشية، يفهمونها ولكن لا يجيدون التحدث بها. وأخيراً يجيء أحفاد لا يعرفون غير العربية مع تأفّف وتبرؤ من لغة الجد والحبوبة. تتجلى هذه العملية بصورة واضحة في طبقة الأفندية، أي رعيل الموظفين الحكوميين، عندما كانت تمثل طبقة متميزة منذ أول نشوئها إبّان عهد التركية حتى سبعينات القرن العشرين. ويعرف عن هذه الطبقة استلابها واغترابها عن واقع المجتمعات التي صدرت منها [راجع حريز، 1988: 40-43].
هذا هو ميكانيزم الاستعراب. فالفونج تحولوا ـ كمجتمع ـ إلى الإسلام بعد قيام مملكتهم [يوسف فضل، 1973: 144]. وروبيني عندما زار سنار لم يجد دولة إسلامية عربية، بل وجد دولة أفريقية الثقافة واللون. بينما سنار اليوم لا تعرف من "تلك الفونج" غير الاسم.
إن المراكز الحضرية تقوم بدور المعمل لهذا الميكانيزم. كتب أبو منقة وميلر [1992: 12] عن هذه الظاهرة فقالا:
"تشير كل الدراسات التي أجريت ضمن (مشروع المسح اللغوي في السودان) إلى ازدياد وتيرة انتشار اللغة العربية منذ الاستقلال. وهذا يعزى إلى الاعتماد المتزايد للأقاليم والأطراف على منطقة الوسط؛ حيث تقوم الأخيرة باحتكار السلطة السياسية والاقتصادية والثقافية. إن التطور الاقتصادي ـ الاجتماعي للأطراف (تكوينها لمراكز حضرية صغيرة، وتطور التجارة، والمدارس والعيادات والمشاريع الزراعية…) والهجرة إلى المدن وانسياح النماذج الثقافية لشمال الوسط عبر وسائل الاتصال والتعليم والتجار والخدمة المدنية…، كل ذلك ينحو لتقوية أثر اللغة العربية على كل مستويات ومناحي الحياة اليومية. نتيجة لهذا بدأت العربية تصبح اللغة الأولى (إن لم تكن اللغة الأم) لعدد متزايد من الناس في مناطق الثنائية اللغوية بالشمال بما في ذلك المناطق الريفية".
كما يضيفان [المرجع السابق: 13] أن هذا هو واقع الحال حتّى في جنوب السودان.
وبما أن المراكز الحضرية هي نفسها تتمركز حول المركز الأكبر (العاصمة المثلثة)، لذا أطلقنا على ذلك "ثقافة أمدرمان" كإشارة لمركز المراكز. ودمغُنا لهذه العملية باسم ’أمدرمان‘ له سبب: فأمدرمان من أحدث المدن السودانية تاريخاً وتمثل نموذجاً حيّاً لمنظور ’بوتقة الانصهار‘، بينما لا تقارب أبداً منظور ’الوحدة في التنوع‘ [وسنتعرّض لهذين المنظورين بشيءٍ من التفصيل لاحقاً لكونهما يلعبان دوراً فارقاً في الخطاب الفكري السياسي السوداني]. بالعودة إلى أمدرمان، نلاحظ أنه قلما نجد مجموعة ثقافية سودانية ليس لها أسر (قلّت أم كثُرت) ذابت في مجتمع أمدرمان. وفي الحق، فقد رادت مجموعات الهامش والسوداء منها خاصة (من الجنوب وجبال النوبة والأنقسنا ودارفور) حركة الحداثة في مجتمع أمدرمان، خاصةً بُعيد الدولة المهدية. لقد خضعت هذه المجموعات ـ عن سماحةٍ ـ لعملية إعادة الإنتاج فاستعربت تماماً، فضلا عن بادئ إسلامها؛ هذه هي المجموعات التي رادت فن الغناء عندما كانت الثقافة الإسلاموعروبية تحاربه في أمدرمان؛ وهي نفسها التي رادت التعليم عندما تحامته المجموعات الإسلاموعروبية؛ وهي نفسها التي رادت خروج المرأة للعمل، وعبر مهنٍ شريفة استعرّت منها المجموعات الإسلاموعروبية، كالتمريض وغيره. هذه هي المجموعات التي رادت عملية الحداثة في سودان القرن العشرين فما بعد. فإلى ماذا يا تُرى انتهى أمرها؟ لقد تم إيداعها في أدنى سُلّم المجتمع لا لشيئ إلاّ لسواد لونها وغلظة شفاهها وتفلفل شعرها وقلة حظها، نسبيا، مما نُظر إليه خطاً على أنه الدم العربي. إنها نفس المعاناة التي تعرّض لها عنترة في الجاهلية وبلال في الإسلام. إذن فعملية إعادة الإنتاج ليست جزءً من الحل، بل هي في الواقع جزء من المشكلة. هذا النموذج هو الذي يُرادُ له أن يعمّ السودان كله عبر ’منظور بوتقة الانصهار‘ وإعادة الإنتاج، فيما طرحته الآفروعروبية في نموذج إنسان سنار، باستخدام ألفاظ محمد عبد الحي، ونموذج إنسان أمدرمان، بلغة هذا البحث.
ظلت أطروحة الآفروعروبية ـ ولا زالت ـ تشكل الخطاب الرسمي والشعبي في السودان خلال العقود الثلاثة الماضية. واليوم تشير برامج ومشاريع المسح اللغوي إلى زيادة وتيرة الاستعراب وميكانيزماته منذ أن نال السودان إستقلاله. بمعنى آخر، لقد لعبت الآفروعروبية دورها في تكريس الاستعراب. وهذا بدوره يعكس ما نعنيه بمقولة إن الآفروعروبية ما هي إلاّ شكل آخر من أشكال الخطاب الإسلاموعروبي الغالب في السودان.
إذن كل الذي مثلته الآفروعروبية هو أنها كانت مشروعاً استيعابياً (assimilating project) طرحته العروبية لاستيعاب تيارات التمرد الأفريقية. فهل نجحت؟
الململة وفرفرة المثقفين
لم تنجح الآفروعروبية في استيعاب تجليات الوعي الأفريقي في الهوية السودانية، وإن كانت قد نجحت في تعويق نضج تبلوره وتشكله. فالآفروعروبية لم تختطّ لها برنامجاً يحقق ذاتية هذا "التأفرق". كما إنه لا ينبغي لنا أن نتوقع تلاشي إيقاع الطبول الأفريقية في "جُوّانيّاتِنا"؛ إذ إن الأفريقانية تنبثق عن أصالة، بينما لا يُعترف بها إلاّ من قبيل الاستهلاك الشفاهي.
لكل هذا كان لابدّ للوعي بالتأفرق أن يعبر عن نفسه بشكل من الأشكال. وما دعاوى انفصال جنوب السودان إلاّ تعبير عن هذا الوعي في أكثر صوره تطرفاً. كما إن هنالك جانباً آخر هو أن يسعى الوعي بهوية سودانية جدلية للتعبير عن نفسه بطريقة عملية من خلال برامج صادقة ذات بعد تنفيذي. فالعروبية تقوم على الاستبعاد والتصفية، والآفروعروبية ليست جدلية بل هي توفيقية منحازة، والأفريقية بدورها تقوم على الاستبعاد والتصفية.
وقد بدأت الململة عندما احتكّ السودانيون ـ خاصة أهل الوسط والشمال الذين يصنفون في السودان كعرب مسلمين ـ بمن ظنّوهم عربًا عاربة في دول البترول. فقد صُدم مستعربو السودان عندما دمغتهم العرب العاربة بذات ألفاظ " العبودية" و"الرق" التي درج أهل وسط وشمال السودان أن يدمغوا بها من هم أشد منهم سواداً من أهل السودان [فرانسيس دينق، 1975: 61]. لقد ولدت عملية الاحتكاك، مع أنماط أخرى من الوعي العروبي، داخل المغتربين السودانيين (من أهل الشمال والوسط خاصة) بذرة الوعي بتأفرقهم . لقد كان ذلك مرتكز الزاوية والعمق النفسي للصراع، فالواحد منهم يعتلج في داخله وعيه العروبي بشدة، حتى إنه لَيُذْهلُ عن أفريقيته، بل وتركبه العنجهية فيتحامل على من هو أفريقي. فإذا به في مواجهة أناس لا يرون فيه عروبةً منهم بل أفريقياً مجللاً بالسواد. إن الأمر الذي جعله ينتبه بشدة إلى أفريقيته هي ذات اللفظة الشنيعة التي كان يدمغ بها إخوته من السودانيين.
إذن، فإن الجسم العروبي الديموغرافي هو نفسه يشتمل على عناصر ثورة أفريقية. فالآفروعروبية لم تنجح حتى في الاحتفاظ بالجسم الديموغرافي للعروبية متماسكاً. كما إن هناك بؤراً ثورية مضادة للخطاب العروبي.
تصدى لمعالجة هذه الاشكالية عبد الغفار محمد أحمد، ولكن على صعيد الصفوة والطبقة المثقفة من حيث تحامل رصيفاتها في باقي الدول العربية عليها، متبنّياً رؤية علي مزروعي [1971] بخصوص الحزام الهامشي للدول العربية (السودان، الصومال، موريتانيا، جيبوتي). فهو يقول [1988: 119]: "فأقطار مثل السودان والصومال وجيبوتي وموريتانيا، التي يكاد الفرد وهو يلاحظ هذا النشاط يسقطها من خريطة الوطن العربي، تسجل غياباً تاماً أو حتى إذا ساهمت فإن صوتها يكاد يأتي همساً. وفي هذا خطورة على مستقبل تطور مفهوم الوطن العربي بحدوده السياسية اليوم". ويذكر عبد الغفار محمد أحمد أن هناك اتهاماً (صامتاً) فحواه.. "بأن هناك توجهاً بعدم الاهتمام، من جانب القيّمين على أمر الحوار العربي، بما يصدر من مثقفي هذه الأقطار الهامشية وتجاوزهم عند التخطيط للندوات التي تعقد…" [المرجع السابق: 120]
ولكنه في موقع آخر يحول الاتهام (الصامت) إلى إتهام (مسموع)، فيقول [المرجع نفسه: 128]: "من الواضح أن هناك هامشية تجعل للسودان وما يشبهه من الأقطار العربية وضعية خاصة. ولكن المؤسف حقا أن الذين يتصدون لإدارة الحوار حول مستقبل الوطن العربي ينكفئون على ذواتهم ويبعدون هذه المجموعات الهامشية. ذلك لأن وجودها يعقد بعض المواضيع التي يمكن أن تناقش في سلاسة لو أنهم كانوا غائبين". إذن، فإن السوداني متحاملٌ عليه ـ عربياً ـ على المستوى الشعبي والمستوى الرسمي. الأمر الذي يمكن أن ينجم عنه اليأس من العرب، وبالتالي التبرؤ منهم، ومن ثم الاعتصام بعرى أفريقيته. وفي هذا خطورة على مستقبل تطور مفهوم الوطن العربي بحدوده السياسية اليوم، كما يقول عبد الغفار محمد أحمد. ولذلك يطرح مشروعه الاستيعابي لتوسيع مفهوم العروبة حتى يشتمل على الهامشيين.
إن هذا المشروع ـ فيما يمليه علينا الواقع ومنطق السياق ـ تقوم زاوية ارتكازه على اعتراف العرب بعروبة الهامشيين رغماً عن تأفرق سيماهم، ثم بعد ذلك جعلهم جسراً يعبر منه العرب إلى أفريقيا. ولكن عبد الغفار محمد أحمد يعبر عن هذا المشروع بطريقة لا تساعدنا على استجلاء أعمدته التي يقوم عليها. فهو يقول [نفسه: 127]: "هذه الهامشية اليوم تجعل المثقف السوداني من شمال القطر مشتتاً يود الانتماء لعروبته المكتسبة ولكنه يرى في الوقت نفسه أن يعترف له المثقفون العرب بدور خاص في تواصل الثقافة العربية مع ثقافات أفريقيا وفي المقدرة على إجراء الحوار بين هذه الثقافات، وهو في هذا المنطلق يريد أن يؤكد أنه مزيج من العروبة والأفريقية".
لقد اعتزل المثقفون العرب إخوتهم في الدول الهامشية إيماناً منهم بأفريقية هؤلاء دون عروبتهم. أي أن المثقفين العرب يفصلون بين العروبة والأفريقية، والمثقف السوداني يطالبهم بأن يعترفوا بالتقائهما فيه. وهذا طبعا دون مناقشة مفارقة أفريقية عرب الساحل الشمالي الأفريقي.
ولكن، هل حقيقة أن المثقف السوداني يطالب بهذا؟ إننا نرى أن منطق السياق البحثي الخاص بمثل هذه الدراسات والتوجّهات الأيديولوجية هو الذي يفرض هذا المشروع كحل ومخرج، بينما الواقع العملي يقول لنا إن هناك تياراً قد تولد وتتجه دالته نحو الاعتصام بالأفريقية مع التبرّؤ من العروبة. وما محاولة عبد الغفار محمد أحمد إلاّ من قبيل دق ناقوس الخطر وتحذير العرب قبل فوات الأوان.
وعلى أي حال فإن عبد الغفار محمد أحمد، مثله في ذلك كمثل علي مزروعي يعمل هنا على معالجة أزمة أهل السودان الشماليين في علاقتهم مع العرب. وهذه ـ في رأينا ـ من تفرعات المشكلة. فالمشكلة ـ فيما نرى ـ هي علاقة السودانيين ببعضهم البعض من حيث العروبة والأفريقية.
ونشير هنا إلى أن علي مزروعي [1971] هو أول من استخدم مصطلحي المركز والهامش في الدلالة على أوجه الصراع الثقافي في السودان. بيد أنه استخدمه لمعالجة الصراع الثقافي بين مستعربي السودان وما شاكله من دول ذات شعوب مستعربة أسماها الهامش، وبين العرب العاربة الذين أسماهم المركز. ولكن قام كاتب هذه السطور عام 1986م في الإصدارة الأولى لكتابه منهج التحليل الثقافي بتوطين هذه الرؤية النظرية لتحليل الصراع الثقافي في السودان بالنظر إليه على أنه بين مركز إسلاموعروبي وهامش أفريقي؛ وقد استصحب مع مصطلحي المركز والهامش مفردتي الوسط والأطراف. فيما بعد سيتمّ تكريس هذا المصطلح عبر كتاب أبّكر آدم إسماعيل جدلية المركز والهامش [1997] بأجزائه الثلاثة.
المحك الاستقطابي:
إذن فقد وصل السودانيون إلى مفترق الطرق بين العروبة والأفريقية، وتحركت ميكانيزمات الاستقطاب. المشروع العروبي يعاني من مشاكل جمة أولها تأسيس مشروعية له داخل خيمة العرب العاربة. وسعياً نحو هذا اندفع بعض الكتاب فقالوا إن الجعليين ليسوا عرباً اختلطوا مع الأفارقة، ولكنهم عرب خلّص. ولتأكيد هذا زعموا أن المنطقة التي تسكنها قبائل الجعليين كانت خالية من السكان عندما قدموا إليها. ولحل إشكالية اللون ذهبوا إلى كتب التراث العربي يجمعون كل الإشارات التي تفيد بتوافر الخُضرة والسُّمرة في لون العرب، وخلصوا إلى نتيجة مؤداها أن اللون الحالي لقبائل الجعليين هو اللون الأصلي للعرب. وذهبوا إلى أكثر من ذلك فزعموا أن من يسكنون العراق والشام والجزيرة العربية هم الذين فقدوا لونهم العروبي المائل للسمرة والخضرة جراء تهاجنهم مع الأعراق البيضاء [عباس محمد مالك؛ 1987]. وما كان ما ذهبوا إليه في الواقع إلاّ مذهب عبدالله الطيب خلال ستينات القرن العشرين حسبما سيأتي لاحقاً. وفي رأينا أن عباس محمد مالك قد تحرّى في عنوان كتابه تعريف العرب العباسيين الذين يعنيهم على أنهم "قبائل الجعليين"، وذلك سعياً منه لتمييزهم عن المجموعات الأخرى التي تتبنى النسب العباسي العربي خاصة في مناطق برنو ووداي مثل الصليحاب العبّاسيين.
بكل المسالك الوعرة التي يسلكها هذا المشروع وبكل القضايا الشائكة التي يحسمها ضربة لازب، فإن انهزامه يأتي من واقعة إثنوغرافية بسيطة ومتوافرة تشهد بأن الوعي اللوني لدى سودانيي الوسط والشمال تتجه دالتها إيجابياً نحو البياض وانفتاح اللون، شأنهم في ذلك شأن العرب قديماً وحديثاً. وكما ذكرنا أعلاه، فقد عانى عنترة من سواد لونه قبل الإسلام كما عانى بلال في الإسلام، ثم كما يعاني الآن السُّود في بلدٍ اسمه السودان من سواد لونهم.
وفي هذا الوقت أيضا بدأت ترتفع الأصوات المنادية بانفصال جنوب السودان من قبل جهات جنوبية ومركزية تحت لافتات تقرير المصير، فضلاً عن باقي مناطق الهامش في جبال النوبة والأنقسنا ودارفور والشرق والشمال. هذا يعني أن المرحلة الحالية هي مرحلة ما يمكن أن نسميه "بفرز الكيمان". بمعنى آخر، لا مجال للمشاريع الاستيعابية في هذه المرحلة. ولهذا نجد المشروع العروبي قد تم طرحه كاملا بطاقته القصوى من خلال الأسلمة والاستعراب.
إلى أين المفر؟
هذا هو ما وجد الآفروعروبيون أنفسم فيه. فهم في داخل المشروع العروبي يحاربون في جبهتين:
أ/ جبهة القومية العربية القائمة على فكرة أمة الدولة الواحدة one state nation والتي يمثلها البعثيون والناصريون. فالآفروعروبيون يرون هنا أن فكرة القومية العربية بهذا الفهم تنفي هوية السودان الحقيقية من المكون الأفريقي.
ب/ جبهة التيار الإسلامي الذي بدأ كافراً بفكرة القومية من أساسها، والذي لا يملك حلاًّ لمشاكل السودان إلاّ من خلال الأسلمة والتي بدورها لا تتم إلاّ من خلال بوابة الاستعراب في عملية يشتط القهر فيها ليعيد الزمن القهقرى.
في هذا الوضع الذي يماثل ما بين المطرقة والسندان يرى الآفروعروبيون أنفسهم أكثر تسودناً. كما يرون أن الاشتطاط إلى أحد الطرفين قد ينسف المشروع العروبي في السودان من أساسه. ولكن الموقف تأزّم أكثر فأكثر جراء اشتداد وتيرة الاستقطاب في المحيط العربي الكبير. فقد بدأت تلوح دلائل تقارب منهجي بين دعاة القومية العربية والتيارات الإسلامية الاصولية [أنظر: محسن عوض؛ 1989 . هذا فضلا عن الإشارة لما قام به الرئيس صدام حسين من وضع جملة "لا إله الا الله" على علم العراق وهو الأمر الذي عجز الأمريكان عن التخلّص منه]. بمعنى آخر بدأ يستعرب التيار الإسلامي من خلال الإقرار بمفهوم القومية العربية، بينما في المقابل، بدأ يتأسلم التيار القومي العربي العلماني. ففي السودان تسمّت حركة الإخوان المسلمين باسم "الجبهة القومية الإسلامية"، مقدمةً بذلك القومية التي كانت تكفر بها قبل عدة سنوات فقط على الإسلام.
فأين المفر؟
المفر هو عروبة خاصة بالسودان، وإسلام خاص به، دونما إدعاء للأفريقية. وهذا هو الإطار الذي سنسعى ـ فيما يلي ـ كي نترسّم أبعاده في كتابات عبدالله على إبراهيم، وهو الإتجاه الذي نحتنا له مصطلح "السودانوعروبية". وفيه سنضرب أمثلة موثقة بمن نرى أنهم ينتمون لهذا التيار الجديد.
السودانوعروبية
ملامح المشروع العبدلاّبي الجديد
يبدأ عبدالله علي إبراهيم مشروعه بالهجوم يشنه على الآفروعروبيين متهماً إياهم باستبطان شكل من أشكال التحامل على المكون الأفريقي الذي سعوا لتكريمه. ثم يخلص إلى أن الآفروعروبية لا تعدو أن تكون شكلاً آخر من أشكال الخطاب الإسلامي العربي الغالب في السودان [عبدالله علي إبراهيم، 1988]. وهو إذ يفعل ذلك، إنما لقفل الطريق أمام أية محاولات سودانوشمالية تنحو الخط الأفريقي في إشكالية الهوية أو تحاول أن تعيد أو تحيي ما اندثر من مدرسة الغابة والصحراء، أو المدرسة الآفروعروبية عامة.
ومن ثم يتحرك عبدالله على إبراهيم بخطى ثابتة نحو هدفه الثاني: الإسلام الأورثوذكسي. فهو يريد أن يقلم أظافر التيار الإسلامي الذي إذا تُرك له الحبل على الغارب سيشتطّ وربما أفضى بعروبة السودان إلى موارد الهلاك. وكيما يفعل ذلك فإنه يعيد تقويم الإسلام الشعبي، أي إسلام الصوفية. فيذكر النظرة الخاطئة له على أنه مشوب بالشركيات، ثم يقوم بتفنيدها. بعدها يخلص إلى أن الإسلام الشعبي هو إسلام السودان وما عداه يمكن أن يكون إسلاماً لشعوب أخرى، إذ إن لكل شعب إسلامه الذي يسمه بميسم ثقافته [عبدالله علي إبراهيم، a1989: 148-185]. وهو إذ يفعل هذا، إنما ليقفل الطريق أمام الحركة الإسلامية الأصولية التي تدعو إلى دولة خلافة إسلامية يجلد الناس فيها ويُحدّون.
وأخيرا يتوجه عبدالله علي إبراهيم في مسوحه الأكاديمية ليمنح بركته العروبية لأهل وسط وشمال السودان الذين تحوم حولهم إشكالية العروبة من عدمها، فيعمّدهم عرباً بصرف النظر عن تخالط دمائهم بالأفارقة. فالهوية يعتمدها كخيار، ولا يجوز أن نقسر أناسا بعينهم على تبني هوية لا يستشعرونها. ويقيم عبدالله على إبراهيم مفهومه هذا على قاعدة من العلمية صارمة، يبدؤها بالهجوم على ماكمايكل وكتاباته عن العرب في السودان. ثم تنداح دائرة هجومه وتفنيداته لتشمل رعيل الأكاديميين السودانيين الذين تبعوا ماكمايكل ومنهجه بطريقة وقع الحافر على الحافر. ثم بعد هذا يؤسس لمفهوم الهوية كاختيار وكسلاح أيديولوجي، وكيف أن الهوية عندما تستخدم الأنساب إنما تفعل ذلك كأداة من أدواتها دون أن تعير الوقائعية التاريخية أدنى اعتبار. عليه، لا يجوز أن نغلّط هذه المفاهيم، بل علينا أن نفهم لماذا فعلوا ذلك ونؤمنهم على الهوية التي اختاروها. ومن ثم فعلينا أن نؤمن قبائل الجعليين على عروبة هويتهم وإسلامها [عبدالله على إبراهيم، b1989].
الآفروعروبيون والحلف السناري
في مقاله "تحالف الهاربين" [1988: 111-112] يبدأ عبدالله علي إبراهيم هجومه على النظرية "الانحطاطية" عند ماكمايكل، وتجلياتها الثقافية عند ترمنغهام. يقول:
"… إن دعوة الهجنة في أصولها العرقية عند ماكمايكل وتجلياتها الثقافية عند ترمنغهام تنطوي على فرضية انحطاط. وهو انحطاط نجم في نظر دعاتها عن امتزاج العرب المسلمين بالنوبة الأفريقيين. فقد جاء عند ماكمايكل ما يوحي بأن "الدم" العربي أرفع من الدم الأفريقي. وجاء عند ترمنغهام أن الهجين العربي الأفريقي قد سرّب من العقائد إلى الإسلام ما أدخله في الوثنية. والواضح أن المكون الأفريقي في هذا الهجين هو أكثر من تأذّى بنظرية الانحطاط هذه".
بعد ذلك يتقدم عبدالله علي إبراهيم خطوة للأمام، فيكشف أن رعيل الأكاديميين الذي رادوا مدرسة الآفروعروبية قد تبنّوا نظرية الانحطاط هذه وأخذوها كمسلمة دونما روية أو تفحص نقدي [المرجع السابق].
ثم يتحول عبدالله علي إبراهيم إلى التجليات الأدبية والفكرية للآفروعروبية من خلال مدرسة "الغابة والصحراء". فهو يتوجه بالنقد لكتابات الرواد الأوائل لهذا الاتجاه، وهم محمد عبد الحي، صلاح أحمد إبراهيم، محمد المكي إبراهيم، والنور عثمان أبكر. فيذكر أنهم عندما هاجموا العروبة، وسعوا للتبرؤ منها وعدّوا الانتماء لها تكبراً أجوف، وانتماءً متكبراً [المرجع نفسه: 112-115] ، ومن ثم نادوا بهوية أفريقية ابتنوا صورها من خيالهم الرومانسي، إنما استبطنوا ذات النظرية الانحطاطية دونما وعي أو رويّة منهم. فهم قد صوّروا العربي المسلم في صورة العقلاني المتسم بالرصانة والرزانة، في مقابل تصوير الأفريقي بالإنسان "المهذار"، "خفيف العقل"، "منتفخ الصدر" بالانفعالات والذي لا يملك إلاّ أن يرقص على أي إيقاع في سلوك انفلاتي الطابع دونما تقيد بالعقلانية. يقول عبدالله علي إبراهيم [نفسه: 112]:
"… أساء الآفروعروبيون إلى أفريقانيتهم من حيث أرادوا تعزيزها وتكريمها. فقد اصطنعوا في صيف سخطهم وبوهيميتهم الكظيمة أفريقياً وهمياً لحمته وسُداه معطيات أوروبية عربية رديدة عن أفريقيا مثل الطفولة والغرارة والمشاعية والروحانية وخفة القلب والولع بالإيقاع والرقص".
ثم يضيف أن الآفروعروبية في سعيها ذلك لا تهدف "… إلى تحجيم الانتماء العربي، بل إلى إجراء تحسين جذري في المكون العربي الإسلامي من الذاتية السودانية" [نفسه: 113] ، وذلك بغية حمل الثقافة الإسلاموعربية "الغبشاء المتشددة" على التلطف والسماحة، حسب تعبيره. لقد رفعت الآفروعروبية لواء الدعوة إلى وسطية إنتمائية بين العرب الخلص والأفارقة الخلص [نفسه: 117]. ولكنها لم تكن تملك برنامجا بخلاف ميكانيزمات الاستعراب التي شكلت إنسان سنار. ولهذا كانت "صورة أخرى من صور الخطاب العربي الإسلامي الغالب في السودان" [نفسه: 119]. "ومع ذلك لم تسعد الآفروعروبية أحدا" [نفسه: 117] ، فلا العرب وجدوا رحابة فيها لأنفسهم ـ فيما يرى عبدالله علي إبراهيم ـ ولا وجد الأفارقة أنفسهم فيها.
فما الحل؟!
الحل الذي يقدمه عبدالله علي إبراهيم يقوم على أن يكف أبناء الشمال العربي المسلم في السودان عن البحث عن هوية أفريقية لهم. فكأنه يقول إن أي محاولة من هذا القبيل سيكون مصيرها ـ مهما تسلحت بأدوات الهجوم على العروبية ـ هو نفس مصير مدرسة الغابة والصحراء. وعليه فإنه لا مناص من أن يقبلوا بأنفسهم كعرب مسلمين، وأن يكفوا كذلك عن خلع سيماء الحضارة عنهم بدعوى الهجنة. يقول [نفسه: 119]:
"إن أفضل الطرق عندي أن يكف أبناء الشمال العربي المسلم عن خلع بعض حضارتهم بدعوى الهجنة… فأهدى السبل إلى السلام والنهضة الثقافية في السودان هو الإقرار بقوامين (أو أكثر) للثقافة السودانية".
وبهذا يكون عبدالله علي إبراهيم قد أتم بناء الزاوية الأولى في مشروعه ذي الأضلاع الثلاثة. ومشروعه يقوم على بناء حدود ثقافية Cultural Boundaries ـ اعتماداً على مفهوم الحدود عند بارث [1970] ـ بين أبناء الشمال العربي المسلم وأبناء الجنوب الأفريقي. فهذان هما القوامان، كما إن الفرصة متاحة لأقومة أخرى. وهنا لا يفصل لنا طبيعة الأخرى هذه، بل يتركها لنا كيما نذهب فيها مذاهبنا. ولا نملك هنا إلاّ أن نتم له جملته الناقصة، فنقول: "الفرصة متاحة للنوبيين والفور والبجا كيما ينفضوا عن هذا الحلف السناري ويكوّنوا أقومة خاصة بكلٍ". وهكذا يتفرق السودانيون أباديد في الآفاق مع اتجاهات الرياح الأربع: الشمال ـ الجنوب ـ الغرب ـ الشرق … ولا عاصم لهم من هذا الشتات إلاّ الوسط (الإسلاموعربي).
ولعمري، إنها العروبية، (وبالمكشوف)! وأي عروبية؟ إنها عروبية لا تنهض على كثيب مهيل بالحجاز، أو طلل دارس بتيماء، أو ريح صبا تهب عليك من تلقاء كاظمة. فهي عروبية لا تستمد مشروعيتها من اعتراف العرب بها، كما سعى إلى ذلك عبد الغفار محمد أحمد. إنها عروبية خاصة ومفصلة (بالمقاس) على أهل السودان الذين لا يعرفون غير العربية لغة وغير الإسلام ديناً، وكفى الله المسلمين شر الهجنة، فلكم دينكم ولي دين، ولكم جنسكم ولي جنس.
الإسلام الشعبي: دين الرِّجرِجة
هذه هي الترجمة التي اعتمدها عبدالله علي إبراهيم نفسه لمقاله [كشاف مجلة الدراسات السودانية، عدد 1-2 مزدوج، المجلد التاسع، ديسمبر 1989م، ص 55]. في إعاد ة تقويمه للدين الشعبي في مقابل الدين الاأورثوذوكسي. يبدأ عبدالله على إبراهيم بمهاجمة ماكمايكل وتريمنغهام ونظرتهم "الانحطاطية" [عبدالله على إبراهيم؛ a1989 : 149] مثلما فعل سابقا. فيذكر أن ماكمايكل نظر إلى الدم العربي على أنه أرفع من الدم الأفريقي [المرجع السابق]. عليه فإن سكان شمال السودان (الهجين miscegenation) ـ حسب فهم ماكمايكل وتريمنغهام، فيما يقول عبدالله ـ لا يعدون أن يكونوا تلويثاً للدم العربي النقي، وتسامياً بالدم الأفريقي [المرجع نفسه: 150]؛ كما إن الإنسان السوداني، حسب هذه النظرة، يزداد رُقيّاً كلما زادت فيه نسبة الدم العربي [نفسه].
بعد هذا يتحول عبدالله على إبراهيم للهجوم على تريمنغهام وفهمه للدين شعبياً وأورثوذوكسياً [نفسه: 151]. بينما يرى تريمنغهام تثاقف الإسلام مع الحضارة الشرقية الهيلينية كعملية تخليق وإبداع، فإنه يرى تثاقفه في السودان مع الثقافات والأديان المحلية كعملية انحطاط له [نفسه]. فالذين أتوا بالإسلام إلى السودان من العرب المهاجرين كانوا أنفسهم على جهل كبير به من حيث نقائه الأورثوذوكسي [نفسه: 152]. ولذلك فقد سمحوا للإسلام بأن يتشرب ويستوعب الكثير من الممارسات الدينية الأفريقية، والتي بدورها انحطت بالإسلام إلى درك الوثنية والشعوذة [نفسه: 153]. وقد تبلور كل ذلك في مؤسسة الصوفية وإسلام العامة [نفسه].
يبدأ عبدالله علي إبراهيم هجومه على تريمنغهام بإدانة لفيف الاكاديميين السودانيين الذين تبنوا المفهوم دونما روية أو تبصر رغم أن ترمينغهام نفسه حذر من هذا [نفسه: 153-154]. ثم يتكئ في إفتتاحية هجومه على رأي جي سبولدنق حول آراء ونظريات تريمنغهام. يلخص سبولدنق القضية في أن الذين ذهبوا هذا المذهب يصلون إلى إحدى نتيجتين: إما أن السودانيين سيئو الإسلام، أو أن إسلامهم يختلف عما عداه من إسلام الشعوب الأخرى [نفسه: 154]. إن كان الأول ـ إحالةً إلى سبولدنق ـ فإن هذا كلام يختص به الله دون خلقه، وإن كان الثاني، فإنه ينبغي تعريف إسلامهم وفق معايير إصطلاحية سودانية.
ويذكر عبدالله علي إبراهيم أن أكاديميي إسلام آسيا نافحوا بقوة ضد الفكرة القائلة بأن الإسلام عندما يتثاقف مع الأعراف المحلية ينتج عنه إسلام منحط [نفسه]. فقد فند بعضهم الرأي القائل بأن " الأسلمة" في بداياتها قد تبنت الكثير من الشركيات، الأمر الذي أفقدها نقاءها [نفسه]. والسبب الذي يمكن إرجاع كل هذه المفاهيم الخاطئة إليه ـ كما يرى عبدالله علي إبراهيم فيما يورد من رأي الأكاديميين ـ هو حركة الإسلاميين الذين يتخذون من الإسلام الكلاسيكي (أي الأرثوذوكسي) محكّاً يقيسون عليه تقدم الأسلمة في مستوياتها الإقليمية [نفسه]. إن الخطأ في هذا ـ كما يرى روي Roy، صاحب الرأي السابق نقلاً عن عبدالله ـ يكمن في الاتجاه نحو تقويم الظاهرة الإسلامية في مقابل من يؤمن بالإسلام على ضوء مدى التوافق مع المثل والمعايير الأورثوذوكسية [نفسه: 150]. إن هذا المدخل لا يساعد الشخص العادي المؤمن بالدين، كيما يحقق ذاته في دينه، بل يتم نفيه من الدين بهذا الفهم. ومكمن الخطأ هو أن الهدف لا يكون تدارس أمر الدين في المجتمع من حيث تفاعله، بل البحث والتحقق من وجود دين ما ـ بصيغة بعينها ـ من عدمه [نفسه]. عليه، فإن الأكاديميين الذين تبنوا مفهوم تريمينغهام للأورثوذوكسية والشعبية لم يكونوا يسعون لدراسة أمر الإسلام وتفاعله مع السودانيين، بل كانوا يدرسون أمر الإسلام في مواجهة السودانيين [نفسه: 158]. وإسلامهم الذي يبحثون عنه هذا لا يتوافر إلاّ في الكتب والمعاهد الدينية، بينما العامة لديهم إسلام خاص بهم. في هذا كانت الصفوة دائما هي حاملة لواء هذه الأصوليات (الأورثوذوكسية). ويرى عبدالله على إبراهيم أن هذه المعيارية الأصولية ـ أو ما يسميه بلاهوت الصفوة elite theology ـ قد تم لها الانتشار وسط العامة عن طريق التراث الشفاهي، ومن ثم أعطت لنا ما يظنه البعض لاهوتاً شعبياً folk theology، يقوم على الأصولية [نفسه: 167].
بهذا يؤسس عبدالله على إبراهيم الركن الثاني من ثلاثيته. فالإسلام الشعبي (إسلام الصوفية) هو النسخة السودانية من الإسلام. كما إن محاكمة هذا الإسلام بالمعيارية الأصولية يقوم على خطأ جسيم على المستوى المنهجي والعلمي. عليه، فإن الإسلام الشعبي صحيح معافى من ناحية عقدية وغير مشوب بالشعوذة والخرافات، إذ إن ما يسمى "شعوذة وخرافات" هو فولكلور الناس. وما الإسلام الأورثوذوكسي إلاّ نمط شعبي لمجتمع ما في زمن] ما، ولكن تم تجريده من تاريخيته حتى يصبح معياراً للدين؛ كما إنه يستصحب معه فولكلور أهله بكل ما يشتمل من أساطير وخرافات (الجن، السحر، العين) إلخ.
بهذا يسبغ عبدالله علي إبراهيم المشروعية الإسلامية على نمط حياة شمالي السودان من العرب المسلمين. فعاداتهم وتقاليدهم وفولكلورهم تتفق تماماً مع إسلامهم الخاص بهم. كما إن هذا النمط من الإسلام هو الوحيد القادر على إشباع الحاجة الإنسانية للدينونة فيهم، ولا يستقيم أمرهم إلاّ به.. وما احتفاء العامة بالشعارات الأورثوذوكسية التي يرفعها الأصوليون إلاّ ناتج انتشار الشعارات ـ دون انتشار دلالاتها العملية ـ وسط العامة ضمن ميكانيزمات التراث الشفاهي. عليه، فإن الأصولية الإسلامية مرفوضة لا على أنها هوس ديني، بل على أساس مجانبتها وتناقضها مع "الإسلام السوداني".
هكذا يقلم عبدالله علي إبراهيم أظفار الاشتطاط الديني في صمدية علمية تنهض على علم أنثربولوجيا الأديان، لا على كتب الفقه والحديث "الصفراء". فالأصولية الإسلامية هي عامل تفتيت في الجسم العروبي الإسلامي في السودان. الأمر الذي لا يتفق والاستقطاب الذي بلغ ذروته في هذه المرحلة. عليه، لابد من تماسك الجبهة الداخلية.
إعادة الاعتبار إلى هوية الجعليين
وهذا هو الركن الثالث في مشروع عبدالله علي إبراهيم ثلاثي الأركان. وقد ورد حديثه في مقاله الذي رأينا أن نترجمه: "ماكمايكل وانكسار يراعه: إعادة الإعتبار لهوية الجعليين" . وهو هنا لا يستهدف بدراسته قبيلة الجعليين الصغرى والتي حاضرتها المتمة، بل يعني قبيلة الجعليين الكبرى بما تشتمل من بطون مثل الشايقية، الرباطاب، الميرفاب…إلخ [المرجع السابق: 227].
وتقوم مرافعته على أنه من حق الجعليين أن ينسبوا أنفسهم إلى العباس أو من شاءوا دون أن يكون ذلك مدخلاً أكاديمياً يلج منه الباحثون لدحض هذا الزعم بالنظر إليه كفرية. فيقول: "إن اختراع هوية دينية، أو إثنية ليس مجرد ممارسة عامة، بل هي أيضاً مشروعة" [المرجع نفسه: 221]. ويستشهد في هذا برأي مايكل هيرزفيلد ومسألة انتساب الإغريق للثقافة الهيلينية. ويأتي عبدالله باقتباس من هيرزفيلد يوضح فيه كيف نتعامل مثلاً مع النّسّابة كإخباريين ميّتين. يقول الاقتباس [مايكل هيرزفيلد؛ 1982: 4]:
"إن الأنثربولوجي لا يحاول أن يكشف جهل إخبارييه فيما يختص بعالمهم الثقافي؛ ولكن من الممكن أن يقول شيئا عن كيف كانوا يدركون ويوضحون عالمهم ذلك. وبنفس هذه الروح، فإن هدفنا هنا ليس مناهضة الأساس الوقائعي لدراسة الفولكلور الإغريقي، أو أن نعامل دوافع مبادئهم على أنها بشكلٍ ما كانت مغلوطة. وبما أننا نعامل هؤلاء، من حيث أنهم مصادر دراسية، "كإخباريين" قادمين من الماضي، فإنه لا ينبغي لنا أن نتجادل معهم، مثلما لا ينبغي أن نقسر أحد الاخباريين الأحياء على تبني نظرية أنثربولوجية بعينها. بالتأكيد هناك أخطاء وقائعية وافرة في هذه المصادر، بالدرجة التي تغري الواحد منا كيما يتفوه معرّضاً بمعاييرهم البائسة، أو حتى المزيفة. إلاّ أن الاتهام بفساد الاعتقاد يفضي بنا إلى لا شيء ـ خاصة عندما يكون هدفنا هو الكشف عن لماذا اعتقد "إخباريونا" أنهم كذلك، أكثر من أن نفترض الإجابة مقدّماً".
بعد هذا يتحدث عبدالله علي إبراهيم عن أن الإثنية لا تبني هويتها إلاّ على الحقائق التي تخدم أغراضها الأيديولوجية. فهي تستمد ذلك من الاستقراء الثقافي للسلالة والنسب، وليس من التحري الوقائعي للأحداث والتاريخ. فإن انتساب النفس لما تهوى أساس لقيام الهوية [عبدالله علي إبراهيم،b1989: 222-223]. وبهذا يمنح عبدالله علي إبراهيم بطون الجعليين "بركته" و"صكوك المشروعية" في أن ينتسبوا إلى العباس دون أن يكون لكل الأخطاء والتناقضات التاريخية الواردة في شجرة نسبهم أدنى اعتبار أو أن تكون مدخلاً للتعريض بهم أو الهزء. فالنسبة بناء على ما قاله إيان كونيسون هي مجرد أيديولوجيا [كونيسون، 1971: 144] تخدم الحاضر موظفة في ذلك الماضي [المرجع السابق: 189].
وقد انتقد عبدالله علي إبراهيم في فترة سابقة من حياته العلمية مشكلة الشطب في قوائم الأنساب من قبل الكتاب النسّابين حتى يتفق ذلك مع ما يرونه صحيحاً [عبدالله علي إبراهيم، بدون تاريخ: ف]. وقد عاملها ـ بخلاف فهمه الحالي ـ كوثائق تاريخية "سيئة الإعداد" لما تحفل به من أغلاط.. فقد حمل على النسّابة قائلا: "… آفة كتب النسبة السودانية التقليدية عدم درسها الممحص للمؤرخين القدامى. وهو إهمال انتهى إلى أغلاط لا حصر لها" [المرجع السابق: ظ]. وكأنه كان يتمنى أن تتوافر كتب نسبة تقوم على الوقائعية التاريخية ويُعتدُّ بها في حل إشكالية القبائل في السودان. فيما بعد أشار عبدالله علي إبراهيم إلى الطبيعة الأيديولوجية للأنساب [عبدالله علي إبراهيم، 1999]. على أيٍّ، فإن عبدالله علي إبراهيم قد تجاوز تلك المرحلة، وإن يكن قد أغفل ذكر ذلك عندما ابتنى له مواقف جديدة ناقضة لتلك القديمة.
وبعد، فإننا في نقدنا له سننطلق مما قاله إيان كونيسون من أن النسب ما هو إلاّ سلاح أيديولوجي يستخدم في عملية ممارسة السلطة، وصراع الإنسان ضد أخيه الأنسان في سبيل احتياز أكبر قدر من الخيرات المادية في هذه الحياة. وهذا ما يؤكده عبدالله علي إبراهيم فيذكر من واقع تجربته مع الرباطاب أن الناس هناك ينظرون إلى من يستشهد بشهادات النسب المكتوبة نظرة ريبة وتشكك في صحة نسبه [عبدالله علي إبراهيم، b1989: 226]. وفي تبريره لرفض الرباطاب لشهادات النسبة المكتوبة يقول: "إن نظرة الرباطاب السلبية للنسبة المكتوبة ربما تكون تعبيراً عن عدم ارتياحهم لها باعتبارها غزواً للقراءة والكتابة" [المرجع السابق]. وهنا نراه يقترف الإثم الذي قارفه سابقوه، فأدانهم عليه في نفس مقاله؛ ألا وهو "شغل التخمين guess work" [المرجع نفسه: 222-224].
ولكن السبب في ذلك ـ كما نراه وكما يعكسه عبدالله علي إبراهيم دون أن يسميه ـ هو أن من يحتاز على هذه النسبة فقد احتاز شرفاً كبيراً ومكانةً كبيرة، معنوية ومادية، كامتلاك الأرض مثلا. فالبدو المجاورون للجعليين ـ وإن كانوا صرحاء العروبة ـ يحرمون من هذه النسبة، الأمر الذي يستتبع عملياً حرمانهم من ملكية الأرض، ولو ملكوا المال والرغبة لذلك. يورد عبدالله علي إبراهيم حكاية أن أحد هؤلاء البدو تمكن بطريقة ما من افتتاح متجر بماله في منطقة الرباطاب، فكان أن علق في مدخل "دكانه" شهادة نسب تلحقه بجعل بن العباس، أي بالجعليين. ومع ذلك لم يسلم من هزء وسخرية الرباطاب اللاذعة. فقد باشره على ذلك أحدهم قائلا: "إن تعليقك لهذه النسبة يشبه الذي يطوِّح بصنارته (جبّادة) في الماء دون أن يثبّت نهايتها بوتد" [نفسه: 226].
وهنا يكمن السبب في موقف الرباطاب السلبي من شهادات النسبة المكتوبة. فالتداول الشفاهي لأنسابهم ما هو إلاّ تكتيك لتكريس حدودهم الثقافية طالما أن القائمين على أمرها هم حفظة هذه الحدود. فالبدوي لا يستطيع أن يحمل هؤلاء الثقاة على ضمه إلى إحدى فروع شجرة النسب العباسية طالما كانت شفاهية التداول. ولكن إذا أصبح أمر النسب عبارة عن شهادة مكتوبة ومعلقة في إطار على الجدار، فإن أيّ بدوي سيكون في مقدوره أن يتسلق هذه الشجرة المباركة، وأن يأكل من ثمارها المحرمة على الآخرين. وثمارها بالطبع ملكية الأرض وكل الامتيازات والخيرات المادية الحياتية اليومية، وهنا مربط الفرس.
إن توصيف وتشريح ميكانيزمات هذه الظاهرة هو دور الأنثربولوجي، ونتفق تماماً في أنه لا ينبغي له أن يدخل في مغالطات مع النّسّابة معرّضاً بما يمكن أن يكون تزييفاً للتاريخ. في هذا نحن متفقون. ولكن عبدالله علي إبراهيم يورد كل هذا لجعله أساساً لقفل أي مدخل أكاديمي يمكن أن يلج منه الباحثون (ليس بالضرورة أن يكونوا أنثربولوجيين لامنتمين للصراع) لجزّ فروع شجرة النسبة واستئصال شأفتها بغية خلق التوازن في الامتيازات والخيرات المادية. فعبدالله علي إبراهيم يؤسس أكاديمياً وعلمياً لمشروعية النسب العباسي للجعليين، ومن ثم ـ اجتماعياً ـ ما يستتبع ذلك من امتيازات.
وهنا لا نظن أنه يفوت على عبدالله علي إبراهيم أن الهجوم على شجرة الأنساب وعلى عروبة الجعليين نفسها إنما هي شكل من أشكال الصراع الثقافي والأيديولوجي في السودان: إنه الصراع حول السلطة؛ صراع الهامش والأطراف بادية التأفرق ضد المركز الإسلاموعروبي. الهامش يتسلح بالعلمية والأكاديمية في سعيه هذا متخذاً من شنيعات الأخطاء التاريخية التي تحفل بها شهادات النسبة مدخلاً لدحضها وكشف زيفها. والمركز بدوره يتسلح بالعلمية والأكاديمية ليضفي المشروعية على أنسابه اعتماداً على أن الأنثربولوجي لا ينبغي له أن يدحض هذه الأنساب رغم ما تحفل به من أخطاء ومغالطات. وهذا الدور يقوم به هنا نيابةً عن المركز الإسلاموعروبي عبدالله علي إبراهيم نفسه في موقفه هذا. وهنا تتهتّك المسوح الأكاديمية لعبدالله علي إبراهيم لتكشف عن موقفه الأيديولوجي من عملية الصراع الثقافي في السودان. إذ إن بالنسب هذا، وبأدوات أخرى، يُمارس في السودان "القهر الثقافي" و"الاضطهاد والتطهير العرقي" وما يتبع من امتيازات مادية، دنيوية.
صفوة القول
إن مشروع عبدالله علي إبراهيم يتلخص في أنه لا مجال لإدعاء هوية آفروعروبية في السودان، لأنها مهما تمسّحت بالأفريقانية فإنها لن تعدو أن تكون شكلاً آخر من أشكال الخطاب الإسلاموعروبي الغالب في السودان. كما إنه لا يجوز أن نخلع عن أنفسنا ملامح حضارتنا العربية الإسلامية إدعاءً للهجنة.
ثم علينا أن نحصّن أنفسنا من أي احتمالات انجراف نحو "الهوس الديني". والطريق الأمثل لذلك هو أن نكرّس "الإسلام الشعبي" بالنظر إليه كنمط صحيح ومعافى وليس مشوباً بالخرافات الوثنية. عليه لابدّ من قفل الطريق أمام الإسلام "الأورثوذوكسي".
وأخيراً، لا مشاحة من أن نفخر بانتسابنا للعباس، كما لا غضاضة من أن نحتفي بأشجار النسب، دون أن نعير أغلاطها وأخلاطها أدنى اعتبار. فقيمة الأنساب ليست "تاريخية" بل "أيديولوجية".
تحالف الهاربين … لماذا؟
لقد عني عبدالله علي إبراهيم بمصطلح "تحالف الهاربين" أولئك الذين هربوا من هويتهم إدعاءً لهويات لا أساس لها من الواقع. ونحن هنا نعني عكس ذلك. نعني أولئك الذين اختطوا لهم هويات بخلاف الهوية العربية، ثم هربوا فيما بعد من هوياتهم المصطنعة هذه ـ على حدة أو جماعات ـ اعتصاماً بهوية لهم أسميناها السودانوعروبية هي بنت الآفروعروبية التي كانت بدورها بنت المدرسة الإسلاموعروبية في السودان.
فمثلا الأب الروحي للآفروعروبية، محمد المهدي المجذوب، عاد في أخريات أيامه إلى الإسلاموعروبية ليصف العرب على أنهم جبابرة، بعد أن سعي للتبرؤ منهم في أربعينات القرن العشرين. فهو يقول في رسالة كتبها إلى محمد عبد الحي سنة 1981م ما يلي:
"كنت في الدوحة ورأيت عمي عبدالله الطيب هناك وألقى محاضرة طيبة جداً فحواها الرجعة إلى تعليم اللغة العربية كما كان يفعل الأشياخ.. على المتن حاشية وعلى الحاشية حاشية.. وقلت لنفسي إن اللغة العربية لغة جبابرة" [ أنظر نص الخطاب في مجلة حروف، عدد 2/3 (مزدوج)، السنة الأولى، 1991م، ص 210]. (التنقيط جاء في الأصل)
ولا يخفى المنحى الأيديولوجي في هذا الحنين الطاغي للأصولية العربية ولأهلها (الجبابرة). وتتبدى الأيديولوجيا الإسلاموعروبية أكثر، عندما يظهر تبنيه لذات تكتيكات القهر الثقافي العربي إزاء أجناس الإبداع الثقافي السوداني الأخرى. فهو يقول في نفس خطابه:
"أرتاح جدّاً إلى سماع المديح في هذه الأيام والمدّاح رجل مثقف مبارك شاعر بارع له وجد ولوعة.. ولكن الناس هنا أسماعهم إلى الصُّيَّاع وغيرهم ـ ووالله والله قد صدق السناريون حينما جعلوا المغني صائعا والكلام طويل وبراهينه حاضرة .. ولو كان الأمر بيدي لجعلت الإذاعة والتلفزيون كلها مديحاً في الذات المحمدية على صاحبها أفضل السلام" [المرجع السابق]. (التنقيط في الأصل)
وكلنا يعلم أن كلمة "الصيَّاع" هي الاسم الذي أطلقته ثقافة الوسط الإسلاموعروبي على المغنين. ولنا أن نتصور المسافة التي قطعها محمد المهدي المجذوب في رحلة هروبه من الرغبة في أن يسير في الشارع يغني ويرقص وهو في حالة سكر شديد غير عابئ بأنسابه القرشية، إلى رجل يفخر بعمه ونسبه (ونسبه إلي العباس، والعباس من قريش)، ثم يعلن عن رغبته في تكميم أفواه كل من يترنم بلحن خلاف مديح النبي محمد (ص). إن محمد المهدي المجذوب هنا ينتمي بحق إلى ذات ثقافة القهر التي كانت بأمدرمان والتي حالت دون أن يتغنى خليل فرح بألحانه علانية خشية أن ينظر إليه على أنه من "الصيّاع" فيسقط في نظر المجتمع. وهذه هي المصادر الديكتاتورية القهرية التي اتّسمت بها أنظمة الحكم الغاشم في بلادنا، بدءً بدولة الخليفة عبدالله التعايشي انتهاءً بدولة الإخوان المسلمين أو كيفما جرى تقلّب أسمائهم، وكأنّي بهم قد سعوا إلى تقيق رغبة المجذوب في جعل جميع البرامج دينية.
أما إذا جئنا إلى محمد عبد الحي، فنجده قد بدأ آفروعروبيا متحمساً، رافضاً الإنتماء للعرب، واصفاً هذا الإنتماء على أنه "أجوف وتكبر". ثم لما امتدّ به العمر، وتجاوز غلواء الشباب، عاد ليعتصم بذات قلعة عروبته. فقد ذكر في خطاب كتبه لصديق له بتاريخ 2/8/1988م شارحا كيف رفض حزب الأمة، وذلك عندما انضمّ له إبان الديموقراطية الثالثة، أسلوبه وحججه في الحوار حول التناقض المذهبي بين الشيعة ومن ثم إيران، والسنة ومن ثم العرب، قائلا:
"ويخيل إليَّ أنهم رفضوني لأني دافعت عن جوهر الأمة العربية ونبيها العربي، يوم أن وقفت شارحاً للمفهوم الفارسي والمفهوم العربي كقوميتين بدآ حقبا طويلاً في طفولة التاريخ يتناحران ويتحاربان. وسواء رضيت أم أبيت لي تراثي العربي، ولي لساني العربي ولي عقيدتي السنية" [راجع نص الخطاب في المرجع السابق، ص 211].
ونكاد نلمس جهده في تبرير موقفه مع نفسه. فهو متنازع بين الرضى والرفض: الرضى الأيديولوجي اللاشعوري عن الهوية الحقة، والرفض الزائف الظاهري لها. كما نجده يقول في نفس الخطاب مدعماً لتبريراته: "وتراث الإسلام تراثنا، وعقيدته عقيدتنا وثقافته ثقافتنا ـ إن المرء في أول شبابه يشرّق ويغرّب، ولكنه أخيراً يستقر في تراثه وعقيدته" [المرجع السابق]. ولا يحتاج هذا الكلام منّا إلى تعليق.
لقد تواطأ ذلك الجيل مع التيار العروبي من حيث ظن أنه قد ثار عليه. لقد كان صادقاً في توجّهه نحو "أفريقيا"، وفي عزمه لاقتحام "الغابة"، ولكنه ما كان يملك أي أدوات بخلاف محركات وعيه العروبي. لقد ركبوا للغابة جمالهم ونياقهم.
أما إذا جئنا إلى عبدالله علي إبراهيم نفسه، فنجد أنه قد بدأ بانتمائه إلى "مدرسة أبادماك" الأدبية. كما إنه هو نفسه ـ حسبما أورده عبده بدوي [1981: 52] ـ الذي أطلق اسم "أبادماك" على تلك المدرسة. [في حديث شخصي لي مع عبدالله علي إبراهيم بالخرطوم منتصف 1996م ـ إثر قراءته لمسودة هذا البحث ـ نفى هذا الأمر، مشيراً إلى أن عبدالله جلاّب هو صاحب الشرف في اقتراح اسم "أبادماك" لجماعتهم الأدبية]. أي أنه ضرب بناقته في فيافي الماضي السحيق مفتشاً عن هويته بين أروقة ومعابد الحضارة المروية. كما إنه كان في ماضي شبابه ماركسياً لينينياً لينتهي اليوم عروبياً مسلماً (ولا يظنّنّ أحد أننا نغمز ونلمز إلى مُسفِّ القول وركيكه من إلحادية الماركسية وما جرى مجرى ذلك، ولكنّا نشير إلى الجغرافيا الفكرية الشاسعة بين العالمين وحسب). إذن فها هو عبدالله وقد "شرّق وغرّب"، ثم استقر أخيراً في تراثه وعقيدته ـ باستخدام ألفاظ محمد عبد الحي.
في مايو 2003 [صحيفة الرأي العام] نشر عبدالله علي إبراهيم سلسلة من المقالات استندت على محاضرات كان قد قدّمها هنا وهناك ما بين السودان وبعض دول الخليج. في هذه المحاضرات نحا عبدالله إلى استخدام مصطلحات عالية التحميل، مثل "تطبيق الشريعة" وما شابه، بطريقة جعلت الكثيرين يذهبون إلى أن الرجل قد كشف عن أقنعته الحقيقية أخيراً. كما أشفق عليه الكثيرون من معجبي فكره ممن لا علاقة لهم بالحركات الإسلامية الأصولية الداعية لتطبيق الشريعة. لكن لا شيئ أبعد من الحقيقة من ذلك، فالرجل في واقع الأمر يعمل على إيلاف مستعربة السودان من عروبيين وإسلاميين، فيما سنشرح أدناه. من ذلك مثلاً قوله: "أريد في هذه المقالات.. أن أرد إلي الشريعة مطلبها الحق في أن تكون مصدراً للقوانين في بلد المسلمين. ولست أري في مطلبها هذا بأساً أو ظلماً لغير المسلمين. ولست أدّعي علماً فيما يجدّ غير أنني أتفاءل بما سلف من خصوبة الشريعة وحسن تدريب ذوق الشرعيين بها من قضاة المحاكم الشرعية علي عهد الإستعمار وما تلاه في ترتيب قوانين التزمت خير الأسرة المسلمة وانتصفت للمرأة ما وسعها..". أُنظر كيف أن الرّجل لا يطالب بتطبيق الشّريعة، كما لا يطالب بأن تكون "مصدراً للقوانين"، أي للتّشريع. لكنه يريد أن يردّ لها "... مطلبها الحق في أن تكون مصدر القوانين في بلد المسلمين ..."، ثُمّ على أيّ كيفيّة تراه سيردّ لها "مطلبها" هذا؟ على طريقة "... قضاة المحاكم الشرعية علي عهد الإستعمار وما تلاه ... ". ولكن متى طالبت الشريعة بذلك، أم أن ذلك مطلب الإسلاميين الأصوليين؟ وحتى في أدب الأصوليين، هل يطالبون بالشريعة كما جرى بها خطاب القضاء الشرعي مما عُرف زمن المستعمر وما تلاه؟ علم الله أن تلك ليست ما يطالب به الأصوليون. إن ما يبدو على أنه تخليط غير موفّق للمفاهيم، سيستقيم على قدميه إذا نظرنا إليه باعتباره مشروعاً لإيلاف الإسلاميين عروبياً، خاصةً من أُحبط منهم إسلامياً بالممارسة غير الرشيدة التي ظَلَع بها الإنقاذيون ـ وذلك بعد أن عمل عبدالله ما فيه الكفاية لإيلاف العروبيين.
جُبل نظام الإنقاذ علي هشاشةٍ فكرية فتّت في عضُد التنظيم القوي مما أسلمته إلى التراخي وانتهت به إلى الانبطاح التام في الفساد الزاخم. لعب كل ذلك دوراً خطيراً في توعية عدد كبير من صادقي الإخوان المسلمين بخطل الاستناد على الشعارات التي تنفخ الصّدر دون العمل على تنزيلها إلى رؤى فكرية، عملية قابلة للتّنفيذ. وقد أدّى هذا بالعديد من الكوادر الصادقة مع النفس إلى التّهيؤ للانفضاض عن الحركة جملةً وتفصيلاً جرّاء الإحباط والإحساس بالفشل. في المقابل انفضّ العديد من كوادر العروبيين بالسودان عن فكرة القومية العربية، خاصّةً بعد غزو العراق للكويت مُحبطين ممّا بدا أنّه فشل للفكرة نفسها. بالنّسبة لعبدالله علي إبراهيم فإن تماسك الجسم العربي المسلم بالسودان يمثّل هدفاً أساسياً. لذلك فإن انفضاض الكوادر النّاشطة عروبياً وإسلامياً من سابق مواقفها التّنظيمية بسبب الإحباط، يُعتبر خسارة للجسم العربي المسلم بالسودان. فهذه الكوادر ـ بحكم كونها ناشطة وعالية التّنظيم ـ يمكن أن تلعب دوراً أخطر إذا ما اتّخذت من فشلها نقطة انطلاق نحو تطوّر جديد بدلاً من الرّكون للإحباط.
هنا يأتي مشروع عبدالله في إيلاف هؤلاء داخل مشروعه. وتكمن خطّته في استخدام مفرداتهم اللغوية في غير مدلولاتها الخطابية. وهذا تكتيك في ظنّنا أنّ عبدالله قد حذِقه من خبراته الماركسية السّابقة. وهو من قبيل تناوش المفكّرين على "عَظْمة" المصطلحات ذات الجاذبية الخطابية، حيث يسعى كلّ جانب إلى تحميلها بمدلولاته المناقضة لمدلولات الطّرف الآخر. أُنظر مثلاً إلى الماركسيّين أُخريات القرن التّاسع عشر كيف تناوشوا مع الليبراليّين حول "عَظْمة" "الدّيموقراطيّة"، حتّى إذا جئنا إلى منتصف القرن العشرين، أصبحت جملة "هذا شخص ديموقراطي" تعني أنّ هذا شخص ماركسي بدلاً من ليبرالي. وهكذا بالنسبة للعروبيين فإن القول بأن السودانيين عرب، يُمثّل أرضية جيّدة للإيلاف. بينما تُمثّل الدعوة إلى عروبة خاصّة بالسّودان أرضية فكرية صلبة تُبرّر نفض يدهم عن دعوى القومية العربية الخاسرة، دون قطع الصّلة بالعرب. أمّا بالنّسبة للإسلاميين، فإن ترداد أن تكون "..الشّريعة .... مصدراً للقوانين في بلد المسلمين" أجدى في إيلافهم؛ هذا مع إمكانية علمهم بأن الجملة تُستخدم في غير مدلولها الخطابي القديم. الشريعة هنا هي شريعة القُضاة الشرعيين، أي شريعة الأحوال الشخصيّة، وليست شريعة الجلد والقطع والصلب.
الهروب الكبير إلى السودانوعروبية
التيار العربي الإسلامي: رأس الرمح
وبعد، إن ركب الهاربين يضم آخرين جاءوا من تيارات إسلامية بحتة كما يضم من جاءوا من تيارات عروبية بحتة. من التيار الإسلامي نضرب مثلاً بأحد أعمدة إتجاه سودنة العروبة ألا وهو جعفر ميرغني. يقول في أحد أشهر أبحاثه:
"كتبت جميع ما كتبته فوق ليكون سبباً وتمهيداً لدراسة المُعرّبات السودانية وهي الألفاظ المهاجرة من لغات سودانية إلى اللغة العربية، فلحقها حين خرجت من لسانٍ إلى لسان جميع ما بينّاه فوق. ولا نريد بالمُعرّبات السودانية تلك التي جرت على ألسنة عرب السودان وحدهم بل نريد بها أيضاً ما دخل اللغة العربية الفصحى نفسها من أزمان متقادمة والعرب بعد في جزيرتهم لم يبرحوها." [1991: 52]
لقد كان جعفر ميرغني في الحركة الإسلامية الأصولية بالسودان (تنظيم الإخوان المسلمين بزعامة حسن الترابي) حتى أواخر الستينات، ليتحول بعدها تدريجياً حتى بلغ ما وصل إليه من الاعتصام بالعروبة المتسودنة. إنه في مسعاه هذا يختط له عروبة سودانية خاصة بأهل السودان. إن رسخان قدمه ـ كما يرى هو ـ في تسودن عروبته، وليس في استعراب سودانه. ولهذا ينحو لسودنة اللغة العربية العالية، دون العامية العربية السودانية. ثم إنه سيسعى في خاتمة أمره ـ من خلال برنامجه الإذاعي الشهير "أضواء على الحضارة السودانية" ـ إلى تفسير مَعميّات الحضارة المروية عبر اللغات السامية عامةً واللغة العربية خاصةً ليجمع بطريقة نقيضية بين تعريب تلك الحضارة وسودنة الساميات أي سودنة العروبة.
من جانب آخر، إذا جئنا إلى الهاربين من التيار العروبي الصريح، فيمكننا أن نمثّل هنا بعبدالله الطيب، وهو أحد أساطين علوم العربية في النصف الثاني من القرن العشرين. لقد طرح عبدالله الطيب نفسه، منتصف القرن العشرين، مؤمناً بكل نظريات الأنثربولوجيا العرقية وهي في خريفها، وذلك بخصوص نظرته للأفارقة والأعراق السوداء ـ السودانية خاصة. ففي 1955م عندما اندلعت أحداث التمرد في الجنوب، وما أعقب ذلك من عمليات قتل جماعية "للشماليين" بجنوب السودان، كتب عبدالله الطيب في الصحف مشدداً على أخذ "الجنوبيين" بالشدة باعتبار أنهم قوم بدائيون، جفاة لا يصلح معهم غير ذلك، متكئاً في ذلك على وجهات نظر الأنثربولوجيا العرقية، ومتخذاً من أساليب الاستعمار الإنكليزي نموذجاً. فقد دعم رأيه ذلك بالفائدة التي رأى أنها عادت على الاستعمار الإنكليزي جراء اتباعهم الأساليب الوحشية الفظيعة ضد المُسْتَعمَر [عبدالله الطيب؛ a1955]. وقد أتبع ذلك بمقال آخر شدد فيه على عدم فصل الجنوب، لا باعتباره جزءً لا يتجزأ من السودان، بل لمجرد التمكن من ضبطه حتى لا يتحول إلى باب خلفي يلج منه الاستعمار. ثم راح يهون من أمر استقلال السودان دون اتحاده مع مصر قائلاً بأن الوحدة هي "وحدة القلوب ووحدة المصالح ووحدة النيل ووحدة اللغة ووحدة التراث والدين"، مشيراً إلى أن ذلك هو ما عليه الحال مع مصر [عبدالله الطيب: b1955]. ولك أن تقارن حال مصر وحال جنوب السودان من حيث إحساس عبدالله الطيب بالانتماء إليهما. ففي حال مصر يظهر بصورة الأشقاء المجتنى عليهم بتفريقهم. أما في حال جنوب السودان، فلا صورة إلاّ صورة "الشمالي" المُستَعمِر للجنوب المغاير والمختلف عنه في كل شيء. وقد جاءت قصيدته التي نشرها في نفس الفترة وعن نفس الأحداث منسجمة مع مجمل نظرته تلك [عبدالله الطيب: 1992]. وهنا نجد لزاما علينا أن نشير إلى أن هذه القصيدة قد حُذفت منها أبيات لدى نشرها في الديوان ـ كما يذكر ذلك الشاعر نفسه. وقد بذلنا جهدا كبيراً في دار الوثائق المركزية للعثور على نصها الأصلي الذي نشر في صحيفة الرأي العام إبان أحداث التمرد، إلاّ أننا فشلنا في أن نقع عليها. وقد استجار في افتتاحية القصيدة بقبر تاجر الرقيق المعروف الزبير باشا، فقال:
ألا هل درى قبـرُ الزبيـرِ بأننا نُذَبَّح وَسْـطَ الزّنـجِ ذَبحَ البهائم
ثم يختتم بقوله:
فيا ليت شعري هل قضى الله أننا عبيدٌ نُسـام الخسَفَ ضربة لازم
إن الرسالة الوحيدة التي تبلّغها تلك الاستجارة هي: إن الذين كانوا رقيقاً وعبيداً لنا، تشتريهم وتبيعهم يا الزبير باشا، أصبحوا الآن يقتلوننا وييتموا أطفالنا ويسبوا نساءنا. فليت شعري من يبعثك من قبرك لتردهم إلى "خانة" العبيد مرة أخرى! فإذا كان هذا هو ما ثُبّت في الديوان، فماذا يا تُراه قال أكثر من ذلك مما لم يقدر على إبقائه، فقام بحذفه؟
ولكن، ما إن دخلنا العقد السابع من القرن العشرين وبدأت رياح التغيير في هبوبها، حتى شملت الموجة عبدالله الطيب نفسه، فأصبح يجتهد في تأسيس وعي عروبي خاص بالسودان ولكن على صعيد الاحتجاج اللغوي المباشر والمستند على البيّنات والأدلة المبثوثة في كتب التراث.. فهو يتحدث في مقدمة ديوانه، أصداء النيل [المرجع السابق: 20-23] عن أن لون العرب أصلاً هو اللون الأسود، والأخضر، ويأتي بالعديد من الأمثلة، ليخلص إلى أن لون الجعليين (أي قبائل وسط السودان النيلية المستعربة) هو لون العرب الحقيقي، أما البياض الذي عليه لون العرب العاربة اليوم فهو من أثر الاختلاط بالروم والتسري بالإماء من الفرس والروم وخلافهم. وقد أشرنا إلى أن أحمد محمد مالك قد استند على مثل هذا القول وذهب هذا المذهب، أعلاه. كما نشير إلى أن جعفر ميرغني [1991] قد ذهب إلى هذا أيضاً.
في سنة 1990م أصدر عبدالله الطيب الطبعة الثانية من كتاب الأحاجي السودانية، مضمنا إياه قصتين هما "دريس" و "تاجوج والمحلق وهمهوم"، وهما من حكايات قبيلة الحمران البجاوية بشرق السودان، وذلك تمشيّاً مع تيار "الأفرقة" الصاعد ـ كما ذكر في حديث شخصي بدار جامعة الخرطوم للنشر، وذلك لدى شروعه في إعادة طبع الكتاب إياه، وكنت حينها بقسم التحرير. وكان مما ينتقص كتابه حقّاً هو اختزاله للأحاجي السودانية في أحاجي قبائل وسط السودان المستعربة فقط.
بعد ذلك تقدم عبدالله الطيب خطوة أكثر نحو سودنة العروبة والإسلام، وذلك عندما ذهب إلى الزعم بأن "حبشة النجاشي" التي هاجر إليها صحابة الرسول (ص) لم تكن سوى مملكة علوة المسيحية بالسودان وعاصمتها سوبا [عبدالله الطيب؛ 1998: 159-164]. ونحن لسنا بصدد نقد ما ذهب إليه، لكن نكتفي برصد المنحى السودانوعروبي لعبد الطيب، الذي بدأ عروبيا متأفّفاً من الأفارقة السُّود، وانتهى به الحال إلى سوداني أفريقي يسعى لابتناء واختطاط هوية عربية خاصة به كسوداني، لا تستمدّ معياريتها من الجزيرة العربية، بل من السودان. ولا يقدح في منحاه هذا انسياقه مع الاستقطاب الأيديولوجي العروبي في حال تطرفه السياسي الناشب إبان سني نظام الإنقاذ الكالحة، للحد الذي ذكر فيه أنه ينبغي تطبيق التعريب حتى لو كان ذلك على حساب التعليم [راجع نص الحوار في صحيفة أخبار اليوم، الخرطوم، 31/8/1994م.].
السودانوعروبية وكتّاب القصة
لقد شهدت الساحة الثقافية والفكرية السودانية العديد من الأشخاص الذين كانوا ينتمون لمدرسة الآفروعروبية، حتى لو لم يكونوا ينظرون إلى أنفسهم كذلك. وبأفول شمس الآفروعروبية غير المعلن، وغير المستشعر من قبل الكثيرين، أصبح هؤلاء أكثر تهيؤاً للانخراط في ركب التيار السودانوعروبي الذي يقوده عبدالله علي إبراهيم. إن عدم الوعي الأيديولوجي لدى الكثيرين بمواقع أقدامهم يجعل منهم رصيداً جاهزاً للسودانوعروبية. إنه نفس عدم الوعي الأيديولوجي الذي دفع مفكراً وباحثاً سودانياً ـ أفريقياً مثل فرانسيس دينق إلى أن يبدو في بدايات السبعينات وكأنه يتبنى الموقف الآفروعروبي؛ إذ يمكن تصنيف كتابه "ديناميكيات الهوية" [مرجع سابق] باعتباره جنسا genre من أجناس الخطاب الآفروعروبي. ثم إنه ليبدو كذلك أيضاً في أواخر الثمانينات. ففي روايته طائر البوم [1988] يسوقنا فرانسيس دينق، ممثلا في بطل القصة (بول)، عبر مشوار إعادة إنتاج الهامش في المركز؛ إذ تنحصر الحبكة في النهاية حول ما إذا كان سيتم القبول ببول كعضو معترف به في مجتمع المركز الإسلاموعروبي (في أمدرمان طبعا!) وذلك من خلال تمكنه من الزواج من إحدى بنات هذا المجتمع المعاد إنتاجه.
هنا سنشير إشارات عابرة لثلاثة من كتاب القصة السودانيين هم: الطيب صالح، إبراهيم إسحق، ثم بشرى الفاضل.
تنتمي كل قصص الطيب صالح إلى ثقافة المركز الذي تهيمن عليه الأيديولوجيا الإسلاموعروبية. إن التتبع الدقيق للحيثيات الحياتية اليومية في قصصه تكشف لنا عن أنها تعتمد على شغل كل آليات أيديولوجيا الهيمنة والقهر وإعادة الإنتاج الثقافي. إن عالم الطيب صالح القصصي هو نفس عالم ثقافة المركز القائمة على الأسلمة والاستعراب، ومن ثم استتباع الهامش والأطراف. إن قراءة الطيب صالح وفق التحليل الفاعلي الذي قام به الشيخ محمد الشيخ [1987] ، مشفوعاً بالسياق الأيديولوجي واستقطاباته الناشبة في السودان، ستكشف لنا عن قدر كبير من التواطؤ الأيديولوجي العروبي الإسلامي للطيب صالح. وهو تواطؤ نتفق فيه مع عبدالله بولا [1998: 23-51] عندما ذهب إلى تجريد الطيب صالح من أحقية التساؤل عن ماهية الأبواب الجهنمية التي دخلت علينا منها طُغمة الإنقاذ، وذلك عندما أطلق تساؤله البريء "من أين جاء هؤلاء". لقد جاؤا من ذات الثقافة التي يعبر عنها أدبه.
أما عن إبراهيم إسحق، فقد كشف عن موقفه المتحيز ضد الثقافات الأفريقية ولغاتها في أكثر من موقع. وقد كانت صحيفة الأيام في عامي 1975م و 1976م معتركاً فكرياً تساجل فيه كلٌّ من مصطفي مبارك، حسن مصطفى إسماعيل، إبراهيم إسحق، وعبدالله على إبراهيم وآخرين، حيث نهد كل واحد منهم برأيه مدافعاً ومنافحاً ومعارضاً [عبدالله علي إبراهيم؛ 1984]. في ذلك كان موقف إبراهيم إسحق مما لا يحتاج إلى مزيد قول عنه من حيث منافحته عن ميكانيزم إعادة إنتاج الأطراف داخل الوسط وذلك بتذويبهم اعتماداً على منظور "بوتقة الانصهار" الذي ساد على عهد نظام مايو جرّاء تبنيه لللآفروعروبية باعتبارها رؤيته للقومية السودانية والتكامل القومي. لكنّا هنا سنستشهد بإحدى قصصه القصيرة، تحديداً "حكاية البنت ماياكايا" [1980: 53-78] التي تحكي عن الكيفية التي سبى بها غانم "… سليل جلاّبة النيل الأبيض ذوي الأصول العربية" ـ باستخدام ألفاظ فضيلي جماع ـ بنتاً اسمها ماياكايا من سلالة رث الشلك. تجمع وقائع هذه القصة "… بين تقلى وفشودة وود عشانا جغرافياً..[كما ترمز] بشيء من الذكاء إلى العجينة الثقافية السودانية وكيف تمازجت عبر زمن طويل…"[فضيلي جمّاع؛ 1991: 171]. هذا ما يقوله فضيلي جماع شارحاً للآليات التي انبنت عليها القصة ـ أي، عمليا، ميكانيزم إعادة إنتاج المركز للهامش استعراباً وأسلمةً، حتى لو كان ذلك عبر السبي والاسترقاق. ولنا أن نقارن هذا مع ما قاله محمد عبد الحي عن أن "جماع الغابة والصحراء لم يكن وديّاً في البداية ولكن من زحام هذا اللقاء الشرس بين فرسان الخيول العربية وبين سبايا الغاب الأفريقي نحتنا وجوهنا…". وكأني بإبراهيم إسحق قد استوحى هذه المقولة في استلهامه لقصته.
بالطبع الآن لم يعد من مجال لإبراهيم إسحق للتباجح الأيديولوجي الذي أبداه في عقد السبعينات. بهذا لا يبقى أمامه من ملاذ غير السودانوعروبية، حيث سيجد عبدالله على إبراهيم مرحبا به عند الباب.
إذا جئنا إلى بشرى الفاضل ـ وهو الأحدث في الثلاثة باعتباره من جيل أواخر السبعينات ـ وجدناه رغم اختلافه في مصادره الفكرية عن الطيب صالح وإبراهيم إسحق، أكثر قرباً منهما في عاقبة أمره. ذُهل بشرى الفاضل طيلة سني شبابه عن إشكالية الصراع الثقافي الدائر في السودان؛ فبالنسبة إليه لم تكن تلك مشكلة تستحق عناء تسويد الصحائف والمساجلات التي ساقها. فحتى تسعينات القرن العشرين، كان بشرى الفاضل ـ ربما بتأثر من ميوله اليسارية، الماركسية الباكرة ـ يعيش فيما يمكن أن نسميه "أممية ثقافية". فقد كان يلخص موقفه إزاء مشكلة الصراع الثقافي بقوله: "أنا إنسان، وأعيش في السودان". على أقل تقدير هذا هو ما ذكره لي في حديث شخصي بمكتبي في جامعة الخرطوم أوائل 1992، وذلك عندما قرأ المسودة الأولى لهذا البحث. إن التناقض الذي أوجد بشرى الفاضل نفسه فيه يكمن في رفضه التموضع المحلي ثقافيا؛ وبما أنه أديب وقاص "ملتزم!" فلا مناص له من هذا التموضع، إذ ليس من الممكن أن يعبر إبداعياً عن الإنسان ومشاكله في غير ما وضعية ثقافية. ولعل هذا هو السبب في أننا لا نجد في أقاصيص بشرى الفاضل أثراً للصراع والقهر الثقافي وقضايا المركز والهامش. لكن يبدو أن هذا الوضع قد بدأ في التغير. فمثلاً في مجموعته القصصية الأخيرة، أزرق اليمامة [1996] ، نجد أقصوصتين؛ إحداهما وهي" كالو يتناول إفطاره في السماء"، يمكن أن تحسب لقضايا الهامش، بينما الثانية "ويليام" تتحدث عن إشكالية الشمال والجنوب. إن التمفصل الأيديولوجي الخطي Linear (شمال ↔ جنوب) هو في حد ذاته سمة من سمات الآفروعروبية، ثم السودانوعروبية ـ كما سنفصّل لاحقاً. إذ من شأنه أن "يفرز" الجنوب لوحده، مع استتباعه لباقي أطراف الهامش استيعاباً وإعادة إنتاج، حتى إذا تغير السياق، وأصبح الجنوب غائباً، تبين لنا أن هذا "الشمال" هو نفسه "خشم بيوت"، وهنا يتضح أن هناك غرباً، وشرقاً.. كما إن هناك شمالاً هامشياً للشمال نفسه. إن تصريح بشرى الفاضل في قصته "ويليام" بأنه لا شمال بلا جنوب، يقوم في الحبكة القصصية على انجذاب الراوي (وهو هنا شمالي) إلى جسد الفتاة الجنوبية المثير. إنها ذات المصادر الجُوّانية التي انطلق منها إبراهيم إسحق في تصويره لبطل قصته غانم العربي، وسبيه للبنت مياكايا ابنة رث الشلك. أمّا الصرخة التي يطلقها بشرى الفاضل بأن ".. الشمالَ جنوبٌ وجنوبٌ جدّاً، جنوبٌ لا يُنكرُ جنوبيتَه إلاّ الجهلُ والغرض"، فعبارة عن جملة تقريرية خارجة عن سياق الحبكة القصصية ومنطقها الداخلي القائم على التمفصل الأيديولوجي الخطي (شمال ↔ جنوب).
سنتعرّض في خاتمة هذا الجزء الخاص عن الفعاليات الحركية لتحالف الهاربين بالتعرض لشخصيتين نرى أنهما تستحقان منا هذا لأهميتهما، خاصة مع تصنيفنا لهما كسودانوعروبيين خلافاً لما يعتقد عنهما، وهما أحمد الطيب زين العابدين ومنصور خالد.
أحمد الطيب زين العابدين و طاقية المنظور السودانوي
يعتبر أحمد الطيب زين العابدين أحد القلائل من المثقفين السودانيين الذين أبدوا إلتزاماً تاماً بقضايا الثقافة. لقد كان لطيفاً، شفيفاً بدرجة جعلته مهموماً، مهجوساً بالخطاب الثقافي فتنزّه بذلك عن أوشاب السياسة. فعلاقته بالسياسة كانت كعلاقة المركب بماء النهر؛ تحمله السياسة، نعم، لكن لا تسوقه ولا تجرفه بتيارها، بل يمخر لوجهة يعرفها. كان صلباً ومقاتلاً.. لكن بشفافية. وقد تتلمذ وتخرج على يديه الكثيرون، ولا نعني بذلك طلبة فصله على كثرتهم. كما كان من فرسان الحركة الفكرية الثقافية بالسودان طيلة العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين على أقل تقدير. وقلّ ما تجد حركة فكرية/ثقافية خلال هذه الفترة دون أن تكون حلباتها قد شهدت صولاتِه. ثمّ مات وهو يتوسد كتاباً ويطالع القراء عبر أكثر من صحيفة. لقد كان مدرسة، وأصبح في أخريات أيامه تقليعة ثقافية يتباهى بها الشباب، مثلما حدث مع محمد عبد الحي وعلى المك من قبله. ومن هنا تأتي أهميته. وسنبذل من الجهد الكثير حتى نتصف بشفافيته في تناولنا له. أما إذا جانب حديثنا ذلك في بعضه، فذلك لغلاظة وكثافة فينا لا نملك معها حيلة.
طرح أحمد الطيب زين العابدين في أخريات أيامه منظوره الفكري الذي أطلق عليه مُسمّى "السودانوية". وقد دشن منظوره هذا في مقال نشره بمجلة حروف في عام 1991م، واستمر يبشر بهذا المنظور في الصحف والمجلات حتى وافته المنية في 1997م. إلاّ أنه، فيما نذهب إليه، تراوح في استخدامه لمصطلح "السودانوية" ما بين تيار الآفروعروبية (الغابة والصحراء) وبين التيار السودانوعروبي (مشروع عبدالله علي إبراهيم) كما سيتضح لنا.
ما يجدر ذكره أن مصطلح "السودانوية" سابق لكتابات أحمد الطيب زين العابدين. فمتزامنا معه ورد المصطلح كعنوان لبحث قدمه الراحل محمد عمر بشير [1991[. وقد استُخدم أيضا في معنى الإشارة للإتجاه الآفروعروبي. إلاّ أن بدايات نحت المصطلح تعود إلى أخريات السبعينات وأوائل الثمانينات، وذلك عندما برز نور الدين ساتي محللاً ومصنفاً للمكونات الثقافية للأمة السودانية. عرّف نور الدين ساتي المصطلح بقوله:
"…السودانوية يمكن أن تُعرّف بأنها ذلك الوجود وذلك الإحساس الذي يجعل كل فرد يعيش داخل الحدود الإدارية للدولة السودانية، يحسّ بأنه ينتمي إلى أمة في طريقها إلى التكوين، دون تمييز بين أفرادها مهما كان انتماؤهم العرقي واللغوي أو الديني." [1981: 11].
ثم يمضي مفصلا قوله ذلك بأن "… السودانوية فاحمة السواد وصفراء اللون في الوقت ذاته دينكاوية، وهدندوية ودنقلاوية وفوراوية، تتحدث لغة الزاندي والتبداوي والعربية والنوبية، تدين بالإسلام والمسيحية والوثنية في الوقت ذاته". هذه هي مبادئ وأسس دولة المواطنة والقومية السودانية القائمة على منظور الوحدة في التنوع، كما تبلورت لاحقا. ولنا أن نلاحظ أن نورالدين ساتي قد ذهب هذا المذهب أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن العشرين، عندما كان المسرح يسيطر عليه تيار الآفروعروبية الذي يستند على منظور بوتقة الانصهار. لقد كان في ذلك رائداً لا مراء.
أما إذا جئنا إلى أحمد الطيب زين العابدين فإننا لا نجد هذا الفهم عنده. فاستخدامه للمصطلح غير مشفوع بتعريف ناصع كذلك الذي يقدمه نور الدين ساتي. ففي المقابل نجد أحمد الطيب زين العابدين يتبنى منظور بوتقة الانصهار، وذلك باستخدامه لمصطلحات من قبيل "المزيج" و "الهجين". ففي تتبعه لتأثير محمد المهدي المجذوب على الأجيال التي تبعته في نزعاته الأفريقانية يقول:
"ثم تبع هؤلاء المبدعين من نفروا نفوراً عن تقليد الأدب العربي القديم ممّن أكّدوا "السودانوية" أو هذا المزيج الحضاري العجيب الذي أفرز أو ينبغي أن يفرز ثقافة هجيناً. فهي أفريقية أصلاً ولكنها عربية الملامح، فهي نتيجة حتمية لجماع الغابة والصحراء" [1991: 33].
ولهذا لا يعدو أن يكون الأمر عنده تأكيداً للوعي "… بالبعد الأفريقي في الثقافة السودانية (الغابة) كمقابل مكمل لما هو عربي فيها (الصحراء)" [المرجع السابق]. إن هذا القول وحده يكشف لنا عن الأرضية الآفروعروبية التي ينطلق منها أحمد الطيب زين العابدين. بيد أن الأمر لا يقف عند هذا، بل يتعداه إلى ما يمكن أن نقرأه على أنه تحول نحو السودانوعروبية.
في الحركة التشكيلية السودانية تعرف التيارات التي قادها الرعيل الأول من الفنانين بمُسمّى "مدرسة الخرطوم". كان لهذه المدرسة رموزها، ومنهم ".. إبراهيم الصلحي.. الذي قاد .. هو وزملاء له حركة في التجديد خرجت بالحركة التشكيلية السودانية من الإطار الأكاديمي المدرسي الضيق إلى رحابة الفكر الاجتماعي العام" [المرجع نفسه: 29]. باستخدام نفس كلمات أحمد الطيب زين العابدين، فإن "المدارس الفنية لا تنشأ اعتباطاً، ولا تقوم إلاّ لتلبية حاجات اجتماعية وضرورات ثقافية. فهي إما أن تكون بشارة بنهج جديد أو تأكيداً لبعض طرائق الإنجاز العتيقة، أو تبعث قديماً ما يزال مؤثراً، فهي قرينة التحولات الاجتماعية ورهينة فعاليات ثقافية أساسية" [نفسه]. ثم كان في أخريات عقد الثمانينات وأوائل عقد التسعينات أن قاد الفنان التشكيلي أحمد عبد العال وآخرون تياراً فكرياً جديداً في مجال الفن التشكيلي، يتجاوزون به مدرسة الخرطوم، فتبعهم في ذلك كثيرون. وجاء في بيانهم التأسيسي ما يلي: "مدرسة الواحد، مدرسة تشكيلية أفريقية تقوم على أرضية من التراث الحضاري لأهل السودان الذي امتزجت فيه الثقافة العربية الإسلامية في عبقرية متميزة بالموروث الأفريقي المحلي" [نفسه: 37]. ويعرف عن أحمد عبد العال إنكاره لوجود أي جذور قديمة للفن التشكيلي السوداني، إيمانا منه بأن:
"…الجذور الفنية القديمة مرتكزة في الكلمة الشاعرة والكلمة الأدبية والحرف العربي، وموسيقى الكلمات، ولحن الإيقاع اللفظي. [ويستدل] على ذلك بأغاني الحقيبة التي أوحت إلى الفنانين التشكيليين الشعبيين القدامى أمثال على عثمان وجحا أحمد سالم الرسومات الحسية التي تمثل المرأة السودانية كما وصفتها أغنية الحقيبة" [مبارك بلال؛ 1981: 66].
أي أن الإبداع التشكيلي السوداني عمقه بعمق الثقافة العربية في السودان! إن هذا القول لا يحتاج إلى مزيد تعليق لفضح النظرة المستغلقة المستعلية التي تنطوي عليها شخصية الفنان التشكيلي أحمد عبد العال.
لم تكن هذه الخلفية الأيديولوجية لمدرسة الواحد خافية على أحمد الطيب زين العابدين. ففي تعليق على تجاوزها للحركات التي سبقتها يقول عنها إنها:
"… ترى في مدرسة الخرطوم ملمحاً حضارياً تاريخياً. ولكن ارتباطهم [أي مدرسة الواحد] بالتراث العربي الإسلامي يعطي أعمالهم بعداً روحياً. فالتراث العربي الإسلامي تراث مؤسس على رسالة كونية ومن هنا كان اختلافه في نظرهم. فهناك مقاصد جمالية مستوحاة من معاني التوحيد في الإسلام. وبذلك تنتفي عفوية مدرسة الخرطوم" [1991: 37].
وتتجلى ضبابية المفهوم عندما يصنف أحمد الطيب زين العابدين مدرسة الواحد على أنها "ورغم كل هذا… لم تخرج من إطار السودانوية… [فكل] هذه الاعمال وكثير مما لم نذكر هي إضافة صميمة إلى حركة تشكيلية محلية عالية الأصالة والتفرّد ذات إحساس أكيد بهذه الخصوصية الثقافية والتي أسميناها (السودانوية)" [المرجع السابق]. وبهذا الفهم ـ فيما نرى ـ قام أحمد الطيب زين العابدين بضم اسمه إلى قائمة الموقعين على البيان التأسيسي لمدرسة الواحد. وهو فهم يقوم في أحسن صوره على الآفروعروبية ومنظور بوتقة الانصهار ونموذج إنسان سنار؛ وفي أسوئها على العروبية الفجة التي تتكئ على عصا الإسلام، وهو ما عليه حال مؤسسي مدرسة الواحد الحقيقيين.
لكن المشكلة لا تقف عند هذا الحد. فأحمد الطيب زين العابدين يتراوح في منظوره الفكري من مكان لآخر. إن هذا يمكن أن يعزى إلى استخدامه لمصطلح "السودانوية" دون تعريف مانع جامع خاص به. فما يعنيه بالمصطلح علينا أن نتلمسه بين السطور والكلمات، وحتى عندما يذكر صراحة أن ذلك .. وذلك .. هو ما يعنيه بالسودانوية، يجيء قوله مشتملاً على ألفاظ ذات دلالات متناقضة مفهومياً. فمثلا يستخدم العديد من الألفاظ التي يستند عليها قوام خطاب الآفروعروبيين، من قبيل "الامتزاج"، "الغابة والصحراء"، وهو ما يتفق ومنظور بوتقة الانصهار كما بيّنّا. ثم نراه يصف الثقافة السودانية على أنها "ثقافة الاختلاف في الوحدة" [1982: 40] ، وهو أمر لا يفهم إلاّ عبر منظور الوحدة في التنوع. وتكمن المشكلة في أن كلا المنظورين يتعارضان! إن هذا التأرجح والتراوح يفضيان بأحمد الطيب زين العابدين إلى شيء أقرب إلى التناقض من حيث استخدامه لمصطلح السودانوية. ويتجلى هذا أكثر في قوله:"…إن الحقيقي في وجودنا الثقافي المعقد هو سودانيتنا والتي هي زنوجتنا المصيرية ولعلها عروبتنا المزنجة. إن في وعينا منطقة رجراجة ملتهبة هي سودانوية لم نسبر غورها بعد" [1991: 24]. إذا كان الحقيقي في وجودنا الثقافي هو "زنوجتنا المصيرية"، فإن هذا يُدخل في دائرته كل السودانيين، بما في ذلك الناطقين بالعربية من المستعربين السودانيين. وهنا نجد أنفسنا نقترب من مفهوم نور الدين ساتي للسودانوية. ولكن في المقابل، إذا ما تأرجحنا بجملة "لعلها عروبتنا المزنجة" فإن الدائرة تضيق عن أن تسع من ينظرون إلى نفسهم بوصفهم صرحاء الأفرقة، ثم لن يرضى عنها من ينظرون إلى نفسهم بوصفهم صرحاء العروبة.
إن اللبس ـ فيما نرى ـ يكمن في أن أحمد الطيب زين العابدين يصدر في رؤاه الفكرية عن منظور "بوتقة الانصهار"، ولكنه في تعبيره عن ذلك يستخدم مصطلحات ونصوص الخطاب الخاص بمنظور "الوحدة في التنوع". وما مصطلح "السودانوية" إلاّ من قبيل ذلك. فمثلاً عندما أصبحت مصطلحات (المركز والهامش.. الأطراف والوسط.. إلخ) ذات دلالات محورية في الفكر الثقافي/السياسي السوداني، خاصة أخريات ثمانينات القرن العشرين، قام أحمد الطيب زين العابدين باستخدام هذه المصطلحات في التعبير عن منظور "بوتقة الانصهار". وفي ذلك يمكن أن نستشهد بقوله:
"إن الثقافة السودانية المعاصرة في ذاتها ثقافة مُشكَّلة. فهي تبدو أكثر تجانساً في الوسط وهي محاطة بحزام عريض حميم كثير الالتصاق بذلك الوسط… ورغم تنوع ذلك الحزام وتلونه لغوياً وسلوكياً، وغير ذلك من مظاهر الاختلاف في الثقافات المحلية للجماعات السودانية، شرقيها وغربيها، شماليها وجنوبيها، فهذه الجماعات، رغم تعددها، أكثر تجانساً وارتباطاً، تاريخياً وثقافياً مع الوسط تجاه الثقافات الأخرى في المنطقة…" [1991: 40].
أي أن الوسط هو مناط التجانس بحمل ثقافات حزام الأطراف. ولعمري إنها السودانوعروبية، فمن أبى ذلك فدونه الآفروعروبية، وإلاّ فلا محيص من العروبية الصراح.
منصور خالد بين السودانوية والآفروعروبية
أما إذا جئنا إلى منصور خالد، فإن المسألة تبدو أوضح من حيث تبيانها، وذلك أساساً لشجاعة الرجل ووضوحه، وعدم تهيّبه من خوض المعارك. وقد امتاز منصور خالد ـ مقارنة مع ما عليه الوضع في السودان ـ بالدقة والحس التاريخي والجسارة، هذا فضلاً عن المقدرة على الصبر واحتمال مشقة الكتابة وتسويد الصحائف. وقد نَفِسَ عليه الكثيرون ذلك، خاصة عندما توالى إنتاجه في كتب مجلدية الحجم.
إلاّ أن أكثر ما أثار الجدل حول منصور خالد هو مواقفه السياسية، بدءً من انخراطه الفعّال في نظام مايو، ثم معارضته له، وانتهاءً بانضمامه للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الشهيد جون قرنق. وفي واقع الأمر هذا هو نفسه ما يدفعنا للتحدث عنه. فباعتبار ما آل إليه حال منصور خالد، يتوقع المرء أن تنهض مواقفه على رؤية فكرية، إن لم تكن أفريقانية بحتة، فليس أقل من أن تكون "سودانوية"، بمفهوم ناحت المصطلح نور الدين ساتي. إلاّ أن منصور خالد ينتمي إلى الآفروعروبية، مثله في ذلك كمثل جيل التكنوقراط الذين صاغوا مايو، وصاغوا معها منظور "بوتقة الانصهار".
في الستينات، وبعد ثورة أكتوبر، كتب منصور خالد العديد من المقالات القوية في الصحف اليومية، فكان أن لفتت إليه أنظار الطبقة المثقفة. وقد جمع في السبعينات المقالات ونشرها في كتاب [1979]. في واحدة من المقالات، وفي معرض مساءلته للجيل الذي حقق الاستقلال عما فعل بشأن التعليم، يقول: "… وفي مطلع الحديث عن التخطيط التربوي نتساءل عن ما فعله السودان المستقل لتأكيد شخصيته العربية… ولكيما تكون هنالك شخصية عربية، وكيان ثقافي عربي، وحضارة عربية.. لابد أن يكون هنالك لسان عربي…" [المرجع السابق: 57، نشير إلى أن التنقيط متى ما جاء بنقطتين فقط (..) لا ينبغي أن يؤخذ على أنه إسقاطات اقتباسية من عندنا، فقد وردت هكذا في الأصل على أنها من قبيل تكنيكات الترقيم]. إن دعوة منصور خالد العروبية لا تقف عند هذا الحد، بل تتعداه لتأخذ بعداً قومياً عربياً أساسه ما يسميه بالاستقلال الثقافي، والذي "… لم يكتمل ولن يكتمل.." ما لم يتم "…استرداد الشخصية العربية في مدارس السودان..". ولنا أن نلاحظ غياب الوعي بالواقع الأفريقي للأطراف السودانية، ولا عجب! فقد كانت العروبية، وربما لا تزال، مسيطرة آنذاك، بينما كانت الآفروعروبية لا تزال تقبع داخل الأروقة الأكاديمية. في ذلك الوقت كانت العروبة بالنسبة لمنصور خالد هي شخصية وأمجاد السودان القومية:
"…إن الشخصية القومية لن تكتمل ما لم ينطلق التخطيط الثقافي من تلك النقطة [أي التعريب في التعليم] لتحوير برامجه التعليمية ليدل الناشئة على جذورهم الحضارية وتغرس في نفوسهم تقدير أمجادهم القومية" [المرجع نفسه: 58].
وفي مقالة أخرى خص بها الجامعة (أي جامعة الخرطوم) ودورها في التربية السودانية، يشدد في حديث موجه إلى المسؤولين على دور الجامعة في إبراز الفكر السوداني "المطموس":
"…إن هؤلاء جميعاً سيدركون أن للجامعة وظيفة في إعادة بناء الشخصية السودانية، في تقصي جذور الفكر السوداني المطموس، في الإسهام النشط في بناء الأمة وتنمية المجتمع، في تعميق المحتوى الفكري للاستقلال الوطني عند المثقفين، في تأكيد كيان السودان العربي، في خلق منارة للفكر الأفريقي في أول بلد يستقلّ في أفريقيا جنوب الصحراء لتكون هدياً ونبراساً للقارة الناهضة … ولكن ما الذي حدث؟ .. وأين نحن من كل هذه المنى والأحلام؟" [نفسه: 65].
وهنا نشير إلى التراوح والتأرجح الذي نبّهْنا له في مواقف أحمد الطيب زين العابدين. ففي لحظة يبدو منصور خالد وكأنه قومي عربي، وفي أخرى نجده يتعامل مع السودان كقومية في حد ذاته. إنه يسعى لتأكيد كيان السودان العربي، وخلق منارة للفكر الأفريقي. بيد أن هذا البعد الأفريقي في الرؤية المطلبية عند منصور خالد تتضح طبيعتها العروبية من خلال رؤيته عن الجذور العربية للجامعة. فهو يقول: "…لكيما يحور الكيان الجامعي لمجابهة احتياجات المجتمع الجديد في السودان العربي.. لابد أن تتوفر لها في المبدأ الشخصية السودانية.. ولابد أن يتوفر لها الروح العربي" [نفسه: 66].
وبهذا لا يحمل منصور خالد أي دور حضاري للسودان في رفعة نفسه، وما ينبغي أن يلعبه في خلق وتطوير الفكر الأفريقي، غير الاستعراب. وبالطبع تأتي الأسلمة في ركاب هذا، "والعربية مفتاح الإسلام" كما يقول عبدالله الطيب [1991: 12]، والدين أيديولوجيا، كما يقول إدريس سالم الحسن [1996]. إن هذه الرؤية التي يقدمها منصور خالد لا نجد لها تصنيفاً إلاّ داخل المدرسة العروبية التي رادها الضرير وآخرون، وما تبع ذلك من بروز المدرسة الآفروعروبية التي عملت على الاعتراف بالمكون الأفريقي في هوية السودان استيعاباً وتعريباً لأفريقيته نفسها.
هذا ما كان من أمر منصور خالد في مستهل الستينات، فماذا عنه في مستهل التسعينات؟ عُرف عن منصور خالد اهتمامه بالدور المنوط بالصفوة، كما عُرف تعويله عليها، مثله في ذلك كمثل عبد الغفار محمد أحمد. وقد أصدر في أوائل التسعينات كتابه الشهير عن النخبة السودانية [1993] دامغا إياها بالفشل وإدمانه، فساطهم فيه بسياط الفكر والسياسة. وانقسمت النخبة في رد فعلها إزاء الكتاب. فقد استقبله أولئك الموالون للحكم القائم في السودان بحنق مغيظ لما طالهم، وشماتة بادية على المعارضة السياسية باعتبار أنها هي المعنية بالفشل، ثم بإعجاب خفي بقدرات الرجل الفكرية. أما الشق الآخر من الطبقة المثقفة، فقد كان أمرها عجباً، فقد استقبلت الكتاب بسياطه الفكرية بتلذذ ماسوشي تصاحبه انفصامية. إذ ليس أسهل من تجريد ما تنطوي عليه كلمة "صفوة" أو "نخبة" لتصبح آخر مجرداً، ومن ثم إسقاط الفشل على هذا الآخر.
في معرض حديثه عن فشل النخبة السودانية في استكناه حقائق الواقع، استنهاضاً لسودان ما بعد ثورة أبريل، ينعي منصور خالد الطبقة المثقفة قائلاً:
"…بيد أن أغلب الذي كنا نشهد ونسمع كان في أحسن حالاته أحكاماً انطباعية، وفي أغلبها تهرباً من الماضي بالتستر وراء ثوب سخيف الغزل، واهي الخيط… ولو صدق القوم مع أنفسهم لأدركوا بأن الذي كانوا يصنعون لم يكن مصادرة للتاريخ بل نعي [نعيا] لجيل كامل، جيلهم وجيلنا. كيف، إذن، يتأتى للمجتمع أن يتوقع من مثقفيه الغوص في كنه الأحداث لاستكشاف جوهرها ودلالاتها الخفية إن كان هؤلاء المثقفون يتكذبون في تحليل التاريخ المعاصر .." [المرجع السابق: 66-67].
إنه في رأينا أن كل ما قاله منصور خالد عن إدمان النخبة السودانية للفشل، ليستقيم واقفاً على قدميه إذا ما نظرنا إليه على أنه فشل ثقافي تجلى ـ أكثر ما تجلى ـ في عقم النخبة وليس فشلها فحسب. إنه فشل الأحادية الثقافية (الإسلاموعربية) في إدارة أزمات بلد متعدد الثقافات، ثم إدارة التعدد الثقافي نفسه. إنها الأحادية التي ظلت تعمل وفق ميكانيزمات القهر وإعادة الإنتاج والاستتباع للثقافات الأخرى، وذلك منذ قيام دولة سنار عندما نشأت المراكز الحضرية كمراكز أحادية ثقافية تجتذب ثقافات الهامش والأطراف نحوها بغية إعادة إنتاجها وصهرها في بوتقة الإسلاموعروبية. إن هذا ـ كما نرى ـ هو ما أورثنا الدكتاتوريات والديمقراطيات في كيمياء الصراع الثقافي في السودان. وهذا هو نفسه ما أورثنا حالة الفشل العقمي للنخبة ـ البنت الشرعية للمثاقفة الإسلاموعروبية ـ ذلك الفشل الذي أجلاه منصور خالد.
لقد ذُهل منصور خالد عن البعد والعمق الثقافيين لإشكالية الفشل، فكان أن عالجها في تجلياتها. إذ أراد أن يجتثّ الشجرة، بدءً من أوراقها وانتهاءً بجذعها. إن المفارقة هنا منهجية، إذ كيف يتأتّى للآفروعروبي الذي يؤمن بمنظور "بوتقة الانصهار" أن يدين المشروع نفسه ويدين جدواه دون أن ينفض يده عنه. وتتجلّى المفارقة أكثر عندما تأتي الحلول التي يقترحها منصور خالد للخروج من هذا النفق المظلم. إنه يقول إن "…العلاج… يكمن في الداخل … الاعتماد على الذات هو بداية كل شيء وما هو بشعار" [المرجع نفسه: 93]. ثم يستطرد مبيّناً حيثيات هذا الاعتماد على الذات على أنه أولاً يبدأ " … بدراسة مناهج حياتنا نحن النخبة ودراسة أثر تلك الحياة على، ودورها في، الانهيار الاقتصادي" [نفسه]. وهنا يتيه بنا الدرب عن موارد ومشارع الثقافة وإشكالية المجتمع ككل، مفضيا إلى أزقة الصفوة. فالإشكالية، إذن، ليست ثقافية، بل هي إقتصادية بحتة، تختص بالتخطيط العلمي (الأكاديمي) للإقتصاد، والذي هو مناط الاحتجاج على النخبة في فشلها. أما مقترحه الثاني للحلول فيتلخص في أن "… نتناول بالدراسة التغيرات التي وقعت على خريطة التركيب الطبقي منذ السبعينات، فالثراء غير المشروع لم يقف عند حفنة من السياسيين بل تعداهم إلى غيرهم…" [نفسه]. وهنا نلاحظ أن العمق الزماني لهذا البند لا يعود لأكثر من العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. ويتأكد هذا أكثر عندما يجعل من موضوع المغتربين (أي العاملين بالدول العربية البترولية) البند الثالث لمقترحاته العلاجية؛ وهذا أيضا يبدأ بعقد السبعينات من القرن العشرين. وفي هذا الصدد يكتفي منصور خالد بالدعوة إلى أن "… نتناول ظاهرة الاغتراب وآثارها الاجتماعية الاقتصادية…" [نفسه]. وأخيرا يجيء دور المقترحات المتعلقة بمعالجة إشكالية المواجهة بين المركز والهامش، أو كما يسميها هو "معادلة المركز والتخوم" و "أهل الحضر وأهل الريف". وهنا نجده مهتمّاً "… بإفرازات الظاهرة الريفية في المدينة …" [نفسه: 93-94]. .. فقط! لماذا؟ تتمثل إجابته في أن:
"… تلك الإفرازات تشغلنا أكثر من أسبابها ودواعيها لما للإفرازات من أثر مباشر على حياتنا الحضرية، يؤذينا السكن العشوائي في أطراف المدينة، ويؤذينا ازدحام الأسواق والطرقات بالوافدين من الغرب والجنوب، وتؤذينا ضغوط هؤلاء على الخدمات ولا نجد لذلك حلاًّ إلاّ في "الكشة" التي تعود بهؤلاء الناس من حيث أتوا."
وهكذا تتضح الصورة، فمنصور خالد يصدر في هذا القول عن عقلية المركز الإسلاموعروبي ونظرته الاختزالية للسودان على أنه هو المركز. إنها نفس اختزالية المدرسة العروبية التي لم تكن ثقافات الهامش تشكل وجوداً في وعيها بالسودان. إن دواعي وأسباب ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدينة هي الأحادية الثقافية التي جعلت من المراكز الحضرية معملا لها تعيد فيه إنتاج أبناء الأطراف والهامش المغايرين ثقافة ولغة. وقد أنجبت هذه الأحادية بنتاً اسمها المركزية السياسية، وأخرى اسمها المركزية الاقتصادية … وهلم جرّا.
ولكن، إذا جاز لنا أن ننشغل بالإفرازات فقط، كما فعل منصور خالد، فإن ما ينبغي أن ننشغل به أولاً ليس معاناة الجاني (المركز) بل معاناة المجني عليه (الهامش) كضحية تاريخية لاختلال المعادلة. إن ما يهم هو اقتلاع الجذور، واختلال السياق الثقافي ـ الاجتماعي الذي يعمل على تغريب ونفي أبناء الهامش والأطراف عن هوياتهم، ريثما يعاد إنتاجهم في ثقافة المركز. إذ هل يمكن لهذه العملية أن تطرح لنا أجيالا قادرة على مقاربة مشاكلها بنجاح؟ إن كل ما يمكن أن تطرحه عبر الأيام، وعلى أحسن الفروض، هو إضافة كَمّية لنخبة المركز، وهي نخبة تعاني من الاغتراب والاستلاب، لأنها ليست شيئاً خلاف الهامش معاد إنتاجه داخل المركز. ولهذا هي فاشلة، وأكثر من ذلك عقيمة.
إن الصراع بين المركز والهامش واقع معاش، وليس قضية مجردة يتحاور حولها المثقفون. ولذلك نجد هذا الصراع يفرض نفسه عبر تجلياته الحياتية اليومية. من ذلك الإسقاطات الأيديولوجية التي يقوم بها المركز في اتهامه لكل حركات الهامش إما بالعنصرية أو بالتآمر مع القوى الأجنبية (الصليبية والصهيونية) استهدافاً للهوية العربية للسودان. في هذا الشأن تتبدى جسارة منصور خالد عندما يعلن قائلاً:
"العنصرية هذه … هي صفة يلصقها أهل الشمال بكل صاحب حق ينهض للمطالبة بحقه من عناصر السودان غير العربية، وكلها حقوق إما سياسية أو إقتصادية لا شأن لها بالأصل العرقي أو المنبت" [نفسه: 261].
إنها شجاعة، وإن كانت تعوز الكثيرين، إلاّ أننا ـ منهجياً ـ نأخذ عليها تبنيها للتمفصل الأيديولوجي الخطي. فعناصر السودان غير العربية، ليست في الجنوب فقط بل هي في الشمال أيضا، كما هي في الغرب والشرق؛ وهي في المركز نفسه ممثلة في أولئك الذين أعيد إنتاجهم عبر السنين. إن ما يقوله منصور خالد كالموج العاتي يتبدد ويتكسر على صخرة اللامنهجية. فالفكر الذي تطرحه الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ والتي ينتمي لها منصور خالد ـ لا تقدم طرحاً يقوم على التمفصل الأيديولوجي الخطي، فالمشكلة عندها ليست قضية الشمال والجنوب، بل قضية المركز والهامش، ولذلك تختزل المركز أكثر في مسمى حكومة الخرطوم، وذلك وفق ما يورده منصور خالد نفسه [1987] من أدبيات الحركة على لسان جون قرنق.
يرد منصور خالد على إسقاطات أبناء المركز وتعليق مشاكلهم على "شماعة" المؤامرات العنصرية بقوله:
"… لا أصدق الذين يولولون بالحديث عن هوية السودان العربية الثقافية التي يتهددها بالقضاء العنصريون من غير العرب، لأن هؤلاء "المولولين" يعرفون جيداً بأن جميع "العنصريين" في السودان قوم تبنوا العربية أو هم بصدد تبنيها، بحسبانها رابطة التواصل الفكري الوحيد بين كل أقوام السودان" [1993: 185].
هل يقصد منصور خالد بجملة "تبنوا العربية" اللغة العربية؟ لا يجوز أن نذهب إلى ذلك لأن الحديث هو عن "هوية السودان العربية الثقافية". إذن، فعدم الخوف هو أن مشروع الاستعراب، وبعده الأسلمة، قد قطع شوطاً بعيداً ودخل مرحلة اللاعودة واللاتوقف. ولنا أن نسأل منصور خالد عن موقف جون قرنق من هذه العملية: هل هو ممن تبنى أم ممن بصدد؟ إن قوله هذا يتناقض مع قولته الجسورة عن إلصاق تهمة العنصرية بكل طالب حق آت من الهامش.
وبعد؛
لقد بدأ منصور خالد عروبياً، ثم آفروعروبياً، ولا سبيل له غير أن ينتهى سودانوعروبياً إذا ما سار على هذا المنوال. وفي الحق، إنها جميعا تمثل انتماءً جرثومته واحدة، وما الفرق بينها إلاّ في المقدار ما بين الاشتطاط والاحتكام بالواقع لا في النوع. وحتى منتصف التسعينات كان منصور خالد لا يزال أمينا لمصادره الفكرية/الأيديولوجية. ففي مقابلة صحفية أجريت معه، سأله الصحفي بذكاء ومتابعة عن نظرية بوتقة الانصهار، ما لها وما عليها.. هل نجحت أم أخفقت؟ ورد منصور خالد بجسارته التي تثير الإعجاب وقال: "نظرية البوتقة في واقع الأمر نجحت ولم يوقفها إلاّ الغلواء السياسية التي قادت لردود فعل. إذا نظرت الآن لتراثنا في الشمال ستجد أنه مزيج من الثقافة العربية وثقافات أخرى." [راجع نص الحوار الذي أجري معه في صحيفة الخرطوم (الحلقة الثانية)، العدد 1214، الثلاثاء 8 أكتوبر 1996م. وقد أجرى الحوار الصحفي فيصل محمد صالح]. إنه هنا يعرّف الثقافة العربية، بينما يترك أمر الثقافات السودانوأفريقية هكذا نكرة، ثم يصفها بكلمة "أخرى". ويمضي مواصلاً حديثه، مؤكداً أن "… هذا الانصهار قد حدث. وتبقّت جيوب قليلة ما تزال محافظة تسعى للحفاظ على الصفاء … لديها. لكن هذه الجيوب تمثل أفراداً وليس جماعات" [المرجع السابق]. إنه بقوله هذا يقدم إقراراً بانتمائه إلى المدرسة العروبية في تجلياتها السودانوعروبية، إذ ترى أن السودان به ثقافة إسلامية ـ عربية سائدة مهيمنة، مع وجود "أقليات" تبدي بعض مقاومة ريثما يتم استيعابها. وهو هنا يشير إلى التكتيك الأيديولوجي الذي ينبغي إتخاذه إزاءهم، وهو أن نتركهم لحالهم طالما كانوا محكومين في مجمل العملية الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية، والسياسية بميكانيزم الاستعراب والأسلمة. وهنا نجده قريبا من عبدالله علي إبراهيم، بعيدا عن جون قرنق. إذن، فها هو منصور خالد تتهتك عنه مسوحه السودانوية، لتتبدى أسماله العروبية… الآفروعروبية، السودانوعروبية. فهو يقول إنه في إطار نظرية بوتقة الانصهار:
"…يمكن أن يحترم الناس الخصائص الثقافية للأقوام الأخرى، في ذات الوقت أن تترك للثقافة العربية أن تنساب بالصورة التلقائية التي كانت تنساب بها في الماضي. والنموذج الأمثل لهذا هو دولة الفونج" [المرجع نفسه].
إذن فقد وضحت المسألة!
وبعد؛ عود على بدء.
إن هذا البحث ليس عن عبدالله علي إبراهيم، بقدر ما هو يستند في تحليله على مقالات كتبها. إنه محاولة لإماطة اللثام عن المواقف الأيديولوجية الحقيقية التي ينطلق منها أناس يبدو وكأنه قد تفرقت بهم سبل الفكر. ولا يظنن أحد أننا في ذلك نصدر عن روح تجريمية بغية الإدانة والدمغ. لا! فهذا إفلاس في حد ذاته. إننا نصدر عن روح هيغلية ـ وإن كانت غير مثالية ـ تؤمن بجدلية الحوار الفكري والثقافي بين الأفراد والجماعات. ولولا التأسي بكثير ممن تعرضنا لهم، لتهيبنا الكتابة عنهم إعجاباً واحتراماً. إن ما نسعى إليه هو أن نمارس نقد بعضنا البعض حتى نتمكن جميعاً من معرفة مواقع أقدامنا. إنه لتحدونا الثقة والاطمئنان أنه إذا تم لنا هذا، نكون قد استشرفنا طريق الخلاص تشوّفاً لبصيص نور في نهاية النفق.
نحو خريطة أيديولوجية جديدة
تقوم الاستقطابات الأيديولوجية في السودان على الأسلمة والاستعراب من جانب، ثم الأفرقة من الجانب الآخر، تتوسطهما دعاوى التوازن القومي والثقافي. تعتمد أيديولوجيا الأسلمة والاستعراب على الاستيعاب، والذي يقوم بدوره على ميكانيزمات إعادة إنتاج الهامش والأطراف في المركز. وقد استصحبت هذه العملية معها كل جراحات ومرارات القهر والاضطهاد التي بلغت قمتها في مؤسسة الرق ثم انتهت بموجات الإبادة الجماعية التي صاحبت الحرب الأهلية. واليوم لا يجوز التعجب والاستغراب من أن هذه المؤسسة لا تزال ناشطة فعلياً، ذلك لأن الرق والتمييز العرقي لم يفارقاً وجدان الوعي الإسلاموعروبي في المركز حتى الآن؛ إن الفرضيات الأخلاقية والثقافية لمؤسسة الرق لا تزال على حيويتها في الوجدان السوداني (الشمالي المسلم عامة وفي المركز خاصة) [أحمد سيكينجا، 1996]. فليس أسهل من أن يدمغ السوداني (كذا) بأنه عبد لمجرد سواد لونه. ولنا أن نتساءل: هل يكون السودانيُّ غير أسود؟
من الجانب الآخر تعتمد أيديولوجيا الأفرقة على الجهوية والنزوع نحو الانفصالية. وهي في ذلك تصدر من إحساس متنامٍ بأنه لا حظَّ ولا حق لها في هذه البلاد. وبما أن تيارات الجهوية الانفصالية قد ظهرت بوادرها أول أمرها من ستينات القرن العشرين في الجنوب، وجبال النوبة، وغرباً بدارفور، ثم شرقاً بين البجا (الآن بدأت الدائرة تكتمل باشتداد وتائر الحراك الإثني بين النوبيين في الشمال خاصةً مع ما تبادر من بيع لأراضيهم لمصر عام 2004)، لذلك لا نحتاج إلى ذكر أن هذه الأقوام ذات حق أصيل في البلاد، بل هو في الواقع حق سابق لمجيء العرب المسلمين. لهذا يمكن أن ننظر إلى النزوع نحو الانفصال على أنه شكل من أشكال اليأس من جدوى النضال نحو وضع قومي متوازن. وقد أخذ هذا التيار في الاضمحلال ببروز الحركة الشعبية لتحرير السودان وترفيعها لوعي قطاعات الهامش والأطراف بحقها الأصيل في كل أراضي السودان: من نمولي إلى حلفا، ومن الجنينة إلى الكرمك. وإنما لهذا أعلنت أنها تسعى لتحرير السودان كله، رافضة بذلك الانحصار في جنوب السودان. ولهذا السبب نفسه تسعى عدة جهات ـ داخلية وخارجية ـ إلى حبس الحركة الشعبية لتحرير السودان داخل وضعية جنوب السودان فقط. لقد لعبت العديد من العوامل ـ منها ما هو سياسة حكومية لنظام الإنقاذ ـ نحو حبس الحركة في الجنوب مع مقاومة مبدئية منها، إلى أن أصبح الأمر واقعاً مع طرح قضية تقرير المصير [لمزيد من التفاصيل التي تعكس صراعات الحركة الشعبية الداخلية ما بين التيار القومي والآخر الانفصالي راجع الواثق كمير؛ بدون تاريخ، خاصة الفصل الأول]. فقد وجد جون قرنق نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن يرفض مسألة تقرير المصير لجنوب السودان وفق دعاواه القومية الأولى، وفي هذه الحالة قد ينفضّ عنه أبناء الجنوب الذين يمثلون قوام جنوده المقاتلين، باعتبار أنه يحارب من أجل قضية لا تهمهم، أو أن يقبل بذلك ـ كما فعل على مضض ـ ويكون بهذا قد انحصرت قضيته في جنوب السودان. بهذا يمكن القول إن التموضع الجنوبي للحركة الشعبية لتحرير السودان قد أدى إلى ما يمكن أن نسميه انتكاسة في هذا الوعي القومي.
أما الطرف الثالث الذي يمثل وسط الاستقطاب الأيديولوجي فهو الدعوة إلى قيام دولة مواطنة ومؤسسات وفق ديمقراطية تعددية تستند أساسا على واقع التعدد الثقافي، على أن يبدأ هذا المشروع بالخطوات التنفيذية لإيقاف سياسة الأحادية الثقافية التي تمارسها مؤسسة الدولة في السودان منذ الاستقلال مرورا بجميع الأنظمة والحكومات. إن هذا التيار الأيديولوجي يستند في تأسيساته على أن مؤسسة الدولة مسئولة عن تحريك ماكينة القهر والاضطهاد الثقافي جراء عدم اعترافها بمسئولياتها تجاه الثقافات غير العربية في السودان. إن هذا الأمر يقتضي مراجعة التعليم لغةً ومضموناً، كذلك النشاط الثقافي والفكري، فضلاً عن الإعلام، وما يتبع كل ذلك من سياسات اقتصادية وقومية …إلخ.
لكن! أين تكمن المشكلة؟
تكمن المشكلة في أن المثقفين السودانيين لا زالوا واقعين في أسر مفاهيم "اليمين" و"اليسار" و"الوسط" بمحمولاتها البالية. فمثلاً لا زال القوميون العرب يُصنَّفون بوصفهم يساراً، بينما لا يجد الكاتب حرجاً من تصنيفهم أيديولوجياً ضمن تيار الأسلمة والاستعراب، مع باقي مفردات هذه المجموعة من حركات إسلامية أصولية.. إلى أحزاب طائفية. وفي الحق، حتى الحزب الشيوعي السوداني لم ينج من التموضع عروبياً في ثقافة المركز [في هذا الشأن أنظر الفصل السابع والثامن من عطا البطحاني، 1986]. ولمراجعة نموذج للنمطية الشمالية المستعلية والمستحقرة للجنوبيين عند بعض الضباط الشيوعيين ومسئوليتهم عن بعض المجازر في ستينات القرن العشرين، ]راجع: نينو كونتران، 1996]. لهذا لا نجد موضعاً للحزب الشيوعي خارج إطار أيديولوجيا الأسلمة والاستعراب. إذن، فهذه هي المشكلة! فما المخرج؟
المخرج فيما نذهب إليه هو إعادة النظر في خريطة التمفصل الأيديولوجي في السودان. نبدأ بالتيارات التي فصّلنا في أمرها، فنلخّصها على النحو التالي:
1/ التيار اليميني: وهو الذي يستند على أيديولوجيا الأسلمة والاستعراب والنظام السائد، ومن ثم كل العوامل التي أدت إلى ظهور الدولة السودانية الحديثة بدءً بالفونج، فالتركية، ثم المهدية، إلى الحكم الإنكليزي، انتهاءً بالدولة الوطنية وأنظمة ما بعد الاستقلال التي تسارعت وتائر فشلها في متوالية عددية أوصلتنا إلى ما نحن فيه. ضمن هذا التيار يدخل العروبيون والإسلاميون بما في ذلك القوميون العرب وغالبية الماركسيين السودانيين.
2/ التيار اليساري: وهو الذي يقوم على الجهوية دونما إطار قومي، مثلما كان يشهد بذلك الحال في الماضي القريب (حركة انفصال جنوب السودان بمختلف مسمياتها التنظيمية، نهضة دارفور، مؤتمر البجا، اتحاد جبال النوبة…إلخ). إن هذه الحركات الجهوية في حال اضطرادها المنطقي يُفترض بها أن تنتهي بالدعوة إلى الانفصال ـ دون التعرض لاستعصاء فنياته. ولأنها تمثل بذلك رفضاً مبدئياً للدولة السودانية القومية، جاز لنا أن يتم تصنيفها كيسار سوداني. بالطبع تنكّب أغلب هذه الحركات أو كلّها هذا الطريق الجهوي الانفصالي، ومن ثمّ استعصموا بعرى القومية فيما نشهد الآن من مآلات.
3/ تيار الوسط: هذا التيار يقوم على أيديولوجيا القومية السودانية أو التكامل القومي، والتي تستند بدورها على الحقوق الثقافية المتكافئة والمتوازنة بين الأقوام السودانية شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً، ثم وسطاً. كما تقوم على ضرورة إلغاء واقع الهيمنة والقهر الثقافي بكل تجلياته السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية، والدولية (نسبة إلى مؤسسة الدولة). ولأن هذا التيار يتوازن أيديولوجياً ما بين القطبين السابقين، لهذا جاز لنا تصنيفه كوسط. إن هذا التيار ليس تصالحياً، لمجرد كونه متوازناً. وفي هذا نقصد بالتصالح كل التيارات الفكرية التي تسعى للانعتاق من أسر الثقافة القاهرة عبر التصالح معها ـ مثل الآفروعروبية.
بالطبع لا يمكن أن نشير حركيا وتنظيميا إلى هذا التيار، ذلك لعدم تبلوره الحركي والتنظيمي بعد. إذ إن أغلب تيارات الوسط إما متحركة من اليمين نحو الوسط، أو من اليسار نحو الوسط، الأمر الذي يجعل الوسط نفسه منقسماً، ما بين قطبي اليمين واليسار. وهذا هو ما يعيدنا إلى موضوع دراستنا. إذ إننا نرى أن تيار "السودانوعروبية" يمكن أن يمثل لنا "يمين الوسط"، ذلك إذا ما قام بترفيع وعيه الأيديولوجي وعرف مواقع أقدامه بذكاء لا نظنّ أنه يعوزه.
إن هذا التقسيم يفتح الباب نظرياً لظهور "يسار الوسط" الذي سنطلق عليه تيار "السودانوأفريقية". إن الرموز الفكرية لهذا التيار موجودة، وهي تملأ جنبات مسرح الفكر السوداني، إلاّ أنها مشوشة الرؤيا، فمرة قد تجدها في صفوف المدرسة الآفروعروبية، وأخرى في صفوف المدرسة الأفريقية، هذا فضلاً عن الشواذ منهم الذين تواءموا بطريقة ما مع المدرسة العروبية ـ كالفيتوري. إلاّ أن التيار السودانوعروبي العبدلابي (نسبة إلى عبدالله علي إبراهيم) هو المآبة التي يتفيأون ظلها في حال تقاصر وعيهم الأيديولوجي. وإنما لهذا يجيء تركيزنا على السودانوعروبية في هذا البحث..
إن ضرورة إعادة النظر في الأوضاع الأيديولوجية تستدعيها خطورة المرحلة التي تمر بها الدولة السودانية الحديثة. فقد اندلعت الحرب الأهلية في جنوب السودان قبيل الاستقلال من قبل حركات "يسارية" ـ بفهمنا هذا ـ ضد أنظمة "يمينية" (ديمقراطية وعسكرية على حدٍ سواء). بعد ذلك شنت الجبهة الوطنية (حزب الأمة، الحزب الإتحادي الديمقراطي، والإخوان المسلمين) حربها المسلحة من ليبيا ضد نظام مايو. بفهمنا هذا يكون "اليمين" قد حمل السلاح ضد "اليمين". ثم كانت الإضافة النوعية عندما ظهرت الحركة الشعبية لتحرير السودان بجيشها الشعبي، باعتبارها حركة قومية غير جهوية، فكان أن حمل "الوسط" السلاح ضد أحد أشكال نظام الدولة السودانية "اليمينية". والآن نحن نشهد المحاولات المستمرة لدفع هذه الحركة لتبني الخط الجهوي ـ أي باتجاه التيار "اليساري"… ولكن! إن هذه المحاولات لا تنهض من فراغ. إن التموضع الجنوبي لحركة جون قرن ينبع من أنها قد قَدِمَت أساساً من مواقع اليسار الجهوي الانفصالي ممثلاً في مواقف الأنيانيا. إن هذا الصدور هو نفسه الذي يجعلنا نصنف الحركة باعتبارها يمكن أن تكون المكوّن الرئيسي لكتلة "يسار الوسط". وإنما لهذا أيضاً انضمت إليها العديد من قطاعات جبال النوبة، الفور، ثم البجا. (المجموعات ذات البدايات الجهوية سابقاً).
ثم جاء "يمين الوسط" أيضا يحمل السلاح ضد الدولة! إنهم "قوات التحالف السودانية" بقيادة العميد عبد العزيز خالد التي أعلنت عن نفسها في أواخر 1994م. في إحدى منشوراتها الأولى تذكر قوات التحالف السودانية الآتي:
"إن قوات التحالف السودانية (SAF) هي حركة سياسية جديدة، تأسست أخريات عام 1994م من قبل مجموعة من الوطنيين السودانيين (مدنيين وعسكريين) بتمثيل عريض لألوان الطيف للمجتمع السوداني. تتكون عضوية الحركة من كل الأصول الإثنية والدينية" [المصدر: SAF-Document 24EC].
وقد جاء النص بالإنكليزية كالاتي:
“1- Sudan Alliance Forces is a new political movement founded in the fall of 1994 by a group of Sudanese nationals (civilians and in uniform) representing a wide spectrum of Sudanese society. Its membership is composed of all ethnic origins and religions”.
إن هذا القول وحده كفيل بتصنيف هذه الحركة ضمن تيار "الوسط" العام إذا ما أخذت الألفاظ حرفياً. لكن هناك مشكلة. إن غالبية أعضاء الحركة هم فعلاً من المنتمين أيديولوجياً إلى المركز الإسلاموعروبي من حيث خلفياتهم الاجتماعية والثقافية؛ بذا يبقى من الصعب أن تنال هذه الحركة دعم الدول الأفريقية السوداء مهما كان حديثها عن نفسها جيداً من زاوية النظر الأفريقية. وتتعقد المشكلة أكثر، لأن بمثل هذا القول الذي اقتبسناه عنها يمكن للدعم العربي ـ الإسلامي نفسه أن يُحجب عنها. ويبدو أن هذا ما حدث بالفعل، لهذا ما إن جاءت أخريات عام 1995م حتى تغير الخطاب قليلاً. فالحركة بحكم أنها أيديولوجياً صادرة عن الثقافة العربية الإسلامية، لا ينبغي لها أن تتطرف أفريقياً لهذا الحد الذي تتساوى فيه ثقافة المركز مع ثقافات الأطراف والهامش. لكل هذا تم تعديل الفقرة الواردة أعلاه لتقرأ:
"قوات التحالف السودانية (SAF) هي حركة سياسية جديدة، تأسست في أخريات عام 1994م من قبل وطنيين سوادنيين(1) بتمثيل عريض لألوان الطيف في المجتمع السوداني" [المصدر: SAF; “Classified Working Paper, November 25, 1995.”].
وقد وردت هذه الإشارة الهامشية[(1)] هكذا في الأصل، وهذا شيء محيّر، إذ إن المنشور ليس بحثاً أكاديمياً حتى ترد فيه إشارات هامشية. إنه مجرد بيان سياسي! هذا إلاّ إذا كان الأمر من قبيل إخفاء شيء من باب التراجع مثلاً. بالرجوع إلى الإشارة الهامشية في آخر المنشور نقرأ الآتي:
"(1) الحركة تأسست بسيطرة للسودانيين الشماليين المسلمين، إلاّ أنها مفتوحة لكل السودانيين بصرف النظر عن خلفياتهم الإثنية. حالياً هناك سودانيون جنوبيون وأعضاء من المناطق المهمشة".
ويقرأ الاقتباس بالإنكليزية:
“1- The movement was founded by predominantly Moslem Northern Sudanese, but is open to all Sudanese irrespective of ethnic background. It presently has southern Sudanese and marginalized areas membership”
لا نظن أن هذا الاقتباس يحتاج إلى تعليق. فالمسألة واضحة. لكنا من قبيل حسن الظن نفسّر تأرجح قوات التحالف السودانية ما بين "اليمين" و"الوسط" على أنه "غباش" في الرؤية أو موازنات سياسية، ونُبقي على تصنيفنا لهم باعتبارهم "يمين الوسط". وكما نعلم، فقد والت قوات التحالف على الانشقاق والانقسام على نفسها أميبياً وسط اتهامات متبادلة جدّ خطيرة متعلقة بانتهاكات لحقوق الإنسان لا مثيل لها إلاّ تلك التي أُثرت عن نظام الإنقاذ أولى سنينه. وكنّا في عام 1999م قد نبّهنا لهذه الأسس الأيديولوجية، داعين لهم في المؤتمر الذي قدّمنا فيه هذا البحث كيما يتّحدوا مع الحركة الشعبية، والتي أبدت موقفاً إيجابياً لم نلمس مثله لدى قوّات التحالف. وبذلك فوّتوا على أنفسهم فرصة أن يصنعوا التاريخ لو أنهم انضمّوا للحركة وفق هذا الفهم الناصع الذي محصناهم به عام 1999م، دع عنك أول منطلقهم. والآن ورد في الأنباء مؤخراً أن الفصيل السياسي المتبقي بعد انقلابه [كذا] على الفصيل العسكري بصدد الاندماج في الحركة الشعبية.
بعيداً عن أن أشرعة الحركة الشعبية قد ملأتها رياحٌ أخرى، وبعيداً عن أن الحركة الشعبية لم تكن أبداً في حاجةٍ لفصيل سياسي يندمج فيها محدثاً بذلك ربكة آليات التحليل واتخاذ القرار السياسي ... بعيداً عن كل هذا، تبقى هذه الخطوة أشبه بالقصة المتخيّلة التالية: يسعى فريق الهلال ـ مثلاً ـ لهزيمة المرّيخ، فيفشل، ثم يفشل، ثم يفشل. عندها يقرر فريق الهلال أن الطريقة الأفضل التي يمكن بها أن يقفز (بهلوانياً) على فشله تكمن في أن يحلّ نفسه ويندمج في فريق المرّيخ. عندها يصبح السؤال المنطقي هو: لماذا يقبل فريق المريخ بهؤلاء الفَشَلَة؟ والجواب المنطقي هو: ليكتب النهاية لشيئ اسمه الهلال، وبلاش دوشة! ما تجدر الإشارة إليه أن هذا الفصيل السياسي الذي قام بالانقلاب على الفصيل العسكري قد لعب هذه اللعبة من قبل عندما شرع في تأسيس قوات التحالف نفسها. فقد كانوا ينتمون لحزب سياسي لم يسمع به الشارع السياسي بعد، فقاموا بحله، ومن ثمّ الاندماج في التنظيم الجديد الذي أسموه "قوات التحالف السودانية". ما فات عليهم ـ وظلّ يفوت دائماً على جمهور الساسة السودانيين ـ هو أن فشل الفريق، أيما فريق، كان ذلك لكرة القدم أو السياسة، لا علاقة له بالاسم، بل باللعيبة.
خاتمة
إنه في رأينا أن خروج السودان من مأزقه يكمن في أن تعرف كل مجموعة مواقع أقدامها أيديولوجياً. إن مما يبدد الجهد الكبير هباءً، هو أن الكثير من المجموعات تتوهم أنها شيء واحد، بينما هم في الواقع الفرقاء خفاءً. وكم من فرقاء هم في الواقع يجتمعون على الكثير من المشتركات التي لا يمكن أن يستقيم معها أن يكونوا فرقاء. وفي هذا الخضم أملنا كبير في "تيار الوسط" الصاعد بشقيه (حسب فهمنا له). إن هذا التيار هو الوحيد الذي يمكن أن يستشرف آفاق الدولة السودانية القومية، متجاوزا بذلك واقع الدولة السودانية المركزية. إن على قوى الوسط ـ بشقيه السودانوعروبي والسودانوأفريقي ـ أن تجوِّد أولاً من عملية ترفيع وعيها بالواقع، ومن ثم بنفسها، حتى تدرك بصورة موضوعية وعملية المشتركات والمفترقات، بغية تحقيق أكبر قدر من التنسيق والتفاهم.
لقد آن الاوان كيما يستشرف الشعب السوداني آفاق دولة الحرية والعدل والسلام.
محمد جلال أحمد هاشم
Sudan Notes and Records
مجلة الدراسات السودانية
معهد الدراسات الأفريقية والاسيوية
جامعة الخرطوم
ص ب 321 ـ تلفون المكتب 775820 ـ تلفون المنزل 220202
السودان
18 Observatory Street
Oxford OX2 6EW
ENGLAND
Tel. 00 44 1865 553 091
Mobile: 00 44 (0)7904276623
*قدم هذا البحث في مؤتمر "السودان: الثقافة والتنمية الشاملة: نحو إستراتيجية ثقافية- مهداة للروائـي الطيب صالح", مركز الدراسات السودانية, القاهـرة, دار الاوبرا المصرية- الجزيـرة, الاربعـاء 4 أغسطس- السبت 7 أغسطس 1999.
بدأت كتابة هذا المقال في 1992م، وقد فرغت منه عام 1993م في صورته الاساسية. وقد قرئت فكرة البحث في منتدى الفولكلور بمعهد الدراسات الافريقية والاسيوية، جامعة الخرطوم 1992م. وقد فرغت من صياغته في شكله الحالي 1998م، وذلك بعد إضافة ما من شأنه أن يجعله مواكبا للكتابات والادبيات التي ظهرت خلال هذه المدة.
أتوجه بالشكر لكل من بروفسير أحمد الطيب زين العابدين (رحمه الله)، بروفسير أحمد عبد الرحيم نصر، بروفسير سيد حامد حريز، د. عبدالله على إبراهيم، د. الفاتح عبدالله عبد السلام، د. مدني محمد أحمد، د حامد عثمان، د. بشرى الفاضل، د. بدر الدين عثمان البيتي، د. شرف الدين الامين عبد السلام (رحمه الله)، الاستاذ عبد القادر محمد إبراهيم، د.إدريس سالم الحسن، د. إبراهيم محمد زين، د. عبد الرحمن أبكر (رحمه الله)، الاستاذ عبد المنعم الكتيابي،الاستاذ أحمد خليل، د. مرتضى الغالي ود. أبكر آدم إسماعيل وذلك لتكرمهم بقراءة مسودة هذا البحث. لقد أبدوا ملاحظات قيمة، في ظني هي التي أعطت هذا البحث ثقله العلمي، بينما أتحمل عن رضى كل ما فيه من أوجه القصور والعيوب وهي كثيرة.
ثم شكر خاص إلى زوجتي هالة المغربي التي تكفلت بنسخ المخطوطة الاصلية بخط يدها الآنيق، وذلك لاستعصاء خطي على القراءة، فضلا عن كونها الناقد الأول لكل ما أكتب.
أخيرا وليس آخرا، أهدي هذا العمل المتواضع لأرواح الذين ألهمونا الكثير الكثير، محمد عبد الحي، على المك، وأحمد الطيب زين العابدين.
بيبليـــــــوقرافيا عربيـــــة:
- إبراهيم إسحق [1980]؛ "حكاية البنت ماياكايا"، قصة قصيرة، مجلة الخرطوم، عدد يناير، صص 53-78.
- أبكر آدم إسماعيل [1997]؛ جدلية المركز والهامش، 3 أجزاء، مركز دراسات القومية السودانية.
- أحمد الطيب زين العابدين [1982]؛ "التشكيل في الثقافة السودانية المعاصرة: محاولة لاستجلاء ثقافة سودانية"، مجلة الثقافة السودانية، عدد يوليو.
- ..................... [1991]؛ "السودانوية التشكيلية: هل هي آخر المطاف؟"، مجلة حروف، عدد 2/3 (مزدوج)، السنة الأولى.
- أحمد المعتصم الشيخ [1975]؛ " عناصر أفريقية في الاحاجي السودانية: الاحاجي في منطقة الرباطاب"، بحث مقدم لنيل درجة الدبلوم العالي في الفولكلور، معهد الدراسات الافريقية والاسيوية، جامعة الخرطوم.
- ................... [1985]؛ "عناصر أفريقية في الاحاجي السودانية بالتفات لمنطقة الرباطاب"، مجلة الدراسات السودانية، العدد الأول، أغسطس.
- أحمد عبد الرحيم نصر [1986]؛ الاغوات: دراسة تاريخية مقارنة لأغوات المسجد الحرام بمكة والمسجد النبوي، معهد الدراسات الافريقية والاسيوية، جامعة الخرطوم، الخرطوم.
- إدريس سالم الحسن [1996]؛ "الدين أيديولوجيا"، كتابات سودانية،العدد 2، السنة الأولى.
- الشيخ محمد الشيخ [1987]؛ التحليل الفاعلي: تحليل الشخصية السودانية عبر روايتي ’موسم الهجرة إلى الشمال‘ و ’عرس الزين‘، الخرطوم.
- الواثق كمير (إعداد وتحرير)[بدون تاريخ]؛ جون قرنق: رؤبته للسودان الجديد: قضايا الوحدة والهوية، المجموعة الاستشارية لتحليل السياسات والاستراتيجيات، القاهرة.
- بشرى الفاضل [1996]؛ أزرق اليمامة (مجموعة قصصية)، الطبعة الأولى، ألف للنشر.
- جعفر ميرغني [1991]؛ "المعربات السودانية"، مجلة حروف، عدد 2/3 (مزدوج)، السنة الأولى.
- عباس محمد مالك [1987]؛ العرب العباسيون في السودان ’قبائل الجعليين‘: كذب الزعم بالتعريب والامتزاج، دار صنب، الخرطوم.
- عبد الغفار محمد أحمد [1988]؛ قضايا للنقاش: في إطار إفريقية السودان وعروبته، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم.
- عبدالله الطيب [1955أ]؛ "النظام والعدل في الجنوب لا يقومان الا بالرصاص"، صحيفة الرأي العام، عدد 3111، السبت 3/9/1955، ص 3.
- .............. [1955ب]؛ "الجنوب مادة خبيثة شديدة الاشتعال فلا يجب التخلي عنه"، صحيفة الرأي العام، عدد 3125، الثلاثاء 20/9/1955.
- ............. [1990]؛ الاحاجي السودانية، طبعة 2، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم.
- ............. [1991]؛ "من تجارب تعليم العربية في أفريقيا"، مجلة حروف، عدد 2/3 (مزدوج)، السنة الأولى.
- ............. [1992]؛ أصداء النيل (ديوان شعر)، طبعة 5، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم.
- عبدالله علي إبراهيم (جمع وتحقيق)[بدون تاريخ]؛ جامع نسب الجعليين، معهد الدراسات الافريقية والاسيوية، جامعة الخرطوم، الخرطوم.
- ............... [1984]؛ أنس الكتب، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم.
- ............... [1989]؛ "الآفروعروبية أو تحالف الهاربين"، المستقبل العربي، 119، 1.
- ............... [1998]؛ فرسان كنجرت: ديوان نوراب الكبابيش وعقالاتهم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم.
- عبدالله بولا [1998]؛ "شجرة نسب الغول في مشكل (الهوية الثقافية) وحقوق الآنسان في السودان: أطروحة في كون الغول لم يهبط علينا من السماء"، مجلة الطريق، العدد 7/8 (مزدوج)، أغسطس.
- عبد المجيد عابدين [1967]؛ تاريخ الثقافة العربية في السودان، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع.
- ............... [1972]؛ دراسات سودانية: مجموعة مقالات في الادب والتاريخ، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم.
- عبده بدوي؛ الشعر الحديث في السودان، سلسلة عالم المعرفة، الكويت.
- فتح الرحمن حسن التني [1990]؛ مختارات من الشعر السوداني المعاصر، دبي.
- فضيلي جماع [1991]؛ قراءة في الادب السوداني الحديث، طبعة 1.
- مبارك بلال [1981]؛ "قضية الفن التشكيلي المعاصر"، مجلة الثقافة السودانية، يونيو.
- محسن عوض [1989]؛ "ندوة الحوار القومي ـ الديني"، المستقبل العربي، 129، 11.
- محمد المهدي المجذوب [1982]؛ ديوان المجاذيب، دار الجيل، بيروت، شركة المكتبة الاهلية، الخرطوم.
- محمد الفيتوري [1956م]؛ أغاني أفريقيا، القاهرة ).
- ................ [1964م]؛عاشق من أفريقيا، بيروت.
- ............... [1966م]؛ أذكريني يا أفريقيا، بيروت.
- .............. [1967م]؛أحزان أفريقيا، بيروت.
- .............. [1988م]؛ "مقام في مقام العراق" (قصيدة)، مجلة الدستور، الاثنين، 19/26.
- محمد جلال أحمد هاشم [1999م]؛ منهج التحليل الثقافي: القومية السودانية وظاهرة الثورة والديمقراطية في الثقافة السودانية، طبعة 4، مركز دراسات القومية السودانية.
- محمد عمر بشير [1991م]؛ "السودانوية"، سمنار الهوية الثقافية في السودان، معهد الدراسات الافريقية والاسيوية، جامعة الخرطوم، قاعة الشارقة، 20ـ22، أغسطس.
- محمد فوزي مصطفى عبد الرحمن [1972م]؛ الثقافة العربية وأثرها في تماسك الوحدة القومية في السودان المعاصر، الدار السودانية للكتب، الخرطوم.
- منصور خالد [1979م]؛ حوار مع الصفوة، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم.
- ............ [1993م]؛ النخبة السودانية وإدمان الفشل، جزءان، دار الامين للنشر والتوزيع، القاهرة.
- نور الدين ساتي [1981م]؛ "الحوار بين المكونات الثقافية للأمة السودانية"، الحلقة 3، مجلة الثقافة السودانية، السنة الخامسة، العدد 17، فبراير.
مصادر أوليـة عربية: الدوريات: صحف ومجلات:
مجلة الدراسات السودانية، عدد 1/2 مزدوج، المجلد 9، ديسمبر، 1989م [كشاف مطبوعات معهد الدراسات الافريقية والاسيوية].
مجلة حروف، عدد 2/3 (مزدوج)، السنة الأولى، 1991م [مراسلات محمد عبد الحي ومحمد المهدي المجذوب].
صحيفة أخبار اليوم، 31/8/1994م ، الخرطوم، [مقابلة مع عبدالله الطيب].
صحيفة الخرطوم، عدد 1214، الثلاثاء، أكتوبر 1996م ، [مقابلة مع منصور خالد – الحلقة الثانية].
مصادر أوليـة غير عربية:
Sudan Alliance Forces (SAF) [1994]; “SAF-Document 24EC”.
Sudan Alliance Forces (SAF) [1995]; “Classified Working Paper, not for publication, November 25 1995”.
بيبــــليوقرافيا غير عربية:
Abu Manga, A. & Miller, C. [1992]; Language Change and National Integration: Rural Migrant in Khartoum, University of Nice, and University of Khartoum, Khartoum.
Barth, Fredrick (ed.) [1970]; Ethnic Groups and Boundaries, Universitets Forlaget, Bergen – Oslo, George Allen & Unwin, London.
Battahani(El), Atta [1986]; “Nationalism and Peasant Politics in the Nuba Mountains Region of Sudan: 1924-1966”, Unpublished Ph. D. thesis, University of Sussex.
Cunnison, Ian [1971]; “Classification by Genealogy: A Problem of the Baqqara Belt" in Y.F. Hasan (ed.); Sudan in Africa, Khartoum University press, 1970.
Contran, Neno [1996]; They are a Target, Paulines Paulines Publications.
Deng, Francis M. [1975]; Dynamics of Identification: A Basis for National Integration in the Sudan, Khartoum University Press, Khartoum.
…………………. [1989]; Cry of the Owl, Lillian Barber Press, Inc., New York.
Hai,M.A. [1976]; Conflict and Identity: The Cultural Poetics of Contemporary Sudanese Poetry, University of Khartoum, Khartoum.
Hasan, Y.F. (ed.) [1971]; Sudan in Africa, Khartoum University press.
………………… [1973]; The Arabs and the Sudan: from the Seventh to the Early Sixteenth Century, Khartoum University press, Khartoum.
Herzfeld, Michael [1982]; Ours Once More: Folklore, Ideology, and the Making of Greece, Austin.
Hureiz, S.H. [1966]; “Birth, Marriage, Death and Initiation Customs and Beliefs in the Central Sudan", M.A thesis, University of Leeds.
………………. [1977]; Ja’aliyyin Folktales: An Interplay of African, Arabian and Islamic elements, Indiana University, Bloomington.
……………… [1988]; Studies in African Applied Folklore, University of Khartoum, Khartoum.
……………… & A.A.A. Salam (ed.) [1989]; Ethnicity, Conflict and National Integration in the Sudan, University of Khartoum, Khartoum.
Ibrahim, A. Ali [1989a]; “Popular Islam: the Religion of the Barbarous Throng”, in S.H. Hureiz & A.A.A. Salam (ed.); Ethnicity, Conflict and National Integration in the Sudan, University of Khartoum, Khartoum.
………………… [1989b]; “Breaking the Ben of Harold MacMichael: The Ja’aliyyin Identity Revisited”, The International Journal of African Historical Studies, Vol. 21, No.2.
Khalid, Mansour (ed.) [1987]: John Garang Speaks, London.
Mazrui, Ali (1971), “The Multiple Marginality of the Sudan”, in Yusuf Fadl Hasan “ed”, Sudan in Africa, Khartoum University Press, Khartoum.
Nasr, Ahmed A. (Ed.) [1985]; Folklore And Development In The Sudan, University Of Khartoum, Khartoum.
Rahim, M.A. [1969]; Imperialism and Nationalism in the Sudan, Oxford University press.
…………… [1971]; “Arabism, Africanism and Self-Identification in the Sudan”, in Y.F. Hasan (ed.); Sudan in Africa, Khartoum University press, 1970.
Sikainga, Ahmed [1996]; Slaves into Worker: Emancipation and Labour in Colonial Sudan, Modern Middle-Eastern Studies No. 18, Austin, Texas.
Tayeb, Abdullah (el) [1998]; "On the Abyssinian Hijra”, Sudan Notes and Records, New Series, No.2, pp.159-164.
[B]الرابــط من هنا (http://www.tahalof.org/cgi-bin/pages/page3.pl?arlang=Arabic&arcode=081228213116&argenkat=Issues)
ابوبكر
17-07-2008, - 10:29 PM
ازمة الهوية في شمال السودان متاهة قوم سود ذوو ثقافة بيضاء!!
ما وددت أن أكون غير ذلك الرجل الذي يرقد تحت جلدي
والذي لابد أن أعرفه
بقلم د. الباقر العفيف
ترجمة الخاتم عدلان
خلفية الدراسة :-
تشتعل في السودان حرب هي الأطول عمراً في أفريقيا ، وربما في العالم كله . استمرت هذه الحرب ثلاثين عاماً ، قتل فيها 1.9 مليوناً وشرد 5 ملايين . وقد قتل منذ أن استولت هذه الحكومة على الحكم عام 1989م ، بسبب الحرب والمجاعة الناتجة عنها ، عدد أكبر مما قتل في الحروب البوسنية والرواندية والصومالية مجتمعة . وفي محاولاتهم لفهم جذور الحرب ، اتبع المؤرخون والمحللون السياسيون السودانيون ، منهجين . الجيل الأول من هؤلاء ركز بصورة أساسية علي القوى الاستعمارية ، ومخططاتها المحسوبة لفصل الجنوب عن الشمال ببذر بذور الكراهية في الجنوب . و لكن وبعد أكثر من أربعة عقود من الحكم الوطني ما تزال الحرب قائمة فحسب ، بل تفاقمت واتخذت سيماؤها الدينية الكامنة ، شكلها الواضح والمكتمل . وقد دفع هذا الواقع أجيالاً جديدة من السودانيين للتفكير في الأمر بصورة مختلفة . وهنا برز المنهج الثاني ، لينقل مركز الاهتمام من العدو "الخارجي" إلى العدو "الداخلي" عندما يحاول الوصول إلى جذور الحرب ، بإعتبارها نزاعاً بين الهويتين الرئيسيتين في البلاد : الشمال والجنوب. وهناك الآن اتفاق واسع بين السودانيين، شماليين وجنوبيين علي حد سواء، أن بلادهم تعاني أزمة الهوية الوطنية . وأصبحت الحرب بالنسبة لهم وبصورة جوهرية، حرباً للرؤى ، كما عبر عن ذلك تعبيراً بليغاً ، فرانسيس دينق ، الشخصية السودانية الجنوبية البارزة . وقد سعى الشمال الذي يشعر بأنه عربي ومسلم ، إلى تعريف البلاد كلها على هذا الأساس . وهو لم يكتف فقط بمقاومة كل محاولات القطاع غير العربي لتوصيف السودان باعتباره جزءً من أفريقيا السوداء . بل بذل جهداً خارقاً لاستيعاب الجنوب من خلال سياسات التعريب والأسلمة ، وسعى إلى تحويل الهوية الجنوبية إلى انعكاس مشوه للذات الشمالية . ولكن الجنوب ، الذي نظر إلى المشروع كنوع من الاستنساخ الثقافي ، قاوم هذه الاتجاهات دون هوادة .
ولكن هذه الدراسة تذهب خطوة أبعد ، وتبحث ، على مستوي اعمق، عن جذور هذه الحرب . أنها تسلط الأضواء على النزاع داخل الهوية الشمالية التي تقود إلى النزاع الأكبر بين الهويتين الجنوبية والشمالية . أنها تحاول الكشف عن العلاقة بين الانشطارات التي سببتها النخبة الشمالية الحاكمة علي مستوى البلاد ، وتصدعات النفس الشمالية ذاتها ، وتحديد ما إذا كانت الأولى ، هي في نفس الوقت ، عرضاً للثانية وعلامة عليها . وهكذا فإن هذه الدراسة تحاول إنجاز تحول أخر، بنقل الانتباه من الازدواجية الخارجية التي تميز الانقسام الشمالي/ الجنوبي ، إلى الازدواجية الداخلية التي تعاني منها الذات الشمالية .
تعريف الهوية :-
يعرف قاموس وبستر الجديد ، للغة الإنجليزية ، الهوية باعتبارها "تماثل الخصائص الجينية الأساسية في عدة أمثلة أو حالات أو تماثل كل ما يحدد الواقع الموضوعي للشيء المعين : تماثل الذات ، الواحدية ، تماثل تلك الأشياء التي لا يمكن التمييز بين آحادها إلا بخصائص عرضية أو ثانوية . الإدراك الناتج عن التجربة المشتركة ، هو أحد حالات هذا التماثل . أو وحدة الشخصية واستمرارها : وحدة وشمولية الحياة أو الشخصية أو حالة التوحد مع شئ موصوف ، مزعوم أو مؤكد أو حيازة شخصية مدعاة " .
إذا شئنا تحديد هوية الشخص ، فربما نحتاج لمعرفة اسمه أو اسمها ، لونه ، خلفيته الاثنية أو الثقافية ، والموقع الذي يحتله وسط الجماعة . هناك، إذن ، وجهان للهوية ، أحدهما أصلي ، بدائي ، ومعطى ، والأخر مصنوع ومختار . فالهوية في نفس الوقت ذاتية وموضوعية ، شخصية واجتماعية ، ومن هنا طبيعتها ، المتفلتة ، العصية على التحديد . ويملك الأفراد تشكيلة واسعة من الهويات الممكنة . إذ يمكن أن تكون لهم هويات عرقية أو اثنية ، قومية أو دينية ، أو حتى هويات خاصة بالمدن التي يقيمون فيها . ويرتبط الحديث حول الهويات الشخصية ، ارتباطا وثيقاً ، بمجال الخطاب الجينوي . ومع إن الخصائص البيولوجية هي خصائص موضوعية ، إلا أن الهويات الفردية تعني شيئاً أكثر من ذلك . فهي تشتمل على دلالة ذاتية لوجود مستمر وذاكرة منسجمة ومترابطة منطقياً .
الدلالة الذاتية للهوية هي الإحساس بالوحدانية والاستمرارية الشخصية ، الإحساس بالانتماء إلي منظومة راسخة من القيم التي تكون الاتجاه العقلي والأخلاقي للمرء ، وتعطى الأفراد خصائصهم المتفردة . إنها تمكن الفرد من تحقيق حياة ممتلئة وكثيفة . في مثل هذه اللحظات يمكن أن يقال أن الشخص حقق ذاته أو ذاتها . وصار "متصالحاً مع جسده أو جسدها". وعلى وئام مع بيئته أو بيئتها ومع نظامه أو نظامها الرمزي . ولكن الذي يقوم هذه الدلالة الذاتية ، هو الخصائص الموضوعية ، والتي يمكن التعرف عليها من قبل الآخرين .
الهوية دينامية أيضاً ومستجيبة للظروف المتغيرة . وهي قابلة للتحول مع التقنيات والنظم الثقافية والسياسية المتغيرة . وهي استراتيجية . فالناس يتبنون هويات معينة لأسباب استراتيجية مثل "التمكين" وقبل كل هذه العوامل وبعدها ، هناك الإرث التأريخي لأجدادنا الذي "يحط بثقله في تحديد من نحن وماذا يمكن أن نكون . الهوية إذن إدعاء للعضوية يستند إلى كل أنواع النمطيات مثل العرق ، الجنس ، النوع، الطبقة ، الطائفة ، الدين ، الثقافة ... الخ . إنها الطريقة التي يعرّف بها الناس أنفسهم، ويعرفهم بها الآخرون ، على أساس من الأنماط السابقة .
تعريف التماهي : Identification-
قاموس العلوم الاجتماعية يعرف التماهي باعتباره "الميل للتقليد ، و/ أو عملية تقليد سلوك شئ ما . وربما يدل كذلك على عملية التمازج العاطفي ، أو حالة هذا التمازج الناجزة ، مع هذا الشيء ذاته" . وقد استخدم س. فرويد ، هذا المصطلح في علم النفس، لأول مرة عام 1899م . إذ قال أن "التماهي هو التعبير المبكر عن الرابطة العاطفية مع شخص أخر". يتماهي الفرد مع شخص أخر "كمثال للذات " بوصفه شخصاً يريد أن يكونه ، أكثر مما يريد أن يمتلكه . وهذا ما يجعله مهماً في سلوك المجموعات . وهو يفسر حاجة الفرد ومقدرته علي الارتباط ، وقوة الروابط العاطفية . المشار إليها ، كخصائص جوهرية للبشر . وهو يذكر في نفس الوقت" الأصل الطفولي لعملية التماهي ، ويفترض أن هذا الأصل الطفولي هو الذي يفسر بقاءها على مستوي اللاوعي ، وقوتها كعامل تحفيزي ، وتظاهراتها اللاعقلانية والنكوصية في بعض الأحيان . ولكن التماهي بالنسبة إليه ليس مجرد محاكاة ، بل هو بالأحرى تمثيل يستند إلى سلسلة سببية متشابهة .
ن. سانفورد يعارض مقولات فرويد ويقول أن التماهي ، علي عكس ما يقول فرويد ، هو عملية واعية ، وأن المحاكاة هي اللاواعية ، ويعرف ج. ب سيوارد ، التماهي بأنه "استعداد عام لمحاكاة سلوك أحد النماذج" ويتحدث فرويد عن ثلاثة مستويات للتماهي . وتقول فرضيته أن التماهي يتخذ أولاً شكل الارتباط العاطفي بشيء ما . ثم يصبح بديلاً عن الرابطة الجنسية ، وكأنما يتخذ شكل امتصاص أو تشرب أو تمثل الشيء في الذات . ثم يؤدي في النهاية إلى بروز إحساس جديد بخاصية مشتركة مع شخص أخر ، أو مجموعة أخري . ويميز شيلر بين نوعين من أنواع التماهي ، هما الايديوباثي أي الذاتي ؛ والهتروباثي ، أي الغيري . يحدث التماهي الايديوباثي من خلال "اضمحلال الذات الأخرى وامتصاصها من قبل الذات المتماهية"، بينما في التماهي الهتروباثي "تتضاءل الذات المتماهية أمام هيمنة وجيشان النموذج" .
تكوين الذات : -
المفهوم الكلاسيكي يقول أن الذوات الاجتماعية تمثل معطيات أصلية ، أو بدائية ، موروثة مثل الخصائص البيولوجية . ولكن هذا المفهوم يخلي الساحة الآن لمفهوم أخر هو أن الهويات تتكون وتصنع اختيارياً ، وهي في حالة مستمرة من التكوين . ولكن اختيارات الناس لهوياتهم محكومة ومحدودة بالعوامل المعطاة مثل ملامحهم ، أسرهم ، جماعاتهم ، تواريخهم ، ثقافاتهم ...الخ ، تكوين الشخصية ، بالنسبة لاريكسون ، عملية يستطيع الفرد من خلالها :-
"أن يحكم على نفسه على ضوء الطريقة التي يعتقد أن الآخرين يحكمون عليه من خلالها ، مقارنين اياه بأنفسهم ، وبنمط حيوي بالنسبة لهم ، ولكنه في نفس الوقت يحكم على الطريقة التي يتصورنه بها على ضوء تصوره هو لذاته بالقياس إليهم ، وبالقياس إلى الأنماط التي أصبحت هامة بالنسبة إليه" .
"يقول خبراء علم النفس الاجتماعي ، إن تماهي الفرد مع أية مجموعة ، مثلاً ، الطبقة الاجتماعية ، أو الجماعة العرقية أو الاثنية ، هو في الغالب الأكثر شمولاً من كل العمليات النفسية المرتبطة مباشرة بالسلوك الاجتماعي . التماهي مع المجموعة المهيمنة مثلاً يحدث عندما "يستبطن (الفرد) منظومة الأدوار الخاصة بالمجموعة ، ويعتبر نفسه أحد أفرادها" وهذا يحدث من خلال التمثل الثقافي .
ويعبر ديفيد ليتين عن ذلك بقوله :-
"التمثل الثقافي شبيه باعتناق الدين ، وكما توضح أدبيات التحولات الدينية بصورة قاطعة ، فإن ما يعتبر مسلكاً برغماتياً بالنسبة لهذا الجيل ، يعتبره الجيل الذي يليه أمراً طبيعياً . ولذلك فإن الأطفال الذين ينشئون في ظل الجماعات الدينية ، سيلجأون ، مدفوعين بضغوط السلطات الدينية ، إلى توبيخ آبائهم على ما يعتبرونه مسلكهم المنافق" .
وهذا الرأي يشابه مفهوم دي فواه عن الهويات المصنوعة "كهويات منحرفة " . فهي تدل بالنسبة إليه "على نفعية بلغت مبلغ الشطط" وتمثل علامة على "الاختلال الداخلي" ، الذي يحدث في شروط اجتماعية محدده تمارس تأثيراً هائلاً على الإدراك الذاتي للهوية الشخصية . فرغم طبيعتها المصنوعة ، فإن "مكونات الفرد تستطيع إدراج الفرد في سياقها بل حتى استعماره" .
في ثنايا تكوين الهويات الاجتماعية ، هناك دائماً مجموعة داخلية ، تمثل الهوية الاجتماعية المبتغاة ، ومجموعة هامشية ، تحتاج إلى الموازنة حتى تتماهى مع النموذج . وفي مثل هذه الحالات ، فإن الأولى تمثل اللب ، وتحتل مركز الصدارة من تلك الهوية الاجتماعية ، بينما تمثل الثانية الدائرة الخارجية وتحتل الهامش . الأولى مستحوذة على الامتيازات ، والثانية تبحث عن ذلك . الأولى تملك صلاحيات إضفاء الشرعية على الثانية أو حرمانها منها . ويلجأ شارلس تيلور إلى استخدام مصطلحي "التعرّف ، والغيرية" . ويقول أن هويات البشر "تتكون جزئياً بالتعرف أو غيابه ، أي بالانتباه إلى غيرية الآخرين" .
وعلى سبيل المثال ، بينما تمثل الطبقات الوسطي والعليا ، مركز الهوية الأمريكية ، فإن السود واليابانيين ... الخ الأمريكيين يمثلون تخوم هذه الهوية . ويحتكر المركز الحق في الاعتراف أو عدمه ، بهذه المجموعات . ويمكن للتوتر بين المركز والتخوم أو الهوامش أن يظل مكتوماً ، أو فاعلاً علي مستويات أدنى في الأوقات العادية والسلمية . وتبدو عباءة الهوية وكأنما هي قادرة على نشر أجنحتها ومد ظلالها على كل المجموعات التي تكون الأمة . ولكن المركز يلجأ في لحظات التوتر إلي استغلال صلاحيات الاعتراف أو إساءة استخدامها . ويمكن حينها أن يسحب المظلة عن أية مجموعة هامشية إذا رأى أن الضرورة تستدعى ذلك . وقد حدث هذا بالفعل في الحرب العالمية الثانية ، حينما تم احتجاز اليابانيين الأمريكيين في معسكرات الاعتقال ، لأن ولاءهم لأمريكا صار موضع شك من قبل مركز الهوية الأمريكية ، ويمكن الاستدلال على الأسلوب الانتقائي للمركز في استخدام صلاحيات الاعتراف وسحب الاعتراف ، بأن الأمريكيين الألمان لم يتم اعتقالهم ، بالرغم من أن ألمانيا كانت هي القوة الرئيسية في دول المحور الأوربية . ولذلك قرر المركز أن يسحب الاعتراف عن الأمريكيين اليابانيين أثناء الحرب ، وإعادته إليهم بعدها. ويمكن أن تقول نفس الشي عن بريطانيا ، حيث تمثل الهوية الإنجليزية مركز الهوية البريطانية . فمن الملاحظ أن مصطلح "إنجليزي" يستخدم كثيراً من قبل المجتمع الإعلامي ونادراً ما يكون المقصود به "بريطاني" ، وهو ما يسبب الضيق للوطنيين باسكوتلاندة وويلز.
وتلاحظ الجماعات السوداء البريطانية أيضاً أن وسائل الإعلام البريطانية المركزية تطلق على الرياضيين الأفرو كاريبيين صفة "بريطانيين" عندما يكسبون الميداليات لبريطانيا ، وصفة "كاريبيين" عندما يخسرون . هذه الأمثلة توضح التوترات بين المركز والهامش داخل كل هوية ، كما تشير إلى ديناميات وعمليات الاعتراف وسحب الاعتراف التي تشتغل بين المركز والهامش .
تغيير الهوية :-
مستنداً على نموذج ابتدعه توماس شيللنج ، يحاول ليتين تفسير تحولات الهوية عن طريق "منظومات" السلوك وما يترتب عليها من "ميول" . وتحدث منظومات السلوك عندما يتكون سلوك الناس أو أفعالهم مستندة إلى ، ومدفوعة بتوقعاتهم لما يمكن أن يفعله الآخرون . وعندما تفكر أعداد كبيرة من الناس في المجموعة ، أن أعضاءها الآخرين سيفكرون بطريقة معينة ، وسيتصرفون وفق ذلك التفكير ، فإن المجموعة"تميل" أو "تنتقل" فجأة من نظامها المعتاد قبل نمط السلوك الجديد ، إلى نظام آخر جديد . ولتوضيح كيفية "ميل" المجموعات واستوائها يورد ليتين المثال التالي:
" خذ حالة واحد أو اثنين من الأفرو –أمريكيين يشتريان منزلين بضاحية "بيضاء" مستقرة. فجأة تفكر العائلات البيضاء، وقد اندفعت كل منها بالخوف من أن تكون آخر أسرة بيضاء بالضاحية، في بيع منازلها. ولكن الأفرو أمريكيين هم وحدهم الراغبون في الشراء. وبسرعة خاطفة "تتحول" أو "تميل" الضاحية من بيضاء إلى أفرو- أمريكيين" .
تتحول الهوية بنفس الطريقة ، أي تستوي وتنتظم في سياق متخيل . ويعطينا ديفيد ليتين ، في دراسته الميدانية للجالية الروسية بأستونا ، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتقلص حدوده ، مثالاً واضحاً على تحول الهوية . وقد قام بشرح الجهود التي بذلها الأفراد الروس ، وقد وجدوا أنفسهم غرباء وسط مجتمعات كانوا يهيمنون عليها في يوم من الأيام ، للتأقلم مع الواقع الجديد . وقد اجتهد الروس باستونيا للحصول على الجنسية الأستونية . فبدأوا يدرسون اللغة الأستونية التي لم يشعروا بضرورة دراستها قبل انهيار الاتحاد ، إذ كان الأستونيون هم المجبرون على دراسة اللغة الروسية . ويستنتج ليتين أن رغبة هؤلاء الناس في الحفاظ على سلامة عائلاتهم، وفي تفادي الإبعاد ، أعطتهم حافزاً لتحويل الهوية. وهذا بدوره يضع الأساس لصنع هوية أستونية لأحفادهم ، وهذا يعني إنهم كمجموعة ، يتحركون نحو "انقلاب" هويتهم .
تعيش المجتمعات عادة في توازن . وفي هذه الحالات تشعر الجماعات أن العالم ثابت ثباتاً مطلقاً . حينها تكون الهويات بمأمن من الشكوك ، ولا تكون هناك حوافز للتغيير، ويشترك الجميع في تصور ضمني لمن يكونون . وتضطلع النخب الثقافية والسياسية ، لكل مجموعة ، بإصباغ المعني على هذا التوازن ، بإنتاج المعتقدات ، والمحاذير، والمبادئ ، والأساطير والنظم الرمزية . في هذه المرحلة يمكن وصف المجموعة بأنها حققت ذاتها ، أي إنها تعيش في انسجام مع بيئتها ، وتري العالم بأم عينها . ولكن الحوادث والاضطرابات يمكن أن تزلزل التوازن ، وتشيع عدم الاستقرار وسط الجماعة ، وتقود إلى أزمة هوية ، وتدفع بعض الناس إلى استكشاف هويات جديدة . في هذه الحالة غالباً ما تنقسم النخبة الثقافية والسياسية إلى أولئك الذين يحاولون الدفاع عن الوضع القائم ، وأولئك الذين يحاولون خلق منظومة جديدة ، تحقق توازناً جديداً .
أبعاد الهوية :-
ليس بمقدور أية نظرية منفردة ، من النظريات التي تم تلخيصها فيما سبق ، أن تفسر تعقيدات الهوية السودانية الشمالية ، ولذلك تنشأ الضرورة لصياغة تركيبة منها جميعاً لتحقيق هذه الغاية . واستناداً إلى ما سبق ، يمكن للمرء أن يضع اليد علي ثلاثة عوامل ، تستطيع إذا ما تفاعلت مع بعضها البعض ، أن تفسر كل هوية اجتماعية . (1) العامل الأول هو تصور المجموعة لنفسها .(2) العامل الثاني هو تصور الآخرين للمجموعة. (3)العامل الثالث هو الاعتراف أو عدمه من قبل مركز الهوية بهذه المجموعة . إذا تفاعلت هذه العوامل الثلاثة بصورة منسجمة ، أي إذا كان تعريف الناس لها مقبولاً وواقعياً .
وإذا كان مركز تلك الهوية يمحضها اعترافه ، حينها يقال أن تلك المجموعة تعيش في توازن . وهنا تتقدم النخبة الثقافية والسياسية لإعطاء هذا التوازن معناه ، مزودا إياه بمنظومة من المعتقدات ، والقيود ، والمبادئ ، الأساطير والنظام الرمزي . ويحاول النظام الرمزي إشاعة الانسجام في كل العالم المحيط بهذه المجموعة أو بمعني آخر، يحاول جعل العالم كله يبدو وكأنما ينبثق من الذات الجماعية للمجموعة ، أو كأنما هو بعد واحد من أبعاد هويتهم . في هذه المرحلة يمكن وصف المجموعة بأنها صارت ذاتها ، وأنها ترى العالم بعيونها أصالةً . أحد الأمثلة على الكيفية التي يشتغل بها النظام الرمزي ، هو الكيفية التي أعادت بها الثقافات الغربية رسم صورة المسيح لجعله شبيهاً بالانجلو –ساكسون . وقد حدث هذا رغم حقيقة أنه يهودي ، ولم يكن له بأي حال من الأحوال شعر أشقر ولا عيون زرقاء . ومع ذلك كانت إعادة التركيب والصياغة هذه ضرورية من أجل تحقيق الانسجام في هوية البيض ، لأن الناس يدركون العالم بصورة افضل ، عندما يعبدون آلهاً يشبههم ، وليس آلهاً غريباً عنهم .
ومن الجانب الآخر ، إذا تفاعلت العوامل الثلاثة بصورة متناقضة ، إي إذا كانت تصورات الناس لأنفسهم لا تنسجم مع الطريقة التي يعرفهم بها الآخرون ؛ أو ، وهذا أخطر الأمور؛ إذا كانت القوى المالكة لصلاحيات إضفاء الشرعية ، لم تقبل تعريف الجماعة لنفسها ، فإن هذه الجماعة توصف بأنها تعيش تناقضاً ، وعدم انسجام . في هذه الحالة لا ينبثق النظام الرمزي من الذات الجماعية للجماعة ، بل يكون مستعاراً في العادة من مركز الهوية التي تهفو إليها تلك الجماعة ، وترغب أن "تكونها".
هذه الشروط تعد المسرح لبروز تناقضات الهوية ، ولزحف عدم الاستقرار إلى خلايا المجتمع ، ولتفاقم أزمة الهوية حتى تسد عليه الأفق .
أزمة الهوية :-
يمكن لأزمة الهوية أن تحدث علي المستويين ، الشخصي والاجتماعي . على المستوي الشخصي ، تنشأ الأزمة عندما تحين لحظة إحداث التوافق بين التماهيات الطفولية وبين تعريف جديد وعاجل للذات ، وأدوار مختارة لا يمكن النكوص عنها . يضاف إلى ذلك أن الهوية الشخصية تقوم علي جهد يستمر كل الحياة ، كما يقول اريكسون ، والفشل في تحقيقها يسبب أزمة ربما تكون لها نتائج مدمرة على الأفراد . أما على المستوى الاجتماعي ، فتنشأ الأزمة عندما يفشل الناس ، وهم يصنعون هوياتهم ، في العثور على نموذج يناسبهم تماماً ، أو عندما " لا يحبون الهوية التي اختاروها أو اجبروا على تبنيها" ولأن الهويات الاجتماعية يتم تكوينها عادة " من التشكيلة المتاحة من التصنيفات الاجتماعية ، فإن ظهور الخلعاء يكون حتمياً" . كذلك يمكن أن تحدث الأزمة عندما يسود الغموض نظرة الناس إلى هويتهم ، أو يفتقرون إلى هوية واضحة . وفى حالة أخرى يمكن أن تنشأ أزمة الهوية عندما يكون هناك تناقض بين هوية الشخص ونظرة الآخرين إلى الهوية ذاتها . وأخيراً يمكن أن توجد أزمة الهوية إذا كان مركز الهوية ، أي الجهة التي تملك صلاحيات إصباغ الشرعية ، لا تعترف بادعاءات الهامش .
عوامل الأزمة في شمال السودان :-
من ضمن العوامل التي تسبب أزمة الهوية في أية جماعة ، يمكن وضع اليد علي ثلاثة عوامل ، تنطبق على السوداني الشمالي .(1) أولاً هناك تناقض بين تصور الشماليين لذواتهم ، وتصورات الآخرين لهم . فالشماليون يفكرون في أنفسهم كعرب ، ولكن العرب الآخرين لهم رأي أخر، فتجربة الشماليين في العالم العربي ، وخاصة في الخليج ، أثبتت لهم بما لا يدع مجالاً للشك ، أن العرب لا يعتبرونهم عرباً حقاً ، بل يعتبرونهم عبيداً . وقد تعرض كل شمالي تقريباً للتجربة المريرة بمخاطبته كعبد . يمثل عرب الشرق الأوسط ، وخاصة عرب الجزيرة العربية ، والهلال الخصيب ، لباب الهوية العربية التي تهفو أفئدة الشماليين إليها ، وتطمح للانتماء إليها . فهؤلاء "العرب الأصلاء الأقحاح" يحتلون مركز هذه الهوية ، ويتمتعون بصلاحيات إضفاء الشرعية أو سحبها من ادعاءات الهامش . ويمثل الشماليون ، من الجانب الأخر، الدائرة الخارجية من الهوية العربية ، ويحتلون الهامش ويتطلعون إلى إدنائهم للمركز، كعلامة من علامات الاعتراف . سحب الاعتراف عن أية مجموعة من قبل الأخريات ، وخاصة إذا كانت هذه الأخريات يمثلن مركز الهوية ، يمكن أن يلحق أثراً مؤذياً بهذه المجموعة . وكما قال شارلس تيلور: "يمكن أن يلحق بالشخص أو المجموعة من الناس ، أذى حقيقي، وتشويه حقيقي ، إذا عكس لهم المجتمع الذي حولهم ، صورة عن أنفسهم ، تنطوي على الحصر والحط من الكرامة والاحتقار . وقد كان المركز أبعد ما يكون عن الاعتراف بالشماليين عندما سماهم "عبيداً" ، وأبقاهم بالتالي ، إذا استخدمنا مصطلح تيلور، "على مستوى أدنى من الوجود" .
(2) العامل الثاني في أزمة الهوية بشمال السودان ، يتعلق "بالغموض" حول الهوية . وقد وقف الشماليون وجهاً لوجه أمام هذه الظاهرة ، خاصة في أوروبا وأمريكا ، حيث يصنف الناس حسب انتماءاتهم الاثنية والاجتماعية . ففي عام 1990م ، عقدت مجموعة من الشماليين اجتماعاً بمدينة بيرمنجهام لمناقشة كيفية تعبئة استمارة المجلس ، وخاصة السؤال حول الانتماء الاثني . فقد شعروا أن أياً من التصنيفات الموجودة ومن بينها "ابيض ، أفرو- كاريبي ، أسيوي، أفريقي أسود، وآخرون " لا تلائمهم . الذي كان واضحاً بالنسبة لهم إنهم ينتمون إلى "آخرون" ولكن الذي لم يكن واضحاً هو هل يحددون أصلهم "كسودانيين ، أو كسودانيين عرباً ، أو فقط كعرب؟ ". و عندما أثار أحدهم السؤال : لماذا لا نؤشر على فئة "أفريقي-أسود" ؟ كانت الإجابة المباشرة هي : "ولكننا لسنا سوداً" وعندما ثار سؤال أخر لماذا لا نضيف "سوداني وكفى؟ كان الجواب هو: "سوداني" تشمل الشماليين والجنوبيين ، ولذلك لا تعطي تصنيفاً دقيقاً لوصفنا" ولوحظت ظاهرة الغموض حول الهوية كذلك في الشعور بالإحباط والخيبة الذي يشعر به الشماليون ، عندما يكتشفون لأول مرة ، أنهم يعتبرون سوداً في أوروبا وأمريكا. وتلاحظ كذلك في مسلكهم تجاه المجموعات السوداء هناك . إطلاق كلمة اسود على الفرد الشمالي ، المتوسط ، كانت تجربة تنطوي على الصدمة . ولكن الجنوبيين يرونها مناسبة للمزاح ، فيقولون لأصدقائهم الشماليين : "الحمد لله، هنا أصبحنا كلنا سوداً " أو "الحمد لله، هنا أصبحنا كلنا عبيداً" . مسلك الشماليين تجاه المجموعات السوداء بهذه البلدان ، شبيه لمسلكهم إزاء الجنوبيين . وغالباً يطلقون عليهم كلمة "عبد" وقد أشار واحد ممن استطلعت أراءهم ، إلى الافرو –كاريبيين كجنوبيين .
(3) العامل الثالث من عوامل الأزمة يتعلق ،" بخلعاء" الهوية ، أو أولئك الذين لا يجدون موضعاً ملائماً داخلها . فالشماليون يعيشون في عالم منشطر، فمع إنهم يؤمنون انهم ينحدرون من " أب - عربي" و " أم - أفريقية" فإنهم يحسون بالانتماء إلى الأب الذي لا يظهر كثيراً في ملامحهم ، ويحتقرون الأم ، الظاهرة ظهوراً واضحاً في تلك الملامح . هناك انشطار داخلي في الذات الشمالية بين الصورة والتصور؛ بين الجسد والعقل ، بين لون البشرة والثقافة ، و بكلمة واحدة بين " الأم والأب". فالثقافة العربية تجعل اللون الأبيض هو الأساس والمقياس ، وتحتقر اللون الأسود . وعندما يستخدم الشماليون النظام الدلالي للغة العربية والنظام القيمي والرمزي للثقافة العربية ، فإنهم لا يجدون أنفسهم ، بل يجدون دلالات وقيماً تشير إلى المركز . فالذات الشمالية كذات غائبة عن هذا النظام ، ولا تُرى إلا كموضوع ، من خلال عيون المركز، ومن هنا جاء " الخلعاء".
آثار الهوية الهامشية على النفسية الشمالية :-
لا شك إن هذا الموقع الدون ، كانت له آثاره على نفسية الفرد الشمالي ، فعندما أفاق هذا الفرد ، على إن الخصائص المعيارية ، المثالية ، لهذه الهوية ، هي البشرة البيضاء ، والشعر الناعم المرسل ، والأنف الاقني المستقيم ، وجد أنه يفتقر إلى بعض هذه الخصائص والصفات ، واستشعر الحاجة للحصول عليها أو التعويض عنها ، فصار مفهوماً أن اللون كلما مال إلى البياض ، كلما صار الشخص أقرب إلي المركز ، وكلما صار ادعاؤه بالانتماء العربي أكثر مشروعية . وعندما تتعثر الاستجابة لشرط اللون ، كما هو بالنسبة لأغلب الشماليين ، يحاول الفرد أن يجد ملاذاً أو مخرجاً في الشَعْر، للبرهان على أصله العربي ؛ فكلما كان الشَعْر ناعماً ، كلما كان الشخص أقرب إلى المركز . وعندما يفشل المرء في امتحان الشَعْر هو الأخر، يحاول أن يجد ملاذه الأخير في شكل الأنف ، وكلما كانت قريبة من المعايير العربية للأنف ، كلما كان ذلك أفضل ، إذ إنها على الأقل ستكون شاهداً على أصل غير زنجي .
إحساس باللون مصحوب بالحرج :-
عندما يجد الفرد نفسه مفتقراً إلى ما يعتبره القسمات المعيارية ، فإنه عادة ما يحاول التعويض عنها أو إكمالها . ولأن الزواج يعطي الأفراد فرصاً للتعويض والإكمال ، فإن الفرد الشمالي المتوسط ، يتطلع ويبحث عن الارتباط بآخر يكون قريباً من المثال في اللون والقسمات . فمثل هذا الاتحاد يعطي الفرد ، رجلاً أو امرأة ، فرصة للتعويض عن سواده (أو سوادها) ، كما يعطيهما فرصة لتخليص أطفالهما منه . وفي دراستها الممتازة لقرية شمالية أطلقت عليها الاسم الوهمي "حفريات" توصلت جانيس بودي ،إلى مدى حدة وعي القرويين باللون . فقد عرفت منهم أن هناك تراتبية لونية ، حسب الأفضلية "تتدرج من الأصفر، أي الفاتح ، وتمر بدرجات أكثر دكنة تسمى "الأحمر" ، "الأخضر" ، و"الأزرق"" ثم تستطرد فتقول أن كلمة (أسود) " تستخدم دائماً للجنوبيين والأفارقة" .
و مع إن هذا المقتطف من "بودي" يبرهن على أفضلية الألوان الفاتحة وسط الشماليين ، إلا أن ترجمتها الحرفية للاصطلاحات اللونية الشمالية ، مثل أصفر ، أسمر ، أخضر، وازرق ، ربما تسبب بعض التشويش ، إذا لم تشرح . ومن أجل شرحها ، سأعيد صياغة عبارات "بودي" على النحو التالي : اللون الأول من حيث الأفضلية هو الأصفر ، وهذا هو معناه الحرفي ، ولكنه يستخدم مع الأحمر للإشارة إلى البياض . اللون الثاني من حيث الأفضلية هو "الأسمر" وهذا يعني حرفياً الميل إلى الحمرة ، ولكنه يستخدم لوصف تشكيلة لونية تتراوح من الفاتح إلى الأسمر الغامض . وهذه التشكيلة تشمل في العادة تقسيمات مثل "الذهبي" ، "القمحي" ، و"الخمري". اللون الثالث هو "الأخضر" ، ويستخدم كبديل مهذب عن كلمة "اسود" عندما يستخدم في وصف الشمالي الداكن اللون . وأخيراً ، أو آخراً "الأزرق" ولكنه يستخدم بالتبادل مع "الأسود" أي لون "العبيد" .
إن الشمالي المتوسط ينظر إلي اللون الأسود كمشكلة تستوجب الحل . ومع أن الإناث يتعاملن معها مباشرة باستخدام الأصباغ ، إلا أن الرجال يتعاملون معها بطريقة غير مباشرة أي الارتباط بأنثي فاتحة اللون . ولكن وبصرف النظر عن الشعور بالرضى الذي يوفره هذا الإجراء التعويضي والاستكمالي للفرد ، إلا أنه يظل باقياً . ما يزال قدر كبير من القلق يفرزه الشعور الملازم للفرد بأنه يحمل معه أينما ذهب ذلك اللون الخطأ . ومن أجل مقاومة هذا القلق يجب توظيف ميكانزمات دفاعية ملائمة . وهنا يصبح اللون الأسمر هو المعيار، ويعطي اللون الأسود اسماً أخر. ولتفادي وصف الذات بأنها "سوداء" ، ابتدع الوعي الجماعي الشمالي لفظة" أخضر" والتي كانت تستخدم أصلاً في وصف اللون الداكن للأرض . وبناء على ذلك ، بينما يكون الشمالي الداكن اللون "أخضراً" ، فإن الجنوبي الداكن اللون بنفس القدر يسمي "أسوداً" .
وفي نقاشه لمفهوم اللون لدى الشمالي، يكتب فرانسيس دينق ما يلي: -
"يركز الكبرياء اللوني الشمالي على اللون الأسمر الفاتح للبشرة ، ويعتبره المثال والمعيار بالنسبة للشمال ، وبالتالي للسودان . إذا صار اللون "فاتحاً" أكثر من اللازم بالنسبة للسوداني ، فإنه يصبح مهدداً باعتباره"خواجا" أو "أوروبي"، أو عربي من الشرق الأوسط ، أو ، وهذا أسوأ الاحتمالات، اعتباره "حلبياً"، وهو اللفظ المستخدم لفئة الغجر، المعتبرة الأدنى قدراً من جميع الفئات ذات البشرة البيضاء . الوجه الأخر من العملة ، هو بالطبع ، النظر إلى الجنس الأسود كجنس أدنى ، وهي حالة تلطفت العناية الرحيمة بإنقاذ المرء من براثنه . ومن هنا فإن العنصرية السودانية الشمالية ، والشوفينية الثقافية ، تنزل لعنتها في نفس الوقت بشديدي السواد وشديدي البياض .
ومع أن ملاحظة دينق صحيحة بصورة عامة ، إلا أنها تحتاج إلى كثير من الضبط . فأنا أعتقد إن "أحمر" أي "أبيض" هو المعيار اللوني النهائي للشمالي المتوسط ، فهو يعتبر اللون المثالي للمجموعة الداخلية ، أي مركز الهوية العربية . في حين لا يكون اللون الأسمر معياراً إلا على مستوي أدني ، وإلا كآلية دفاعية ، مجبرة على تبنيه كواقع لا مهرب منه . وعلى عكس الأبيض ، فإن الأسمر ليس جيداً لمزاياه الخاصة ، بل فقط كبديل للأبيض الغائب . ومع أن الأغاني الشعبية غالباً ما تتغنى بالنظرات الساحرة للحبيب الأسمر "أسمر يا ساحر المنظر" ، إلا أن النظام الدلالي المهيمن للثقافة العربية الإسلامية ، يجعل اللون الأبيض هو المعيار والمثال ، كما سنوضح أدناه . ولو كان الشماليون قد استطاعوا تطوير نظام دلالي شامل ومنسجم ، يجعل الأسمر معياراً ، لاستطاعوا حل الجزء الأكبر من أزمة هويتهم .
ومع أن الشماليين يستقبحون اللون الفاتح جدا (أي الأحمر) ، واللون الموغل في السواد ، إلا أنهما لا يستقبحان بنفس الدرجة . فالوصمة الاجتماعية اللاحقة باللون "الأسود" ترجع إلى إنه لون "العبيد" . أما وصمة اللون "الأحمر" فتتعلق بكونه لون الحَلَب أو الغجر، فالحَلَب ، الذين ينظر إليهم كفئة منحلة أخلاقياً ومنحطة سلوكياً ، يعتبرون فئة "منبوذة اجتماعياً" الصيغ الثقافية التي تزدري اللون الأسود شائعة بصورة مزعجة ، وعميقة الجذور في الثقافة والأدب العربيين ، عكس تلك التي تزدري اللون الأحمر، والتي هي شحيحة ولم تظهر إلا مؤخراً مع الغزو التركي للسودان . وقد جاءت هذه المقولات الثقافية الأخيرة نتيجة للبشاعات التي ألحقها الترك بالمواطنين ، والتي جعلت الشماليين ينظرون إلى الأتراك كصور مجسمة للفساد ، والشراهة والجبن . وجاءت الثورة المهدية ضد الأتراك ، وانتصارها الساحق عليهم ، لتكثف وتعمق من احتقارهم في عيون الشماليين . وهذه هي الفترة التي ظهرت فيها عبارة "الحُمرة الأباها المهدي" ولذلك فإن اللعنة التي حلت باللون الأحمر، آخذين بالاعتبار هذه الحدود وهذا السياق ، لم تكن مطلقة . والواقع أن الأحمر يعتبر بصورة جوهرية ، سواء بالنسبة للثقافة العربية أو الثقافة السودانية المحلية ، تجسيداً للجمال . ففي" قاموس اللهجة العامية في السودان" قال عون الشريف قاسم ما يلي حول اللون الأبيض:
"إنهم (أي العرب ) يسمون الفرد ذا اللون الأبيض "أحمر" . فعائشة زوجة النبي كانت تسمى "الحميراء" (وهي تصغير أحمر) لأن لونها كان أبيضاً . وكان العرب يسمون الفرس والروم ، أيضاً حُمراً (جمع أحمر) ، لأن ألوانهم بيضاء . ويقصدون اللون الأبيض حينما يقولون "الحسن أحمر" .
وتوضح جانيس بودي كيف كانت نساء قرية "حفريات" ذوات وعي باللون . فبالنسبة لهن "اللون الأبيض نظيف ، جميل وعلامة على قداسة كامنة" وقد أخبرنها مراراً وتكراراً أنها كامرأة بيضاء ، تملك فرصاً أفضل منهن بمراحل ، لدخول الجنة ، إذا اعتنقت الإسلام . وأضفن أن فرصها أفضل من جميع السودانيين في دخول الجنة . وكانت الأسباب التي ذكرنها هي : "وذلك لأن النبي محمداً ابيض ، وكل البيض من البشر أعلى شأناً لأنهم ينتمون إلى قبيلته البيضاء" .
يضاف إلى ذلك ، أن احتقار الأحمر (أي الأبيض) يبقى فقط علي مستوى التنظير، ولا ينعكس في المسلك الاجتماعي للسوداني الشمالي . فعلى سبيل المثال أبدى الشماليون استعداداً للتزاوج مع البيض ، سواء كانوا أوروبيين أو عرباً ، ولكنهم عبروا عن تثاقل وصد في التزاوج مع السود ، سواء كانوا جنوبيين أو أفارقة عموماً . وبصورة أكثر تحديداً ، بينما لا يجد الشماليون حرجاً في تزويج بناتهم للفئة الأولى ، إلا انهم لا يتصورون مجرد تصور تزويجهن من الفئة الثانية .
الوعي المحرج بالهامشية :-يمكننا أن نلاحظ مظهراً أخر من مظاهر تأثير الهوية الهامشية على النفسية الشمالية في المسلك السياسي للطبقة الحاكمة الشمالية . فأول القرارات التي اتخذتها الطبقة الحاكمة الشمالية بعد الاستقرار هو الانضمام للجامعة العربية .
ويخبرنا محمد أحمد محجوب: "سارعنا بالانضمام إلى الجامعة العربية مباشرة بعد إعلان الاستقلال" . ولأنها كانت واعية بموقعها علي هامش العالم العربي ، رضيت هذه الحكومة بدور متواضع ، ولم تتخذ موقفاً منحازاً في الصراعات العربية الداخلية ، سواء مع الراديكاليين أو المحافظين . ومثله مثل أي كيان هامشي ، يكاد السودان أن يُنسى تماماً في أوقات الهدوء والانسجام . ويعلمنا التـأريخ انه فقط في أوقات الاضطرابات المصاحبة للحروب والانتفاضات ، والتي تهز بعنف وتمزق النسيج الاجتماعي ، يمكن للنساء والعبيد ، كفئات مهمشة ، أن ينعموا بإعتراف المركز. على ذات النسق ، فقط عندما كان العرب في قمة الشعور بالمهانة والإحباط ، نتيجة للهزيمة الساحقة التي ألحقتها بهم إسرائيل عام 1967م ، تذكروا السودان، وأدنوه من المركز، وسمحوا له أن يلعب دوراً حيوياً داخل الجامعة العربية . فحياد السودان، أو قل دور المتفرج الذي كان يلعبه ، هو الذي أهله لاستضافة مؤتمر القمة العربية عام 1967م . ويخبرنا المحجوب: "كانت الخرطوم هي الموقع الوحيد المقبول سياسياً لعقد المؤتمر، بالنسبة للمحافظين والمتطرفين من القادة العرب" ولكن ما لم يخبرنا به هو أن الهامش صار مكاناً ملائماً بالنسبة للمركز ليلعق جراحه في جنباته .
منهج حمل المتاع :-
المظهر الأخر لتأثير الهوية الهامشية هي ما يمكن أن نسميه منهج" حمل المتاع". فالهوية الهامشية ترنو دائماً إلى المركز كمصدر للإلهام الثقافي ، والديني والسياسي ، وكمجال للسياحة الفكرية . إنها ميالة لاستعارة المنتجات الفكرية للمركز، وليس متوقعاً منها أن تنتج أو تُغير . يقول شون أوفاهي:"السودان النهري الشمالي تفاعل دوماً مع مصر، أم تطلع عبر البحر الأحمر إلى الجزيرة العربية" فالرابطة الثقافية بين الشماليين والعالم العربي ، كانت على وجه العموم طريقاً ذا اتجاه واحد ، تنتقل فيه المنتجات الثقافية ، من خارج الحدود الشمالية ، عكس مجرى النيل ، أو من الشرق عبر البحر الأحمر . ومن المثير للدهشة أن كل حزب في العالم العربي ، تقريباً ، له فرع في شمال السودان ، فهناك حزب البعث العربي الاشتراكي ، بجناحيه السوري والعراقي ، وهناك الحزب الناصري ، ومؤتمرات القذافي الشعبية ، والحركة الوهابية السعودية ، وحركة الأخوان المسلمين المصرية . كل هذه الحركات والأحزاب لها فروعها في السودان . وكانت ثورة 1924م ، والحركات الاتحادية مؤخراً ، في الأربعينيات ، والتي عملت كلها تحت الرعاية المصري ، تهدف إلى تحقيق الوحدة السياسية مع مصر وبالنسبة للمركز، ليس الهامش سوى خواء ثقافي وسياسي ، إن لم يكن سلة للنفايات ، ينبغي ملؤها . وهذا هو السبب الذي يجعل مختلف فئات المركز تتسابق لملئه .
التواؤم مع المركز:-
علامة أخرى على تأثير الهوية الهامشية ، على نفسية الفرد الشمالي ، تتمثل فيما يمكن أن اسميه : "الميل للتواؤم" . فمن الملاحظ أن أغلبية الشماليين الذين يعملون في أقطار عربية مختلفة يتبنون لهجات البلدان التي يجدون أنفسهم فيها . وحتى عندما يعودون إلى السودان ، يكون الاحتمال كبيراً ، أن تصبح هذه اللهجات ، أو على الأقل بعض كلماتها وعباراتها ، جزء من الذخيرة اللغوية للشخص المعين . ومن الملاحظ أيضاً أن القلة من العرب الذين يجيئون إلى السودان لا يغيرون لهجاتهم حتى إذا مكثوا وسط السودانيين لعدة سنوات . بل إن الشماليين الذين يختلطون بهؤلاء العرب ، في السودان ، غالباً ما يعدلون لغتهم ولهجتهم حتى تتوافق مع لسان العرب الذين يعيشون وسطهم .
الوعي بخفاء الهامش:-
نسبة لأن الهامش يشعر بحالة من الخفاء ، إزاء المركز ، فهو محتاج دائما للإعلان عن نفسه . ولذلك فإن علامة أخري من علامات الهوية الهامشية للشماليين ، هي تركيزهم المفرط علي الأصل العربي ، فالشماليون ، وخاصة نخبتهم ، يرددون دائما أنهم عرب . فعبارات مثل : "أنا عربي ولدي شجرة نسب" ، أو "أنا عربي شئت ذلك أم أبيت" أو "نحن عرب العرب" أو "أنا عربي، قوميا وثقافيا" تتكرر دائما في خطاب النخبة السياسية والثقافية . وعلي عكس النخبة في العالم العربي ، التي لا تحتاج لإثبات أمر واضح بذاته ، يشعر الشماليون بالحاجة للتعويض عن غياب القسمات العربية بالكلمات العربية . وينظر المرء لهذه الظاهرة باعتبارها استمراراً للظاهرة القديمة التي كانت سائدة وسط الشماليين لكتابة شجرة النسب . فالظاهرتان تعكسان الشكوك العالقة بادعاءات الشماليين للعروبة .
وتمثل كل هذه العلامات ، شواهد علي أن الشماليين يعانون كل أعراض "عدم الاعتراف" ، التي ناقشها شارلس تيلور في كتاب "سياسات الاعتراف"، وخاصة استبطان الدونية ، "الحط من قيمة الذات" ، و "الكراهية الخانقة للذات" .
تكوين الهوية العربية الإسلامية في الشمال : -
السودان الشمالي الحالي هو موطن الثقافة النوبية التي ازدهرت لعدة آلاف من السنين قبل مولد المسيح ، وهو موطن الممالك النوبية العظمى . وتقف الأهرامات حتى الآن في أرض النوبة ، شاهدة علي عظمة الأمة النوبية . وفي القرن الثامن قبل الميلاد قامت المملكة النوبية باحتلال كل أرض مصر وفرضت سلطانها علي وادي النيل . وكانت مملكة النوبة لاعباً أساسيا في المسرح العالمي في العالم القديم ، و أقامت الصلات مع عدة حضارات. وكما أوضح لويدس بنغاي "للسودان الشمالي حضارة قديمة مزدهرة ، سابقة لحضارة مصر الفرعونية ولمجيء الإسلام . وكانت النوبة ذات علاقة مع كل حضارة ظهرت في مصر .. الإغريق .. الرومان .. العرب .. الأتراك والبريطانيين" .
دخلت المسيحية إلي النوبة في القرن السادس ، وحولتها إلى مملكة مسيحية ، استمرت ألف عام . ومباشرة بعد ظهور الإسلام في القرن السابع ، فتح المسلمون مصر، وطرقوا أبواب دنقلا عاصمة النوبة . ومع أن مقاومة النوبيين قد نجحت في إيقاف الزحف الإسلامي ، إلا أنها لم تفلح في طرد العرب من الأراضي النوبية . وقد أدت حالة التوازن التي قامت بين الطرفين إلي الوصول إلي تسوية سياسية . وقد أبرمت معاهدة بين النوبيين والعرب عام 651م – 652 ميلادية ، وتفسر هذه الاتفاقية تفسيرات مختلفة من قبل الكتاب المعاصرين . وبينما يراها بعض هؤلاء الكتاب في صالح العرب ، فإن آخرين يعتبرونها نصرا للنوبة . ولكن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن مملكة النوبة حققت ما لم تحققه مملكة أخرى في الزمان القديم ، وهو إيقاف الزحف الإسلامي الذي كان لا يقاوم . كان المسلمون يقسمون العالم إلي دار الإسلام ودار الحرب . ولما بقيت النوبة وحافظت علي سلامة أراضيها كان علي المسلمين أن يخلقوا فئة ثالثة ، لا هي دار إسلام ولا دار حرب ، فأطلقوا عليها دار العهد . ومع أن الاتفاقية ضمنت سيادة النوبة لمدة ألف سنة تقريبا ، إلا أنها فتحت المجال للعرب ليدخلوا بحرية من أجل التجارة ، مما دشن عملية الأسلمة والتعريب ، التي قادت في نهاية المطاف إلي انهيار المملكة .
ومع أن الهوية العربية الإسلامية يمكن إرجاعها إلي دخول العرب السودان ، إلا أنها ظاهرة حديثة نسبياً . فالقرنان الرابع عشر والخامس عشر، يعتبران فترة تغيير في السودان النيلي . فالحركات الاجتماعية وخاصة تلك الخاصة بالعرب والفونج ، مصحوبة بالتطورات الاقتصادية والثقافية الوافدة من الأقطار المجاورة ، وفرت ظروفا مواتية لعمليات الأسلمة والانتماء إلي العرب . فالرحالة الذين جاءوا إلي مملكة الفونج في الربع الأول من القرن السادس عشر، وصفوا تكوينات أثنية شبيهة بتلك التي نجدها في سودان اليوم . فقد وصفت قبائل الشايقية والجعليين والرباطاب باعتبارهم برابرة ، أي نوبيين شماليين ، من قبل غيليود الذي زار مملكة الفونج عام 1523م . وقد وجد غيليود أن سكان المملكة ينقسمون إلي ست فئات أثنية وكانت هذه الفئات من الوضوح والتمايز بحيث لم يكن هناك فرد واحد لا يعرف إلي أي منها ينتمي . خمس من هذه الفئات صنفت حسب لون البشرة ، بشكل أساسي . كان لون الفونج هو "الأزرق" . "كان لونهم لون النحاس" . حسب غيليود .. وكان العبدلاب قريبين في ألوانها وملامحهم من الفونج ، إذا أستثنينا شعورهم الملتفة ، وكان لونهم أخضر، (أي نحاسي غامق إلي أسود) . أما البرارة ، أي الجعليين والرباطاب والشايقية والدناقلة ، فوصفوا بأنهم "خاطف – لونين"، أي خلطة من لونين . يقول غيليود "أفراد هذه الفئة نصف صٌفر ونصف خٌضر .. وفصيلة الدم التي تغلب عليهم هي تلك التي نجدها عند الأثيوبيين" أما لون العرب فوصف بأنه "أصفر" أي "أبيض" وقد قال عنهم مايلي :
"هؤلاء هم الأقل اختلاطا من حيث الألوان ، إنهم ينتمون إلي العرب البدو الرحل . شعورهم مرسلة . ولا يختلطون مع الفئات الأخرى إلا فيما ندر. ويسهل التعرف عليهم ، ليس فقط من ملامح وجوههم ، بل من نقاء الطريقة التي ما زالوا يتحدثون بها اللغة العربية".
والمدهش أنه تحدث كذلك عن "العبيد" الذين جلبوا إلي سنار من الجنوب والغرب "أي جبال النوبة" . هذا هو علي وجه التقريب التصنيف اللوني الموجود حاليا . ومن المحتمل أن الفارق الوحيد أن الجعليين والرباطاب والشايقية ، كانوا ما يزالون في القرن السادس عشر، يتحدثون لغاتهم النوبية . وقد استمروا يتحدثونها حتى أوائل القرن التاسع عشر .
هذه الظروف هي التي غرست مكونات الهوية الشمالية في تربة الشمال . هذه المكونات هي اللغة العربية ، مزاعم الأصول العربية ، الإسلام ، وتراث الرق . فسكان هذا الجزء من السودان أظهروا تعلقا خاصا بالعرب . وتدل الشواهد علي أنهم انتهزوا كل فرصة عابرة ، سواء كانت هذه رابطة بعيدة ، متخيلة ، أو حتى ملفقة ، للتماهي مع العرب وتبني لغتهم . الفونج يزودوننا بمثال واضح لانقلاب الهوية ، الذي ربما يلقي لنا الضوء علي عملية التماهي مع العرب . ففي بداية مملكتهم ، كان الفونج وثنيين ، من الناحية الدينية ، وكانوا يتحدثون لغتهم الخاصة ، والتي كانت هي اللغة الرسمية للمملكة حتى القرن الثامن عشر. وكانوا يسيرون العدالة في محاكمهم وفق تقاليدهم الخاصة . وقد اعتنق ملكهم الأول ، عماره دنقس ، الإسلام اسمياً ، من أجل أهداف سياسية . وبعد ثلاثة قرون من ذلك التاريخ ، أي خلال القرن الثامن عشر، أقيمت العدالة علي أساس الشرع الإسلامي ، وصارت الوثائق الرسمية تحرر باللغة العربية ، والتي أصبحت هي اللنغوافرانكا للدولة . ليس ذلك فحسب ، بل أعلن بادي الثالث ، ملك الفونج ، رسميا في خطاب إلى رعيته ، أنه وقومه "ينحدرون من العرب ، ومن الأمويين علي وجه التحديد" وقد أصدر ذلك المنشور ردا علي حملة من الإشاعات ، صاحبت تمردا في الأقاليم الشمالية ، يدمغهم بأنهم "وثنيين من النيل الأبيض". وقد أختتم المنشور، الذي أٌرسل إلي دنقلا ، بالعبارة التالية :" وما دمتم قد رأيتم الحقائق فلتخرس الألسنة ، وعسي أن يتوخى العبد عزيز فضيلة الحذر في أحاديثه المؤذية" . وكجزء من هذه الأحاديث المؤذية هي "اتهامه" للملك بأنه ليس من أصل عربي فمع زيادة قوة التجار العرب ، وانتشار الطرق الصوفية ، وتعاظم نفوذ العلماء ، سعي الملوك إلي الإبقاء علي نفوذهم القضائي المتداعي بدراسة الشريعة الإسلامية ، ليتحولوا إلي "علماء" لهم مكانتهم المستقلة . ويقول سبولدنج أن الطبقة الحاكمة الفونجية "انضمت إلي العائلات الأرثوذكسية للتجار في نشر مزاعم الأصول العربية " بل أنهم "اكتشفوا حقيقة كانت مجهولة حتى ذلك الوقت وهي أنهم أمويون" وهكذا فإن انقلاب الهوية الذي حدث في القرن السادس عشر لخدمة أهداف سياسية ، قد أكتمل في القرن التاسع عشر. وكما قال ديفيد ليتين : "ما يعتبره هذا الجيل مسألة عملية محضة ، يعتبره الجيل الذي يليه أمرا طبيعيا".
وإذا كان ملوك الفونج قد صاروا عربا بأمر ملكي ، فإن قبائل الشمال النيلي قد ضمنت هذا الأصل المرغوب ، لأنفسها ، بطرق أخري . فقد كان هؤلاء قادرين علي كتابة أشجار نسبهم الخاصة والتي "كان من المعروف عنها أنه يتم تقفيها ، مع القفزات والفجوات ، حتى الجزيرة العربية ، وفي الحالات التي يكون فيها الأصل السوداني بارزا سياسيا أو دينيا ، فإنما تنسب الأصول إلي النبي محمد ، وقبيلته قريش ؛ وذوي قرباه ، وأصحابه الأقربين".
ومن الواضح أنه بالنسبة للنوبيين ، وللفونج بعدهم ، لم يعد العالم مستقرا . فالهويات القديمة حامت حولها الشكوك ، والناس لم يعد بإمكانهم أن يكونوا أنفسهم . الحوافز لإجراء انقلاب في الهوية كانت قوية وكثيرة . والشروط قد اكتملت . وكانت نتيجة ذلك أن نوعيْ التماهي اللذين تحدث عنهما شيلر قد حدثا في نفس الوقت ، ونقصد بهما الايديوباثي و الهيتروباثي . ويمكن ملاحظة حدوث التماهي الأيديوباثي في المناطق التي تلاشت فيها اللغات المحلية ، وتم تبني العربية بدلا عنها . كما يمكن ملاحظة التماهي الهتروباثي في المناطق التي صمدت فيها اللغات المحلية .
الخواص الأكثر وضوحا للثقافة العربية الإسلامية : -
في الفصل الماضي حاولت الإجابة علي ذلك الجزء من السؤال الذي يقول : لماذا تماهى الشماليون مع العرب ؟ أو بمعني آخر ، ما هي دوافع انقلاب الهوية الذي حدث لهم ؟ وأحاول في هذا الفصل أن أجيب علي الكيفية التي تم بها ذلك . أي بمعنى آخر ، ما ا لذي يسّر للشماليين ، بل لشعوب عديدة عبر العالم الإسلامي ، أن تتعلق بالأصل العربي ؟ اعتقد أن هناك ثلاث خواص بارزة للثقافة العربية الإسلامية جعلت من الميسور تماما ، للأفراد والجماعات ، إدعاء الأصول العربية دون أن تواجه بتحدٍ جدي ومعلن من قبل مركز الهوية العربية.
(1) الخاصية الأولي هي التركيبة الأبوية للقبائل العربية . في هذا النظام ينسب الأطفال لإبائهم ، ولا تلعب المرأة دورا يذكر في النسب ، وذلك لأنها "حرث" الرجل و"ماعونه" . ويترتب علي هذا المفهوم الذي يجعل الزوجة مزرعة لزوجها ، أنها وإن حملت بذوره ، إلا أن الحصاد حصاده هو ، وليس حصادها . وهكذا فإن أي اختلاط للدم العربي ، بخط النسب النوبي ، يضع حدا لكل الأنساب النوبية قبل هذا الاختلاط ، ولا فرق إذا كان هذا الاختلاط حقيقيا ، أو متخيلا أو مفتعلا . وهكذا ، وبناء علي الاعتقاد الشعبي الشائع في الشمال ، كان الجد الذي تحدرت منه المجموعات الجعلية الكبرى في الشمال : أي الشايقية ، الرباطاب والجعليين أنفسهم ، هو إبراهيم جعل . عن هذا الجد المشترك ، تحولت أنساب هذه المجموعات النوبية إلي الجزيرة العربية (إلي قريش) وارتبطت بالعباس عم النبي . ولكن هذا الإدعاء ، وبناء علي بحوث مؤرخ كبير ينتمي إلي نفس هذه المجموعة "يصعب إثباته" .
(2) الخاصية الأخرى للمجتمع العربي الأبوي ، هي أن القبائل القوية تكون لها دائما مجموعات تابعة ، مثل الحلفاء والمستجيرين والعبيد ، وغيرها من أنواع الارتباط . النظام التراتبي للقبيلة يستوعب كل هذه المجموعات في فئات اجتماعية مصنفة تصنيفا دقيقا ، ويسمح لها بالانتساب إلى القبيلة رغم أنها تعرف مكانها جيدا . ويمكن للفرد الذي ينتمي إلي هذه الفئات الدنيا ، أن يصعد إلي مرتبة أعلي بناء علي فضائله ، أو اعترافا بأبوته ، أو كليهما ، كما يوضح مثال عنترة . هذه الخاصية جعلت من السهل علي العرب قبول الانتساب الشمالي ، مع وضع الشماليين في فئة أدني من نظامهم التراتبي .
الخاصية الثانية هي مفهوم النقاء ، أو الطهارة في الإسلام . فالطهارة مفهوم مركزي للإيمان ، ومع أنه يمكن تحقيقه من خلال عملية محددة للتطهير ، إلا أنه أيضا هبة من الله للرسول وآل بيته . يقول القرآن : "أنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" . وهكذا ، كلما كان المرء قريبا إلي قبيلة النبي كلما كان ذلك أفضل ، والأفضل من كل ما عداه هو انحدار المرء مباشرة من فاطمة بنت النبي . ولكن مع ذلك فإن قطرة من الدم العربي تكفي لتطهيرك وذريتك . ويلاحظ المرء أن الثقافة الغربية تقوم علي مفهوم نقيض تماما في هذا الشأن ، حيث تكفي قطرة دم واحدة من السود أن تلوثك وتجعلك أسودا ، حتى ولو كان لونك غالب البياض .
(3) الخاصية الثالثة هي العلاقة بين الإسلام واللغة العربية . فحقيقة أن الإسلام نزل علي نبي عربي ، وأن الذين نشروه هم العرب ، وأن اللغة العربية هي لغة القرآن ، كل هذه الحقائق جعلت العرب أفضل الأمم في عيون الشماليين ، وجعلت اللغة العربية ، ليس فقط أفضل اللغات ، بل جعلتها لغة مقدسة . ومع أن غياب العربية لم يمنع غير المتحدثين بها في العالم العربي ، مثل تركيا وإيران والباكستان وحتى في السودان ، من ادعاء الأصول العربية ، إلا أن تحدث العربية كلغة للأم قد ثبّت أسطورة الأصل العربي لدي بعض الشماليين ، وأمدهم ببرهان يسمي "لسانُ عربيُ مبين".
عملية مستمرة : -
ومع ذلك فإن تشكيل هوية عربية إسلامية في الشمال هو عملية مستمرة . فالأتراك دفعها إلي الأمام عملية التعريب ، وجاءوا بالإسلام التقليدي المدرسي ، وسيروا ، مع العرب والأوربيين والشماليين ، حملات الاسترقاق ، في أراضي القبائل التي لم تستعرب ، وخاصة في الجنوب وجبال النوبة . وجاءت الدولة المهدية ، وحلت محل الدولة التركية المنهارة ، عام 1885م ، ودفعت بدورها عمليات التعريب والأسلمة . ولم تكن الدولة المهدية مختلفة عن الأتراك فيما يتعلق بحملات الاسترقاق . وعندما أستعمر البريطانيون السودان عام 1898م ، وضعوا القبائل المستعربة فوق القبائل الأفريقية السوداء . وقد وصف عالم الأجناس ك. سيلجمان، الذي دعمته حكومة الخرطوم الاستعمارية لدراسة الجماعات السكانية بالسودان ، وصف القبائل الجنوبية بأنها "متوحشة" وقد تعامل البريطانيون باحترام شديد مع مجموعات الشمال المستعربة ، كما عبروا عن احترام عظيم لهويتهم العربية -الإسلامية ، وشجعوها . وقد ركزت السياسات التعليمية ، بصورة أساسية ، علي المجموعات المسلمة ، التي تتحدث العربية ، من الشمال الأوسط النيلي وقد كان المستفيدون من هذه السياسات التعليمية ، من بين هذه الجماعات ، أبناء الأسر البارزة : أسرة المهدي ، والخليفة ، وأسر أمراء المهدية ، والأسر العربية "الراقية" . وفي السنوات الأولي من القرن العشرين ، بدأت النزعات الوطنية تنشأ وتزدهر وسط الأجيال الشابة المتعلمة لهذه الأسر. "وقد صاروا يفتشون عن "السودانوية" في القصائد العربية ، والمقالات ، والأشكال الأدبية الأخرى ، وصاروا يمجدون اللغة العربية ؛ والتراث العربي ، والدين الإسلامي ، باعتبارها القيم الجوهرية لهذه الوطنية" .
ونسبة لوعيهم بالتاريخ الطويل لمصطلح "سوداني" ، والمعاني السلبية العالقة به ، فقد أعطوه معني مزدوجا . فعلي أحد المستويين بقي لفظ سوداني كما كان دائما ، أي مرادفا لـ"عبد". وعلي مستوى آخر أستخدم اللفظ "كمجال للانتماء الوطني" أي أنهم تعاملوا معه كإطار خاوٍ ، حاولوا أن يملئوه بصورتهم الذاتية . وهكذا أصبح مصطلح "سوداني" ، علي هذا المستوى ، "علامة علي الهوية الوطنية التي تخصص قيمة عظيمة للثقافة العربية الإسلامية". ولذلك ومن وجهة نظر الجماعات الاثنية الأخرى ، أن تكون سودانياً علي هذا المستوي يعنى أن تكون شماليا . يعنى "محاكاة أسلوب"أكثر عروبة "للحياة" واعتناق "أسلوب للحياة ظهر تاريخياً علي ضفاف النيل" وقد اتضح فيما بعد أن هذا التعريف كان محدودا جدا ، وضيق الأفق وينطوي علي كثير من المشكلات . فهو استبعادي من جهة ، واستيعابي من جهة أخري . فأولئك الذين لا ينطبق عليهم التعريف الجديد للفظ "سوداني" ، أما أن يبعدوا من المجال السياسي ، مادياً (بالانفصال) ، أو سياسيا (بالتهميش) ، أو تتم إعادة صياغتهم ليلائموا اللفظ (أي يصيروا شماليين) . وكما لاحظت هيذر شاركي عن حق "إذ فشل في الاعتراف بالمساهمات الثقافية للسكان غير العرب وغير المسلمين ، فإن برنامجهم الوطني نفر مجموعات كثيرة ، بدلا من جذبها وإغرائها ، وخاصة في الجنوب . أن الحرب الأهلية ، التي ظلت تشتعل علي فترات منذ 1955م ، هي الثمرة المرة لهذا النوع من الوطنية . "والثمرة الأكثر مرارة لهذا التعريف هي الجبهة الإسلامية القومية ، التي استولت علي السلطة عام 1989م ، وشرعت في إزاحة "الخلعاء" عن طريق القوة الغاشمة .
الثقافة العربية واللون الأسود : -
يقول عبده بدوي في كتابه "الشعراء السود وخصائصهم في الشعر العربي" ما يلي:
"العرب يكرهون اللون الأسود ، ويحبون اللون الأبيض . ويصفون كل شئ حسن (مادياً كان أو معنويا) بأنه أبيض . اللون الأبيض مصدر فخر للرجل ، وخاصية جمالية بالنسبة للمرأة . البياض بالنسبة لهم علامة علي الشرف . ويمدح الرجل بأنه ابن امرأة بيضاء . والواقع انهم يفخرون بامتلاكهم النساء البيض كجوار لهم . ويطلقون علي الشعراء السود أغربة العرب ، في تشبيه لهم بذلك الطائر البغيض الذي يعتبر سواده عادة علامة علي الشؤم".
كراهية اللون الأسود نشأت من تجارب العرب مع الأفارقة . فالصورة النمطية للأفريقي الأسود ، في الثقافة العربية أنه كريه الرائحة . ناقص جسدا وعقلا ، ومنحرف عاطفيا . المثل العربي القائل : "الزنجي إذا جاع سرق ، وإذا شبع زنا" يلخص هذه الصورة تلخيصا وافياً . وتمثل عبارة "يا ابن السوداء" قمة الإساءة التي يمكن أن توجه للرجل الأسود .
قبل الإسلام : -
قبل الإسلام ، لم يكن أبناء الرجل الأبيض من أم أفريقية يقبلون كأعضاء كاملي العضوية بالقبيلة ، حتى ولو كانت القبيلة تعتمد عليهم في الحروب ، كما توضح قصة عنترة ، ويوضح بدوي كيف كان اللون الأسود عقبة كؤود أمام هؤلاء الشعراء . فدعوة أحدهم بالغراب كانت إساءة .
يقول بدوي :
"كانت هناك حساسية عالية بالألوان وسط الشعراء السود قبل الإسلام . وذلك لأنهم كانوا فئة مضطهدة وتعيسة . وكانوا يستبعدون ، بقسوة أحيانا وبلطف أحيانا أخري ، من دخول النسيج الاجتماعي للقبيلة . وهكذا عاشوا علي هامش المجتمع كفئة فقيرة وبائسة . ولم يكن يتم الاعتراف بهم إلا في ظروف الضرورة القصوى ، كما نعرف من حياة عنترة . فبالرغم من أن هذا الشاعر كان حامي قبيلته ، وكان صوتها الشعري السامق ، إلا أن الطريقة التي ظلت تعامله بها قبيلته كانت تؤلمه وتثقل علي عقله . وقد علق به اسم "ابن السوداء" حتى عندما يكون عائدا من المعركة منتصرا"
أثناء حياة النبي : -
مع أن الإسلام دعا لوحدة ومساواة بني البشر، رغم اختلاف ألسنتهم وألوانها "إن أشرفكم عند الله أتقاكم" إلا أن موقف العرب من السود لم يتغير أبدا . وقد قال النبي "لا فضل لعربي علي أعجمي أو لأبيض علي أسود ، أو لأحمر علي أصفر، إلا بالتقوى" . ولكن ذلك لم يمنع أباذر الغفاري ، أحد صحابة النبي البارزين ، من أن يدعو أخاه بلال بن رباح الصحابي الآخ الجليل ومؤذن الرسول ، "بابن السوداء" . وعندما سمع النبي بذلك وبّخ اباذر توبيخا شديدا حتى شعر أبوذر أن مجرد الاعتذار لبلال لا يكفي . ولذلك انطرح أبوذر أرضا ، ووضع خده علي التراب ، وطلب من بلال أن يطأ خده برجله ، كعلامة علي التواضع والصغار .
القرون الوسطي : -
وإذا كان ذلك هو الوضع إبان حياة النبي ، الذي كان يدعو للمساواة بين المؤمنين ، فمن الطبيعي أن مسلك العرب نحو السود سيسوء بعد وفاته . ويشير برنارد لويس إلى ذلك في الفقرة التالية :-
في الوقت الذي كان فيه الدعاة الدينيون ينادون بالمساواة ، وإن بعبارات غامضة ، كانت حقائق الحياة تحكم بغير ذلك . فالتوجهات السائدة لم يكن يحددها الوعاظ ورواة التراث ، بل كان يحددها المنتصرون ومالكوا العبيد ، الذين يمثلون النخبة الحاكمة في المجتمع الإسلامي . والاحتقار الذي كان يشعر به هؤلاء ، تجاه العناصر غير العربية عموما ، وتجاه السود علي وجه الخصوص ، يتم التعبير عنه بآلاف الطرق ، في الوثائق ، والآداب والفنون التي وصلت إلينا من القرون الوسطى . هذه الآداب ، وخاصة الشعبية منها ، تصور (الرجل الأسود) في صور نمطية عدوانية : كشيطان في الأساطير، وكجنس متوحش في قصص الرحلات والمغامرات ، أو كعبد كسول ، غبي ، كريه الرائحة ، أبرص ، في الحالات العادية . وشهادة الآداب أكدتها الفنون . ففي الرسومات واللوحات العربية والفارسية والتركية ، كثيرا ما يظهر السوء ، كشخصيات أسطورية شريرة في بعض الأحيان ، أو كبدائيين يقومون بأعمال حقيرة ، أو كمخصيين في القصور أو البيوت".
ابن خلدون يرى أن السود معروفون بالهزل والطيش والعاطفية الزائدة وأنهم "يتصفون بالغباء أينما وجدوا" . وهو يفسر هذا الغباء وحب الملذات بإرجاعه إلى "تمدد وشيوع الروح الحيوانية".
أسطورة العهد القديم القائلة بأن السود هم أبناء حام ، تبناها ووسعها بعض الكتاب العرب مثل ابن جرير . ولكن ابن خلدون لم يقبل هذه الحكمة السائدة في زمانه ، بل حاول أن يتوصل إلي تفسير "علمي" لسواد الأفارقة يقوم علي حرارة الشمس .
وفي وصفه لسكان خط الاستواء قال الدمشقي ما يلي:
"خط الاستواء تسكنه أقوام من السود يمكن اعتبارها من الحيوانات المتوحشة . ألوان أجسادهم وشعورهم محروقة ، وهم غير طبيعيين جسديا وروحيا . إن عقولهم تكاد تغلي من حرارة الشمس".
ويسير ابن الفقيه الهمذاني على نفس المنوال . وقد اعتمد في رأيه علي نظرية يونانية جغرافية قديمة ، تقسم الأرض إلى سبعة أقاليم عرضيه ، حيث يمثل الإقليم الأول والسابع الحرارة الشديدة والبرودة الشديدة علي التوالي . ويفترض أن هذين النقيضين ينتجان متوحشين ، بينما في الإقليم الأوسط ، حيث اعتدال المناخ ، يوجد الناس المتحضرون . وبالنسبة إليه فإن أهل العراق لهم "عقول راجحة ، وعواطف حميدة ، وطبيعة متزنة ، وإنتاج غزير في كل الفنون ، مع أطراف متناسبة متناسقة ، ولون أسمر رقيق ، هو أنسب الألوان وأصحها". ولكن الزنج الذين يسكنون الإقليم الأول وهم "مفرطون حتى درجة الاحتراق ، ولذلك يجئ الطفل منهم أسودا ، معتكراً ، كريه الرائحة ، ومفتول الشعر ، بأطراف غير منسجمة ، وعقول ناقصة وعواطف منحرفة". ويلاحظ جون هنويك أن تحيز الهمذاني ضد السلاف ينحصر في ألوانهم " البرصاء" ، إلا أن عداءه للزنج يتخطى اللون ليصور "أجسادهم الشائهة" ، "وعقولهم الضعيفة" و "روائحهم البخرة" . وكان ابن خلدون يعتقد أن الأفارقة أقرب إلى الحيوانات منهم إلى البشر، وأنهم يأكلون لحوم البشر . فهو يقول : "خصائص شخصياتهم أقرب إلى الحيوانات البكماء .. أنهم يسكنون الكهوف ، ويأكلون الأعشاب ، ويعيشون في عزلة وحشية ، ولا يجتمعون ، ويأكلون بعضهم البعض".
استجابات السود : -
في وجه هذه العداوة الصارخة ، يمكن تصور نوعين من ردود الأفعال : المقاومة واستبطان الاحتقار. ففي الوقت الذي تصدي بعض السود لمواجهة هذه الآراء المتحيزة ضدهم ، استسلم آخرون لمصيرهم التعيس ، وصاروا يرون أنفسهم من خلال انعكاسها العربي . ولكن المقاومة نفسها أخذت طابعين : أحدهما رفض الصورة النمطية معلنا أن اللون الأسود هو اللون الجميل ، والثاني قبل الرأى السائد بأنه قبيح ، واعتذر عنه ، وتغنى بالخصائص الإنسانية الأخلاقية . ويخبرنا عبده بدوي بما يلي :
"نظر الشعراء إلى أنفسهم وإلى ذويهم كقوم مضطهدين، ومع أن هذا الشعور بالاضطهاد يختلف من قرن إلى قرن ، ومن إلي شاعر ، إلا أن الرجل الأسود لم يتردد في أن يكون صوت احتجاج على الحياة من حوله وعلى مأساوية أوضاعه الشخصية . وسنرى فيما يلي بعض (الشعراء السود) وهم ينفجرون في وجوه أولئك الذين يشيرون إلى سواد الوانهم ، كما يشهد علي ذلك شعر "الشعراء الثلاثة الغاضبون" وهم الحيقطان ، صنيج وعاكم (أوائل القرن الثامن) . فبالنسبة لهؤلاء لم يكن يكفى أن يدافعوا عن أنفسهم فحسب . بل تراهم يفخرون بسواد ألوانهم ، وبتـأريخ قومهم السود والبلدان التي جاءوا منها ، بل كانوا يهاجمون العرب بما كان هؤلاء يفخرون به .
استبطان الاحتقار : -
المثال على استبطان الاحتقار هو نسيب الأكبر ، الشاعر ذو الأصول النوبية . إن مسلكه شبيه بمسلك "أنكل توم" في الثقافة الغربية . فقد اختار ألا يواجه المجتمع بل يتواءم معه ، ويقبل تحامله . وعندما تقدم ابنه لخطبة فتاة من عائلة مالكيه السابقين ، والذين كانوا مستعدين للموافقة عليه ، جاء نسيب وأمر بعض عبيده السود بجر ابنه من رجليه وضربه ضربا مبرحا . وقد ضرب العبيد ابنه ضربا شديدا . ثم رأى نسيب رجلا شابا من أصل نبيل ، فقال لعم الفتاة "زوّج بنت أخيك لهذا الشاب وسأقوم أنا بدفع المهر". وهكذا لم يجد ابنه أهلا للزواج من فتاة نبيلة الأصل ، بل ضربه ليعرف مكانه الصحيح . وتقول حكاية أخرى ، أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ، طلب من نسيب أن ينضم إلى ندمائه ، ولكن الشاعر اعتذر بأنه أحط من أن يستحق هذا الشرف وقال للخليفة:
"يا أمير المؤمنين ، لونى اسود ، وقامتي عوجاء ، ووجهي دميم ، ولست أهلا لهذا المكان".
وتقول قصة أخري انه كان يلوذ بالخفاء . كان يحب أن يخفى سواده عن مستمعيه ، عندما يُطلب منه أن يلقى شعره على بعض النساء ، حتى لا يجرح شعورهن . وقال في ذلك: "دعوني أقرأ من وراء حجاب . لماذا يردن رؤيتي . لونى أسود ، وشِعري أبيض . دعوهن يستمعن لي من وراء حجاب".
ويعطينا عنترة ، الشاعر الفارس ، مثالا آخر على استبطان الاحتقار . فكان يظهر كراهية لأمه الأثيوبية ، زبيبة ، باعتبارها المسؤولة عن سواده . وكان يراها تجسيدا للقبح . وكان يدعوها الضبعة ، ويشبه رجليها بساقي النعامة ، وشعرها بالفلفل الأسود .
المقاومة (1) : -
المثال علي المقاومة ، على غرار المنهج الأول ، نجده في أعمال الكاتب الكلاسيكي العظيم الجاحظ ، الذي عاش ببغداد في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) ، والذي كان هو نفسه أسود اللون . كان لا يفتأ يذكر العرب أن السود خلقهم الله ، وأنه لا يمكن أن يكون صحيحا أن الله قصد تشويه خلقه ، كما يعتقد العرب ، قال :
"لم يشوهنا الله بخلقنا سودا . فألواننا السوداء جاءت نتيجة أحوال البلاد (البيئة). والشاهد على ذلك أننا نجد السود بين القبائل العربية ، مثل بنى سليم بن منصور الذين يعيشون بالحرّة . فكل سكان الحرّة سود ، وحتى دببتها ، ونعامها ، وذئابها ، وضباعها وبغالها ومعيزها وطيورها سوداء ، بل إن هواءها نفسه أسود".
وقد كتب الجاحظ "فخر السودان علي البيضان" وهو يمجد البشرة السوداء مشبها لها بالحجر الأسود المقدس ، حجر الكعبة ، فضلا عن عناصر الطبيعة الداكنة اللون والقوية ، مثل التمر، الأبنوس ، الأسود ، النوق ، المسك ، الليل والظل . وبعد ثلاثة قرون أخري ، سينهض كاتب بغدادي آخر، هو الجوزي ، الذي عاش في نهاية القرن السادس الهجري (الثالث عشر الميلادي) ، للدفاع عن السود . وقد كتب الجوزي "تنوير الغبش ، في فضل السودان والحبش". وكان يمجد اللون الأسود ، ويمدح فضل وأخلاق ونبل ملوك وملكات السودان وأثيوبيا ، إضافة إلي صحابة النبي السود .
المقاومة (2) : -
المقاومة وفق المنهج الثاني ، تقبل سلبية اللون الأسود ، ولكنها تركز على الخصائص الأخلاقية والعقلية . والحجة هنا تتخذ الشكل التالي : "نعم نحن سود ، ولكننا ذوو فضل". الشاعر النوبي ، سحيم عبد بنى الحساس يقول :
إن كنت عبداً فنفسي حرة كرماً أو أسود اللون إني أبيض الخلق
ويقول أيضا :
أتيت نساء الحارثيين غـــــــدوةً بوجهٍ براه الله غير جميل
فشبهنني كلباً ولســـت بفوقــــــه ولا دونه إذ كان غير قليل
وقال أيضاً :
فلو كنت ورداً لونه لعشقنني ولكن ربي شانني بسواد
الشاعر خفاف بن ندبة ، وهو شاعر أسود أيضاً ، نسج على نفس المنوال . فهو يقبل حقيقة أن سواده سُبّة ، ولكنه يفخر بصفاته كمحارب صعب المراس ، يصفي حساباته مع من يذمونه في ميدان المعركة . يقول :
أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافـــــــاً أنني أنا ذلكــــــا
ويقول :
فجادت له يُمنى يديّ بطعنة كست متنه من أسود اللون حالكا
سلك عنترة نفس الطريق. فهو يقول :
ينادونني في السلم يابن زبيبة وعند صدام الخيل يابن الأطايب
ويقول كذلك :
فأنا الاسود والعبــــــد الذي يقصد الخيل إذا النقع إرتفع
نسبتي سيفي ورمحي وهما يونساني كلما إشتدّ الـــفزع
ويقول عن أمه :
وأنا ابن سوداء الجبين كأنها ضبع ترعرع في رسوم المنزل
الساق منها مثل ساق نعامـة والشعر منها مثل حب الفلفـــل
ويتمنى لو أن عبلة تقبله علي "علاته" ، أي سواده :
لعل عبلة تضحى وهي راضية علي سوادي وتمحو ثورة الغضب
ولكن أعمال المقاومة الشحيحة هذه ، لم يكن لها أثر أبعد من إثبات حقيقة الرفض . فالتحامل علي اللون الأسود صار أكثر حدة في الثقافة العربية الإسلامية ، مع نمو الإمبراطورية ، وانخراط العرب في اصطياد العبيد . وبمرور الزمن نشأ ارتباط بين العبودية والسودان ، أي السود . وكما يكتب أكبر محمد ، مع اتساع الإمبراطورية ، "اختفت بشكل كامل تقريباً ، وانهارت نزعات المساواة التي كانت سائدة علي عهد النبي ، تحت ثقل التمدن ، والتثاقف ، والانقسامات الاثنية الداخلية ، والمركزية العربية". وهذه النزعات تنعكس بصورة واضحة ، وبأشكال لا حصر لها في الأدب العربي الكلاسيكي .
لم يكن العرب ، عادة، يخاطبون السود بأسمائهم ، بل يخاطبونهم بكلمة "الأسود" أو "العبد الأسود". وعندما كان أحد الشعراء السود يلقى شعره أمام أمير أو خليفة فإن عبارة الإطراء عليه هي عادة : "أحسنت يا أسود". وكان الشعراء العرب يشعرون بالغضب والحسد عندما ينظم شاعر أسود شعرا جيدا . وكان رد فعلهم الطبيعي عندما يسمعون شعرا جيدا هو "وددت لو قلت هذا الشعر قبل هذا العبد الأسود" . وكانت طريقتهم المفضلة في إغاظة زملائهم السود أن يقولوا لهم "قل غاغ" ، أي قلّد صوت الغراب .
وتعتبر قصائد المتنبي التي يسخر فيها من كافور الإخشيدي، حاكم مصر في العصور الوسطى ، مثالا علي ذلك . فالمتنبي معروف بأنه أعظم الشعراء العرب موهبة علي مر العصور . وقد قصد كافور، العبد النوبي ، الذي تحرر واستولى علي الحكم بمقدراته العسكرية والإدارية المتفوقة . وكان المتنبي يأمل في أن يتفضل عليه كافور بإمارة يحكمها . ونظم لهذا الغرض قصائد عديدة في مدح كافور. بل وصل إلى درجة مدح لونه الأسود وأعتبره تجسيدا للجمال . ولما فشل في الحصول علي مبتغاه ، كره كافورا ، وفرّ هاربا من مصر، وبدأ حملة من التشنيع والهجاء ضد كافور. وقام بنظم قصائد في هجاء كافور، تعتبر من عيون الشعر من حيث خصائصها الفنية ، وسماه "الأسود المخصي"، والزنجي الدميم . في كل هذه القصائد كان المتنبي يعيّر كافورا بلونه الأسود . ويقول في إحداها :
وأسود مشفره نصفه يقال له أنت بدر الدجى
وهو يسخر من المصريين أيضا ، ويدعوهم مضحكة الأمم ، لأنهم يرضون بكافور حاكماً لهم . ويهجو كافوراً بسواده في أبياته المحفوظة عن ظهر قلب من قبل كثير من السودانيين ذوي الثقافة العربية:
العبد ليس لحر صالح بـــــــأخ لو أنه في ثياب الحر مولود
لا تشتر العبد إلا والعصا معــه إن العبيد لأنجاس مناكيـــــد
إلي أن يقول :
من علم الأسود المخصي مكرمةً أقومه البيض أم آباؤه الصيــــــــد
أم أذنه في يد النخاس دامـــــــيةً أم قدره وهو بالفلسين مـــــــردود
أولَى اللئام كويفير بمعـــــــــذرة في كل لؤم وبعض العذر تفنيـــــد
وذاك أن الفحول البيض عاجزة عن الجميل فكيف الخصية السـود
ومن المدهش أن الشماليين عندما يقرأون هذه القصائد ، فانهم ينحازون إلى المتنبي وليس إلي كافور، رغم أن كافوراً كان رجلاً نوبياً ، وبمعنى معاصر كان سودانياً شمالياً .
المصادر الإسلامية ورمزية اللون : -
ذكرنا من قبل أن الثقافة العربية الإسلامية ، في نظامها الرمزي ، تجعل اللون الأبيض هو المقياس والمثال ، وتذم اللون الأسود . وسواء في الشعر قبل الإسلامي ، أو في القرآن ، أو في الفقه الإسلامي الكلاسيكي ، وفي الأدب القديم والمعاصر، يصور اللون الأبيض كرمز للجمال ، والبراءة ، والنقاء، والأمل .. بينما يمثل اللون الأسود نقائض هذه المعاني .
ويحتوى القرآن نوعين من الخطاب ، أحدهما واع باللون والآخر أعمى لونياً . أحدهما يمدح اللون الأبيض ، ويذم الأسود ، والآخر محايد لونياً حياداً كاملاً . الأمثلة على الخطاب الأول هو الآيات التالية :
"يوم تبيضّ وجوهٌ و تسودّ وجوهٌ، فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . وأما الذين ابيضّت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون". (آل عمران، آيات 106و107) ."ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسوّدة . أليس في جهنّم مثوى للمتكبرين" (الزمر،آية 60) . "وإذا بُشّر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظلّ وجهه مسودّاً وهو كظيم" ( الزخر، آية 17) .
نماذج على الخطاب القرآني الثاني ، في هذه الآيات.التالية:
"ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ، إن في ذلك لآياتٍ للعالمين" (الروم، آية 22) . "يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم . إن الله عليم خبير". (الحجرات آية 13) . والأحاديث النبوية كذلك لها نفس الخصائص للمستويين المتوازيين للخطاب . نموذج المستوى الأدنى للخطاب مثل"أسمعوا وأطيعوا أولي الأمر منكم وان تأمّر عليكم عبد حبشي ..............". المستوى الأعلى من الأحاديث النبوية يبشّر بوحدة وتساوي الجنس البشري رغم اختلافات اللون ، اللغات ، والعادات . نموذج لذلك "كل الناس سواسية كأسنان المشط" ، و "كلكم لآدم وآدم من تراب" .
في التعامل مع هذين النوعين من الخطاب ، تبنيت فكرة محمود محمد طه ، حول ثنائية الخطاب القرآني . فطه يعتقد أن القرآن يحتوي مستويين من الخطاب ، أدنى وأعلي ، خاص وعام ، زمني وخالد . المستوى الأدنى يعكس ، بدرجة ما ، القيم العربية المحددة ، والأيديولوجيا والثقافة الخاصة بالقرن السابع . وهو محدود تاريخياً ، ولذلك ، يعكس ويستوعب بعض نقائص العرب وأهوائهم . أما النوع الأعلى ، فيعكس القيم الإنسانية ويرمي ، بالتالي إلي رفع العرب ، وكل المسلمين ، إلي مستوى هذه القيم الإنسانية الشاملة . المستوى الأدنى نسخ المستوى الأعلى . ومشكلة المسلمين هي أنهم ينظرون إلي هذا النسخ كظاهرة أبدية وغير قابلة للمراجعة . ولكن طه ، من الجانب الآخر، يقول أن هذا النسخ ليس أبديا ولا نهائيا ، ويحث المسلمين على الارتفاع من المستوى الأدنى إلي المستوى الأعلى ، بعكس عملية النسخ ، وإحداث بعث جديد على هذا الأساس .
وكما أوضحنا بالنوع الأول من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، فإن اللونين الأبيض والأسود يستخدمان كرمزين للخير والشر، للحظ السعيد والحظ السيئ ، للسعادة والشقاء . هذا المستوى الانتقالي للقرآن والسنة ، يعكس تحيز العرب ضد السود ، ويجعل اللون الأبيض هو اللون الصحيح . وعلى أساس هذه الحجج التي سقناها ، يمكن للمرء أن يقول أن هناك علامات ظاهرة توضح أن الثقافة العربية الإسلامية ، في مجراها الرئيسي ، تنظر إلي نفسها كثقافة بيضاء.
الاغتراب عن الذات : -
الهوية الثقافية العربية هي انعكاس خارجي للنفس العربية . أنها تعكس تصورهم للعالم ، وهو تصور لابد أن يكون مختلفا عن تصورات الآخرين للعالم ، وذلك لأن الناس يفهمون العالم من خلال الثقافة وليس من خلال الطبيعة . إن اللغة العربية تعكس العالم كما تراه العيون العربية ، وذلك لان هناك علاقة قوية بين الكلمة والعالم( word & world)، وبين الخطاب والكون . فالكلمات هي التعبيرات اللفظية عن محتويات الكون . وفي تحليلاته النفسية للثقافات الغربية توصل لاكان إلي أن الثقافات الغربية واللغات الغربية ، تتميز بالذكورة . وعندما تستخدم النساء هذه الثقافات ، لا يستطعن أن يكن فاعلات كنساء . وعندما يتحدثن فإنما يتحدثن لغات مذكرة . ولا يستطعن ، بالتالي ، في إطار البنية القائمة لهذه اللغات ، أن يحققن رغباتهن ككائنات متحدثة . ويوضح لاكان كذلك كيف يدخل الطفل إلي عالم اللغة من خلال "رمزيتها الاجتماعية" وتحدث هذه العملية بالتماهي مع الأب والاغتراب عن الأم . وككائن متكلم فإن الطفل "ينمو داخل عالم الأب " .
يمكن إثارة نقطة مشابهة في علاقة الشماليين باللغة العربية . فعندما يدخل الطفل الشمالي عالم اللغة العربية ، فهو أو هي ، يدخل في عملية التماهي مع الأب العربي ، والاغتراب عن الأم الأفريقية ، ولكن الشماليين يشعرون بالوجود الظاهر للأم في جلودهم ووجوههم ، وكما أوضح فرانسيس دينق : "ولا يحتاج الأمر إلي عالم متخصص في علم النفس الاجتماعي، لاستنتاج أن هذا الاحتقار لبعض العوامل الظاهرة في ملامح الوجه ، لا بد علي مستوى ما من مستويات الوعي أن يسبب لصاحبه درجة من التوتر والتشويش" . ولكن طريقة الشماليين في التعامل مع هذا التوتر والتشويش ، تعتبر متفردة نوعا ما . فبدلاً من محاولة إعادة صياغة وتدجين اللغة لتناسب ملامحهم ، فإنهم يخترعون صورة خيالية لوجوههم لتلائم اللغة . ولذلك يتفادون استخدام كلمة "أسود" لوصف أنفسهم ، ويصرون إصرارا مبالغا فيه علي أصلهم العربي". ويحدثنا أحمد الشاهي الذي درس قبيلة الشايقية قائلا : "من الوقاحة أن تصف الشايقي بأنه أزرق (أسود) ، حتى ولو كان لونه كذلك ، لأن هذا الوصف يساويه بالعبد".
ومن الأمثلة الصارخة علي وجود هذا التوتر، هذا المقتطف من خطبة للشريف زين العابدين الهندي ، أحد القادة السياسيين البارزين في الشمال . فقد قال :
"أنا عربي. وأعرف أنني عربي . ولا يستطيع أحد أن يناقشني في ذلك. فأنا أملك شجرة نسب. فأنا فلان بن فلان بن محمد رسول الله. ولكن، من الجانب الآخر، يستطيع أي فرد أن يشير إلي أفريقيتي. فقد جئنا (نحن)، واختلطنا (معهم)، والنتيجة هي هذه (الخِلَقْ) القبيحة التي صرنا عليها".
"نحن" في المقتطف تشير إلي العرب ، و"هم" تشير إلي الأفارقة النوبيين ، و"هذه الخلق التي صرنا عليها" تشير إلي الحاضر، إلى الشماليين الموجودين الآن . والعبارات تعبر عن التماهي مع "الأب" ، والاغتراب عن الأم "هم" وكراهية الذات (هذه الخلق التي صرنا عليها) . هذا هو المثال الأكثر فصاحة لمفهوم دوبوا عن الشخص الأسود الذي "يرى نفسه من خلال عيون العالم الآخر، والذي يزن روحه في ميزان يبخسها ولذلك ينظر إلى هذه العملية باستمتاع يختلط بالاحتقار والشفقة". ويعتبر تماهي الشماليين ، مع المتنبي ، في هجائه لكافور، النوبي ، مثالا آخر علي تكوين نفسي منحرف .
تشعر النخبة السياسية والثقافية الشمالية ، بالحاجة لترداد أنها عربية . ويشعرون بالضيق من كلمة "السودان". وقد قال الطيب صالح ، الروائي ذو الصيت العالمي ، ما يلي :
"تمنيت لو أن قادتنا سموا هذه البلاد سنار. ربما يكون السبب وراء عدم استقرار هذا البلد أن اسمه (السودان) لا يعنى شيئا بالنسبة لأهله . فما السودان؟ مصر هي مصر، واليمن هو اليمن ، والعراق هو العراق ، ولبنان هو لبنان . ولكن ما السودان؟ فالاستعماريون أطلقوا هذا الاسم علي المنطقة التي تمتد من أثيوبيا في الشرق وحتى السنغال في الغرب . الأمم الأخرى أطلقت علي أوطانها أسماء تعنى شيئا بالنسبة لها ، وتركنا وحدنا نحمل هذا العبء علي أكتافنا .
كراهية السواد تنبع من التماهي مع العرب ، وتبنى منظورهم للعالم . وهذا الاقتراح بتغيير اسم البلاد ليس جديدا ، فقد ظهر مباشرة بعد الاستقلال . والسبب الأساسي وراء الاقتراح هو معنى الاسم وإيحاءاته . فكلمة (سوداني) يستخدمها الشماليون كمرادف لكلمة (أسود) وكلمة (عبد) . وهذه الكلمات تستخدم للدلالة علي العبودية أو الأصل العبودي ، أي لأولئك الذين ينتمون لجماعات غير عربية مسلمة ، سواء من الجنوب أو جبال النوبة . بالنسبة للشمالي أن تكون سودانيا يعني أن تكون أسودا ، وأن تكون أسودا يعني ، بدوره مستوي اجتماعيا أدنى ، وأصلا أدنى . ويتفق أغلب الباحثين الذين درسوا السودان ، مثل هيذر شاركي وأحمد شاهي ، أن وصمة (السواد) متأصلة في تراث الرق ، خاصة وأن كل الأسر الشمالية تقريباً ، في منطقة الوسط النيلي ، كانت مالكة للعبيد . ومع أن هذا صحيح ، إلا أنني أعتقد أنه لا يمثل كل الحقيقة . فهناك مستوى أعمق تجد فيه وصمة (السواد) أصولها ، وهو الثقافة العربية ، التي تحتقر السود ، كما رأينا من قبل . فالشماليين لم يدجنوا الثقافة العربية ، واللغة العربية والقيم العربية ، بل استبطنوها جميعا . وهذا هو السبب في كونهم يرون العالم من خلال العيون العربية ، رغم المفارقات ، ورغم ابتذال الذات المترتب على هذه النظرة . ومن الملاحظ بصورة عامة ، أن الشمالي كلما تبحر في اللغة العربية والأدب العربي ، كلما بالغ في تأكيد أصله العربي ، وكلما أمعن في كراهية (السواد) وكلمة (سوداني) . ويحدثنا خالد حسين أحمد عثمان أن أعضاء جمعية "أبو روف" (رفضوا بعد الاستقلال ، أن يقدموا لاستخراج الجوازات ، لأن الفرد منهم كان مطالبا بتسجيل أسمه كسوداني قبل أن يحصل علي الجواز) ولذلك فإن عبارة الطيب صالح تعبر عن تجديد لرغبة شمالية قديمة للتخلص من لعنة اسم (سوداني) . ولو أخذناها مقروءة مع ما قاله الهندي ، لوضعنا أيدينا علي الرغبة لهروب المرء من جلده ، أو تبييضه ، من خلال الخطاب ، ليشبه جلدا عربيا . ويصيب دينق عين الحق .
ابوبكر
03-10-2008, - 02:09 AM
الأربعاء شباط 28 - 2007
أزمة الهوية في السودان (1)
في السودان بشكل مختصر
أزمة الهوية هي احد المشاكل التي عانت وما زالت تعاني منها الدولة السودانية ، وقد ظل المثقفين من أبناء الثقافة العربية يقدمون رؤيتهم الخاصة بهم ويفرضونها علي الشعب السوداني بتعدده وتنوعه (( التاريخي والمعاصر )) علي أنه شعب (( عربي كريم )) وإذا طرحنا سؤال : هل الشعب السوداني هو شعب عربي كريم أم هو شعب سوداني كريم؟ ياتري ماذا تكون الإجابة . وبكل بساطة سوف تكون الإجابة علي السؤال حسب انتماء الفرد العرقي او الثقافي او الفكري (الايديولوجي) ...الخ . فهناك جزء كبير من العرب في السودان ينظرون الي هوية السودان باعتبارها: (( هوية عربية )) وبنفس القدر هناك جزء من غير العرب في السودان ينظرون الي هوية السودان باعتبارها :((هوية افريقانية)) ومنذ محاولات ( سليمان كشة وعلي عبد اللطيف ) ظهرت قضية الهوية في السودان كقضية فكرية سياسية وقد أخذت بعد ذلك اتجاها أدبياً يظهر في محاولات (حمزة الملك طمبل) التي سعي من خلالها لتأسيس خطاب سوداني ((مواز /او مقابل)) للخطاب العروبي السائد المتمثل في مذهب : (البنا والعباسي وغيرهما ...) واستمرت المسالة حتى الستينيات وخلال الستينيات ظهر جيل أكثر حداثة . حيث ذهب المثقفين من هذا الجيل الي افتراض خيارات لهوية السودان ، فمنهم من قال: (بعروبة الشعب السوداني) ومنهم من قال : (بافريقانية الشعب السوداني) ومنهم من ذهب إلي التوفيق بين الاثنين (العروبة والافريقانية) ليصل الي ما عرف بمدرسة (( الغابة والصحراء )) او ((الافرو عروبية)) وسوف نقدم نمازج من هذه المدارس بغرض توضيح التطور الفكري التاريخي لقضية الهوية . وسوف نناقش موضوع الهوية في السودان بالقدر الذي يمكننا من نقل رؤيتنا لهذه الأزمة وكيفية إيجاد الحلول اللازمة .
المدرسة العروبية :-
قامت هذه المدرسة في أدبياتها علي ما كتبه عبد الرحمن الضرير في كتابه العربية في السودان بدافع اثبات عروبة السودان دون الالتفات الي العناصر غير العربية الموجوده في السودان ، وتبعه في ذلك محمد عبد الرحيم في كتابه نفثات اليراع في الادب والتاريخ والاجتماع ، حيث دافع عن عروبة السودان وعن اسلاميتة . هذا الي جانب التوجه الاسلاموعروبي الذي فرضته الحكومات المختلفة التي تعاقبت علي الحكم في الدولة السودانية منذ خروج المستعمر 1956م الي 1989م مما أدي الي تمكين الكيان الاسلاموعربي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وهيمنته علي جهاز الدولة وتهميش الاخر الثقافي والديني . ورأينا في هذه المدرسة انها تناولت موضوع الهوية في الدولة السودانية بمنظور ثنائي (عرب/زنوج او أفارقة كما هو متداول في اروقة الفكر السوداني) ونشير في هذا الجانب الي أن استخدام كلمة (أفارقة) للدلالة علي الزنوج او السود في السودان هو خطأ منهجي لانه يؤدي الي خلط مفاهيمي بين ما هو ((جغرافي)) كالانتماء للقارة الافريقية جغرافياً وما هو ((عرقي او ثقافي او اثني)) مثل الانتماء للعروبة او الزنوجة. وبما ان هذا المصطلح (الافارقة) اصبحت دلالته في الواقع السوداني تشير الي الزنوج او السود ، فإننا نستخدمه بهذا الفهم بعيداً عن خلطه بالجانب الجغرافي الذي يظهر احياناً بهدف المراوغة . بمعني اننا عندما نذكر لاحقا كلمة (أفارقة) نقصد بها (الانتماء العرقي / الثقافي / والاثني) وبصورة واضحة نقصد بها الزنوج او السود او غير العرب في الدولة السودانية . وهذا التقسيم الثنائي (عرب / أفارقة) الذي استخدمته المدرسة العروبية بغرض تحليل الصراع وأزمة الهوية في السودان أدي الي عدم اعتراف هذه المدرسة بالمكون الافريقي للذات السودانية مما جعل هذه المدرسة لا تحس ولا تقر ولا تعترف بوجود سودان خارج خيمة الثقافة الاسلاموعربية الامر الذي جعلها لا تقر بسودانية من هو ليس بعربي . والنتاج الطبيعي لهذ المدرسة أنها انهزمت أمام الواقع السوداني المتعدد عرقياً وثقافياً واثنياً وفشلت في ايجاد حل لمشكلة الهوية في السودان .
المدرسة الافريقية او الافريقانية :-
هذه المدرسة نشأت لحفظ الصراع من حيث ثنائيته (عرب / أفارقة) فالحديث عن الافريقانية في السودان يقوم علي استيعاب الكيانات الافريقية ، لكن لا توجد كتابات عن سودان أفريقي الثقافة ، لذلك كان وجود هذه المدرسة نظري افتراضي لم يشهد له الفاعلية في تشكيل المواقف وبنائها في السودان بل كان الاتجاة الاكثر فاعلية هو الاصوات التي ارتفعت مطالبة بحقوق الكيانات الافريقية في السودان ورد الاعتبار للمكون الافريقي. ورغم فشل هذه المدرسة في تشكيل موقف قوي ينادي بسودان أفريقي الهوية بعيداً عن الاطار الجغرافي الا أننا نوضح رأينا فيها بغرض توضيح سلبياتها. رأينا في هذه المدرسة انها لا تختلف عن المدرسة العروبية في الفهم والمضمون لانها أيضا لا تعترف بسودانية الكيانات غير الافريقية وبكل بساطة هذه المدرسة اقصائية تتعامل بالمنظور الثنائي ولا يمكن ان تقدم اية حلول لازمة الهوية في الدولة السودانية لانها لم تأخذ كل حقائق الواقع السوداني .
المدرسة الافروعروبية :-
1/ أو الغابة والصحراء :-
حيث ترمز الغابة الي أفريقيا والصحراء الي العروبة ونشأت هذه المدرسة داخل المدرسة الاكاديمية الا أن الاصدارات العلمية الاكاديمية كتلك التي قدمها يوسف فضل وسيد حريز وفرانسيس دينق ، لم تظهر الا في أوخر الستينات وأوائل السبعينات ، لذلك تبدو دعوة الافروعروبية وكأنها خرجت من اطارها الاكاديمي الي الشارع السوداني من خلال المقالات الادبية التي قدمها في الصحف كل من محمد عبد الحي ، صلاح احمد ابراهيم ، محمد المكي ابراهيم والنور عثمان أبكر ، الذين أدانوا ثقافة الكف والصرامة التي تتميز بها العروبة ومجدوا في المقابل الطابع الانفلاتي الذي تتميز به الثقافة الافريقية حسب رؤيتهم . ولقد أرست هذه المدرسة اتجاهاً جديدا يعترف بالمكون الافريقي ويضعه - نظرياً- علي قدم المساواة مع المكون العربي وذلك من خلال تساوي الغابة والصحراء . وتعتقد هذه المدرسة ان انسان سنار الذي هو أساس التركيبة الهجين للسودانيين الشماليين هو النموذج للانسان السوداني وتأمل في أن تزيل العوائق بين الجنوب والشمال عبر الامتزاج ومحصلة الامتزاج بين الجنوب والشمال في نظر الآفروعروبيين ستكون بمثابة طبعه لاحقة للسودانيين الشماليين الذين لا عيب فيهم سوى تجاهلهم لتراثهم الافريقي .رأينا في هذه المدرسة هي متقدمة لحد ما عن المدرستين أعلاه لكنها لا توجد في الواقع لانها تعتمد علي التنظير المجرد الذي لا يتطابق مع السلوك والممارسات في الواقع ومع ذلك أنها تطور للافضل علي الاقل في المستوي النظري ونري فيها عيوب تتمثل في التمسك بالثنائيات التي تصنف السودانيين الي عرب وأفارقة ومن ثم تتعامل معهم علي هذا الاساس دون الالتفات لسودانيتهم ومن ثم رغبة هذه المدرسة في اعادة انتاج السودانيين علي طراز انسان سنار الذي تمثل دولته أساس الاشكالات في الدولة السودانية . ولقد عادت قضية الهوية الي الساحة السياسية مرة أخري مؤخرا ، وهذه المرة من خارج الخطاب الرسمي للمركز ومثقفيه ، وبذلك تجاوز سؤال الهوية الإطار الأدبي الذي يقدمه مثقفي المركز والذاتي الذي يقدمه أبناء الثقافة العربية ، واخذ طابع شعبي عام وهذا الطابع يمثله أبناء الهامش الثقافي والتنموي ، الذين وقع عليهم ((التهميش المركب/ والذي يعني القهر (الحرمان) الثقافي الذي يقود للتهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحرمان التنموي المتمثل في انعدام التنمية في مناطق هذه الكيانات)) وبذلك فرضت هذه الكيانات والمجموعات المهمشة أجندتها الحربية من اجل استرداد هويتها وكل حقوقها التي هضمها المركز ، وبهذا تحول موضوع الهوية إلي احد الأولويات في حلبة الصراع الدائر في السودان . إن الهوية في رأينا قضية فكرية في المقام الأول لأنها في الواقع تمثل جزء من آليات و وسائل تحقيق المصالح المادية او المعنوية او الاثنين معا مثل: (السلطة والثروه والوجاهة الاجتماعية ، ......... الخ). لذلك مهما تناول الكتاب قضية الهوية بصورة أكاديمية او مدرسية او عبر المناهج النقدية ((وكل هذا له قيمته)) إلا أن جوهر القضية سيظل مرتبط برد الاعتبار وتحقيق المصالح المادية والمعنوية التي فقدها المهمشين ثقافيا بسبب تجريدهم من هويتهم ، ولا تكون الأفضلية لكاتب او باحث في موضوع الهوية إلا بمقدار ما يقدمه من معرفة بالواقع الذي نعيش فيه وكيفية معالجة مشاكله وتذليل الصعوبات التي تواجهه . ولكي نوضح بشكل دقيق الغرض من موضوع الهوية في هذه الورقة نقوم بطرح بعض الأسئلة :-
ما هي هذه الهوية ؟
ما مشكلة هذه الهوية في السودان ؟
وهل يمكن أن نخلق هوية مشتركة تجمع كل الشعب السوداني بتعدده وتنوعه التاريخي والمعاصر ؟
ونجاوب علي السؤال الأول
(ماهي الهوية ؟)
لتوضيح بعض الجوانب المتعلقة بتعريف الهوية .
الهوية هي :-
((حقيقة الشئ او الشخص التي تميزه عن غيره . وعندما تضاف إليها كلمة "بطاقة" تصبح بطاقة الهوية وفي التعامل الراهن الهوية تعني "البطاقة" التي توضح اسم الشخص وجنسيته وعمله )). ووفقا لهذا التعريف تكون الهوية في إطار الأشخاص والأشياء بغرض توضيح التمايز وإثبات الشخصية ، أما فيما يتعلق عن أزمة الهوية في السودان فنضيف الي هذا التعريف قصدنا من الموضوع وهو ((هوية الدولة السودانية)) . إذن، ما هي الهوية التي تميز الدولة السودانية وتمثل القاسم المشترك لكل السودانيين بمختلف ثقافاتهم واثنياتهم وأعراقهم وأديانهم ...... ؟ . وهذا ما نجاوب عليه لاحقا في رؤيتنا لحل مشكلة الهوية في السودان ، لانه حتي الآن لم تتشكل هوية سودانية تعترف بكل المكونات : التـأريخية و الثقافيه والاثنية والدينية للدولة السودانية ، وما نتج من عدم الاعتراف هذا هو تعميم القومية العربية علي كل السودانيين مما أدي الي ظهور مشكلة الهوية في السودان . وللإجابة علي بقية الأسئلة لابد من توضيح بسيط للواقع الذي نتحدث عنه لنتمكن من الدخول إليه من أوسع مداخلة .
خلفية تاريخية :-
السودان برقعته الجغرافية وحدوده السياسية المعروفة اليوم ، كان وما يزال تسكنه مجموعات مختلفة ، متنوعة ومتعددة عرقياً وثقافياً واثنياً ، ومتفاوته تاريخاً من زاوية التطور ومتوزعة في أرجائه وانحائه المختلفة . حيث ما زال جزء من هذه القبائل والأعراق يعيش في بيئاته الطبيعية بطريقته الخاصة عبر قيمه وعاداته ولغاته وعقائده . وقد تطورت بعض الكيانات النيلية وأسست لها نظماً حضارية متقدمة مثل دولة مروي في شمال السودان ، وعلي هذا الأساس كان مفهوم الدولة جزء من ثقافة تلك الكيانات وهذا هو احد وجوه التفاوت التأريخي لهذه الكيانات مقارنة بالكيانات الاخري التي لم تصل الي مرحلة الدولة في تطورها . ويمكن ان نفترض اختلاط تلك الكيانات مع بعضها بدرجات متفاوتة كما يمكن ان نفترض انشقاق بعضها واستقلاله وقد لا يكون هذا الاختلاط والاستقلال متأكد منه تاريخياً ((لكن الدراسات الإنسانية والتحليلات الثقافية تدعو لأخذ هذه الافتراضات في الحسبان عند الحديث عن تأريخ السودان القديم )) وخاصة في العصور المسيحية . أما في العهد الإسلامي فقد دخلت إلي السودان الثقافة العربية الإسلامية في صورة استعمار استيطاني ومنذ مملكة الفونج اكتسبت لها مواقع في السودان ضمن كياناته وثقافاته المتعددة حيث كانت الثقافة العربية الإسلامية مسنودة بخلفيتها الإمبراطورية من الناحية المادية والمعنوية بما يعرف ((بالمد الحضاري العربي الإسلامي)) الذي ينتشر عن طريق الفتوحات العربية الإسلامية ، ومن أهداف هذا المد الحضاري العربي الإسلامي هو نشر الإسلام والعروبة ، وهذا يعني تربية الناس الذين يقعوا تحت سيطرة هذا الفتح ، علي قيم وعادات وتقاليد الثقافة العربية الإسلامية ، أي فرض الهوية ((الاسلامو عروبية)) ومن ثم إلحاق الكيانات الاخري غير العربية بالحضارة العربية الإسلامية وفي هذا الجانب نوضح بعض المفاهيم التي يتم ذكرها باستمرار عند الحديث عن ازمات الدولة السودانية .
الثقافة العربية الاسلامية في السودان :-
هي مجمل التراث العربي الاسلامي في حالة تجرده من التشكيلات السياسية المرتبطة بتحقيق المصالح ، وبهذا المعني تصبح الثقافة العربية احد مكونات الواقع السوداني وواحدة من الثقافات الموجودة في السودان ولها الحق في التعبير عن نفسها مثلها ومثل اية ثقافة سودانية أخري بعيداً عن جهاز الدولة السودانية الذي نناضل من اجل ان يمثل كل الثقافات السودانية ويدير التعدد والتنوع الموجود في السودان بشكل حيادي يضمن الحرية والعدالة والمساواة للجميع دون تمييز .
الثقافة الاسلامو عربية :-
هي مجموع المحددات السلوكية والممارسات والافكار التي تفرضها الدولة السودانية علي كل الشعب السوداني عبر سياسة الاسلمة والاستعراب بوصفها وعياً إجتماعياً وثقافياً لتبرير المصالح المادية والمعنوية التي إكتسبها الكيان الاسلاموعربي وإضفاء المشروعية لهذه الممارسات والأفكار ، وبهذا تصبح الثقافة الاسلامو عربية " أيدلوجيا " نسميها في كتاباتنا ب (الايدلوجيا الاسلاموعروبية) ، وتعني :((تطويع وتفسير وتأويل الدين الاسلامي علي الثقافة العربية لإنتاج ما نسمية الثقافة الاسلاموعربية)) ، ومن ثم فرض هذه الثقافة علي كل الشعب السوداتي عبر السلطة السياسية ، بغرض تهميش الآخر الثقافي والديني لتحقيق المصالح الخاصة للذين ينتمون للسلطة السياسية وتوجهاتها . وبعد انهيار الحضارة العربية الإسلامية أصبحت هناك مشكلة في هذه الحضارة بالإضافة الي مشاكل الثقافة العربية الاخري الخاصة بها ، مما أدي الي نقل كل هذه المشاكل مجتمعة الي الدولة السودانية فيما بعد . وهذه المشاكل نقوم بتوضيحها بغرض توصيل الفهم بصورة متكاملة وازالة اللبس وذكر الحقائق بصورة دقيقة وواضحه .
أولا :-
المشاكل والأزمات الداخلية للثقافة الاسلاموعربية :-
ونقوم بتوضيح هذه المشاكل في النقاط الاتية :-
(1)
النظام الأبوي القائم علي التشدد العرقي:-
وفي هذه النقطة يقوم الكيان الإسلاموعروبي بعملية الزواج الأحادي ، حيث يتزوجون من نساء الافارقة ويمنعون نسائهم من زواج الرجال الافارقة وبهذه الطريقة تم تعريب أجزاء عديدة من شمال وأواسط السودان وتحول جزء كبير من النوبيين الموجودين في الشمال (محس / دناقلة / سكوت /......الخ) الي مستعربين عرقياً عبر طريقة الزواج الاحاديه ومستعربين ثقافياً عن طريق إلغاء ثقافاتهم ومحاربة لغاتهم . ونتاج عملية الزواج الأحادية اعلاه يتم إنتاج ((عائلة /او ذرية /او أسرة)) مستعربة لا يتم الاعتراف بمكونها الأخر حيث تصبح علاقة النسب محسومة بإتجاه الأب والأعمام. وهكذا بمرور الزمن ينمو الكيان العروبي علي حساب الكيانات الاخري التي تتآكل في نهاية المطاف . أما الاسلمة ، فعبر الدعاة ومؤسسات التعليم الحديثة لاحقاً ، يدخل الناس الإسلام وهذا الإسلام يحمل بداخله محددات الثقافة العربية (اللغة ، العادات ، التقاليد ، ......الخ) وما ينتج من هذه المحددات من أفكار تجعل من المسلم العربي أعلي شأن باعتباره حامل الرسالة الأصلي أو علي الأقل هو الأكثر فهماً لما جاء به الإسلام وهكذا يواصل الكيان العروبي انتشاره خاصة في منع زواج المسلمة من غير المسلم وإباحة زواج المسلم من غير المسلمة) . وتصبح المشكلة فيما تولده هذه الطريقة في التعامل من استعلاء ديني وعرقي واجتماعي خاصة في وجود التعددية .
إرتباط الهوية بالجغرافيا والتأريخ يشرح الكثير من مكونات الهوية للمجتمع الذي نريد وصف هويته أو تحديده .. فبالإضافة إلي عامل اللغة التي تشكل الركيزة الأولي في تحديد الهوية هناك عوامل أخري لابد من توفرها حتي تسهل عملية تحديد الهوية للمجتمع المراد ، فالإثنوجولجيا والإنثوغرافيا السكانية هي من العوامل الأساسية لتحديد هوية إنسان هذا المجتمع المراد تحديد هويته .
وفي ورقة الدكتور عفيف والدكتور عبدالله بولا يوردان مسألة الهروب من اللون الأسود ، والإستعاضة عن سواد البشرة بالسمرة ، ويدلالان بالثقافة الغنائية .. من شاكلة أسمر يا أسمر .. أو أسمر جميل عاجبني لونو .. وكحل سواد الليل عيونو .. أو أخضر .. حيث يقول دكتور عفيف أن الشمالي يحاول الخروج من مأزق السواد بالخضرة أيضاً .. وهم هنا إناسٌ سود حملوا ثقافة البيض .. في إشارة إلي العرب !! والمعروف أن العرب أيضاً مصنفيين من السود كما ورد في التصنفات العالمية ، وحتي في رسالة الجاحظ ( فضل السودان علي البيضان ) حيث يعود الجاحظ في التصنيف إلي حديث الرسول الكريم ( أرسلت إلي بني الأسود والأحمر ) ومن ثم يقول وإن كنا نحن السود ’’ أي السودانيين أو الأفارقة ‘‘ فإن العرب لونهم مشتق من الأسود الثابت ، وتغيروا إلي السمرة ، فنكون نحن أصحاب الفضل . لأن بني الأحمر هم الأوربيون . وإن كانت جدلية اللون والشكل من الأشياء المتحركة ’’المتغيرة حسب الظروف المناخية والعوامل الوراثية المتجددة ‘‘ ، وغير الثابتة علي غرار متين ، فعلينا أن ننتقد هوية الإنتساب إلي اللغة ، فلا يعني أن متحدث بلغة قد تشرب من تلك الهوية وتقمصها .. فإن كنا نتحدث العربية في السودان لا يلغي المكون السوداني جغرافياً وتأريخياً ، فالموروث السوداني من الثقافة المحلية والإرث القديم غني وثري من دون الحاجة إلي التماهي مع الثقافة العربية أو الإنقياد له . مع إحترام الثقافة العربية الوافدة مع أهلها إلي السودان .
ابوبكر
ابوبكر سيد احمد
11-10-2008, - 05:09 PM
لم اجد تعريفا واحدا موحدا للهوية باي من اللغتيين الاكثر انتشارا في منطقتنا (العربية والانجليزية) فللهوية تعريفات واستعمالات كثيرة من بطاقة صغيرة تحمل الاسم والعمر والجنس الي "جنسية" تبين مكان وزمن الميلاد الي جواز سفر .. وهنا اشير فقط الي نموذجيين :
بالعربية والانجليزية : من الموسوعة المفتوحة ويكبيديا :
الهـُويـَّة:
جاء مصطلح الهوية في اللغة العربية من كلمة : هو. الهوية هي مجمل السمات التي تميـّز شيئاً عن غيره أو شخصاً عن غيره أو مجموعة عن غيرها. كلّ منها يحمل عدة عناصر في هويته. عناصر الهوية هي شيء متحرك ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة وبعضها الآخر في مرحلة أخرى. الهوية الشخصية تعرّف شخصاً بشكله واسمه وصفاته وسلوكه وانتمائه وجنسه. الهوية الجمعية ( وطنية أو قومية) تدلّ على ميزات مشتركة أساسية لمجموعة من البشر، تميّزهم عن مجموعات أخرى. أفراد المجموعة يتشابهون بالميزات الأساسية التي كوّنتهم كمجموعة، وربما يختلفون في عناصر أخرى لكنها لا تؤثر على كونهم مجموعة. فما يجمع الشعب الهندي مثلاً هو وجودهم في وطن واحد ولهم تاريخ طويل مشترك، وفي العصر الحديث لهم أيضاً دولة واحدة ومواطنة واحدة،كل هذا يجعل منهم شعباً هندياً متمايزاً رغم أنهم يختلفون فيما بينهم في الأديان واللغات وأمور أخرى. العناصر التي يمكنها بلورة هوية جمعية هي كثيرة، أهمها اشتراك الشعب أو المجموعة في: الأرض، اللغة، التاريخ، الحضارة، الثقافة، الطموح وغيرها. عدد من الهويات القومية أو الوطنية تطوربشكل طبيعي عبر التاريخ وعدد منها نشأ بسبب أحداث أو صراعات أو تغيّرات تاريخية سرّعت في تبلور المجموعة. قسم من الهويات تبلور على أساس النقيض لهوية أخرى. هناك تيارات عصرية تنادي بنظرة حداثية إلى الهوية وتدعو إلى إلغاء الهوية الوطنية أو الهوية القومية.
A nation is a human cultural and social community. In as much as most members never meet each other, yet feel a common bond, it may be considered an imagined community. One of the most influential doctrines in Western Europe and the Western hemisphere since the late eighteenth century is that all humans are divided into groups called nations.[1] Nationhood is an ethical and philosophical doctrine and is the starting point for the ideology of nationalism; a nation is a form of self-defined cultural and social community.[2] Members of a "nation" share a common identity, and usually a common origin, in the sense of history, ancestry, parentage or descent. A nation extends across generations, and includes the dead as full members. Past events are framed in this context: for example, by referring to "our soldiers" in conflicts which took place hundreds of years ago. More vaguely, nations are assumed to include future generations.
Though "nation" is also commonly used in informal discourse as a synonym for state or country, a nation is not identical to a state. The people of a nation-state consider themselves a nation, united in the political and legal structure of the State. While traditionally monocultural, a nation-state may also be multicultural in its self-definition. The term nation is often used as a synonym for ethnic group (sometimes "ethnos"), but although ethnicity is now one of the most important aspects of cultural or social identity, people with the same ethnic origin may live in different nation-states and be treated as members of separate nations for that reason. National identity is often disputed, down to the level of the individual.
Almost all nations are associated with a specific territory, the national homeland. Some live in a historical diaspora, that is, "scattered" or "sown"[3] outside the national homeland. A state which explicitly identifies as the homeland of a particular nation is a nation-state, and most modern states fall into this category, although there may be violent disputes about their legitimacy. Where territory is disputed between nations, the claims may be based on theory called Urrecht, in which history is brought to bear to legitimise present occupancy: Phoenicianism and Zionism are two such historicised nation-building doctrines. National founding myths are etiological legends that when examined in historical contexts are found to answer quite specific issues, which generated them.[4] Especially in Canada the term "First Nations" is used for groups which share an aboriginal culture, and have or seek official recognition or autonomy.
واري ان في السودان هويات وليست هوية واحدةوهذا هو الحال في دول كثيرة اخري اختارت ان تعيش في حيز جغرافي معين طوعا في زمن ما ولكنها لم تنصهر في هوية واحدة (وليس بالضرورة ان تكون كذلك) ولكن ما يهم ان ترتبط كل تلك الهويات بثوابت مقبولة لديها جميعا تعمل وتعيش من اجلها وتدافع عنها ...فالولايات المتحدة الامريكية وهي القوي الكبري او اكبرها سكانها من شعوب مهاجرة مختلفة ذات هويات مختلفة ولكنها اتفقت علي ثوابت من نظام ومؤسسات قانونية وسياسية واجتماعية تعكس طموحاتهم في خلق دولة قوية موحدة...
والله اعلم
ابوبكر سيداحمد
ابوبكر
11-10-2008, - 11:47 PM
واري ان في السودان هويات وليست هوية واحدة وهذا هو الحال في دول كثيرة اخري اختارت ان تعيش في حيز جغرافي معين طوعا في زمن ما ولكنها لم تنصهر في هوية واحدة (وليس بالضرورة ان تكون كذلك) ولكن ما يهم ان ترتبط كل تلك الهويات بثوابت مقبولة لديها جميعا تعمل وتعيش من اجلها وتدافع عنها ...فالولايات المتحدة الامريكية وهي القوي الكبري او اكبرها سكانها من شعوب مهاجرة مختلفة ذات هويات مختلفة ولكنها اتفقت علي ثوابت من نظام ومؤسسات قانونية وسياسية واجتماعية تعكس طموحاتهم في خلق دولة قوية موحدة...
والله اعلم
ابوبكر سيداحمد
الأستاذ ابوبكر سيداحمد
هلا ومرحب بيك وبمداخلتك الشيقة هذه .
نعم للسودان عدة هويات فللشرق هويته الإثنوغرافية ، كما للغرب وللشمال وللجنوب ، من حيث التقارب في الشكل والتكوين ، وفي داخل كل إقليم جغرافي نجد التباين . فهذه هي سنة الحياة الدنيا ، وحتي داخل الأسرة الواحدة نجد التباين في الأشكال . والسودان كبلد مترامي الأطراف ووفد إليه الكثير من الهجرات تأثر بتلك الهجرات ، وأثر مناخه علي أؤلئــك الذين هاجروا منذ مئات السنين . كما تفضلت أنت بأن هذا حال كل مجموعة إتفقت علي أن تعيش في حيز جغرافي محدد .
ونجد أن التباين الشكلي (الإثنوغرافي ) يكون متباعداً في أحيان ومتقارب في أحايين أخر ، وذكرت أنت ( ولكنها لم تنصهر في هوية واحدة ) أتفق معك إذا كنت تقصد أنها لم تنصهر إثنوغرافياً ، ولكن نري أن السودان منصهرة ثقافيـــاً وفنيــاً ، حتي وإن كان الرابـــط الجامع هي اللغة العربية في الفن والشعر ، فلن تجد في السودان من لا يطرب للأستاذ محمد وردي أو الأستاذ محمد الأمين ، أو لا يرقص طرباً مع الراحل المقيم سيد خليفة في المامبو السوداني .
يعتقد الكثيرين أن السودان فقط هي الدولة الوحيدة في العالم التي بها هذا الكم الكبير من التباين ، فإذا نظرنا إلي خارطة الدول الداخلية فسنجد أن التباين في السحنات تكاد تكون موجودة في كل الدول ، وبين الإقليم والإقليــم نجد التباين الإختلاف الشاسع ، إلا أن الحال في السودان أخذ طابعاً إقصائياً إمتزجت بالثقافــة العروبية والهضم الذي أثار نعرته الإستعمار البريطاني . فأصبحت القوميـــات الأفريقية منقسمة بين التوقع والرجوع إلي أصولها مع إزدراء العرب وأهل الثقافة العروبية لهم ، ومن لحق بمركب الثقافــة العروبية تعّرب أكثر من العرب أصحاب العروبة ذاتهم .
فإذا راجعنـــا هذه الأوراق وما سيأتي بعدها نجدها كلها تدور في فلك واحد ، وكأنما علة السودان الوطن فقط في أن نحدد هوية السودان !! ءأفريقي هو أم عربي ؟؟ ونجد أن كل الفريقين علي خطأ ، فمن يقول بأن السودان أفريقي يغبط الأخرين حقهم في الإنتساب إلي هويتهم اللغوية وثقافتهم وإرثهم التأريخي ، بغض النظر عن زمان وصولهم إلي السودان . ومن يقول أن هوية السودان عربي ويحاول الإرتكاز علي اللغة الرسمية كمحدد لهوية السودان ، كمن يقول للأخرين موتوا بغيظكم ، وأنسوا أشياءكم وتأريخكم ولغاتكم المحليــة .
لك الشكر وكل التقدير
ابوبكر
ابوبكر
25-12-2008, - 04:35 PM
ورقة الدكتور محمد جلال احمد هاشم
قدمها في مركز الخاتم عدلان للإستنارة والتنمية البشرية .
في مؤتمر الهوية والحرب الأهليـة في السودان .
تحت شعار
نحو هوية وطنية متعددة الأبعاد
الخرطوم 26 - 27 سبتمبر 2007م
جدليـــة الحرب والســلام وتحديات قــوي الهامش
الدكتـور / محمد جلال احمد هاشــم
هنا الورقة (http://sudanesehost.net/uploads/uploads/mjh.rar)
ابوبكر
17-01-2009, - 02:54 AM
Last Update 18 نوفمبر, 2002 03:06:42 م
ثقافة أم مثاقفة
السودان وحرب الهُويات
تنوع الرؤى في الثقافات السودانية
عاطف عبد الله قسم السيد
atifaage@maktoob.com
مقدمة الناشر في صحيفة الإتحاد
تقديم
حملت مفاوضات ماشاكوس التي علّقت من قبل والتي ستستأنف خلال الأيام القادمة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان طيه من الملفات والأوراق السودانية الساخنة إلى طاولة المفاوضات .
مادة هذه الأوراق هي المواجع والمظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أرهقت الوطن وقضت مضاجعة زهاء ما يناهز الخمسة عقود من الزمان هي عمر الاستقلال السودان . فالحرب الدائرة الآن والتي اشتعل أوارها في عام 1983 إنما تعود لتضرب بجذورها في عام 1955 ، وهو العام الذي سبق الإعلان عن الاستقلال.
وإذا كانت المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتهميش الآخر وعدم الاعتراف به هي الوقود الذي ظل يشعل نار تلك الحرب فإن الوجه الثقافي المرتبط بحقوق الهوية والاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي والاثني يمثل هو الآخر مكوناً رئيسياً من مكونات تلك الحرب ووقودها ومادتها .
وفي رصيد الفكر السوداني تراث غني ومتصل من الكتابات والإسهامات المكرسة لتناول قضايا التعدد اللغوي والثقافي والديني والعرقي وديمقراطية الثقافة وحقوق المواطنة المرتبطة بالهوية . من بين هذه الإسهامات المتصلة تبادر الاتحاد إلى نشر هذه الدراسة الماثلة بين يدي القارئ الآن حول حرب الهويات السودانية .
وقد عمد فيها الكاتب عاطف عبد الله إلى التعريف بأهم التيارات والرؤى الثقافية المصطرعة فيما بينها.
ضمن ذلك وفي سياقه يقدم الكاتب خلفية تاريخية عامة تطرح من الأسئلة اكثر مما تقدم من الإجابات عن مكونات الشخصية السودانية وفسيفساء التكوين العرقي اللغوي الثقافي المتعدد للمجتمع السوداني.
كما يطرح في السياق نفسه كيف تحول هذا التعدد كله من نعمة إلى نقمة ، وكيف أصابت لعنة حرب الهويات جسد المجتمع بسهام وسموم الاستعلاء العرقي والديني والثقافي . وأياً كانت المآلات التي ستنتهي إليها (ماشاكوس) كخطوة من الخطى على طريق الحل فإن هذه القضايا ستظل مطروحة على بساط التأمل والبحث والعمل حتى تضع حرب الهويات أوزارها ذات يوم في بلاد السودان .
تمهيد
ورد بتقرير أعد على أعتاب الاستقلال أن السودان يتكون من 570 قبيلة تنقسم إلى 56 أو 57 فئة إثنية على أساس الخصائص اللغوية والثقافية والإثنوجرافية و تتحدث 114 لغة مكتوبة ومنطوقة ، 50 منها في جنوب السودان . وهذه المجموعات الإثنية الـ 57 أعيد تجميعها في ثماني مجموعات رئيسية 39 في المئة عرب أو من أصول عربية ، 30 في المئة جنوبيون أو من أصول أفريقية ، 12 في المئة بجة ، 15 في المئة نوبة ، كما أن هناك مجموعات أخرى مثل الفور والنوباويين والأنقسنا و الأجانب المولدون قد تم تصنيفهم ضمن المجموعات أعلاه. 51 في المئة يتحدثون اللغة العربية ، 49 في المئة يتحدثون لغات ولهجات أخرى و60 في المئة مسلمون ، 10 في المئة مسيحيون ، 30 في المئة وثنيون وأصحاب ديانات أفريقية مختلفة.
وقد تم تقسيم المجموعات أعلاه إلى مجموعتين ثقافيتين رئيسيتين هما الشمال العربي المسلم والجنوب الأفريقي ذو القيادة المسيحية. (1)
بعد مضي قرابة النصف قرن على هذا التقرير و الصراع ما زال متأججاً حول الهوية والانتماء الثقافي في السودان ، نجد أنفسنا مازلنا نعدو وراء الوطن الحلم و نطمح بأن تكون لنا دولة قومية موحدة. و بناء وعي بهوية مشتركة، تضمن بناء وحدة وطنية حقيقية ومستدامة. والصعوبة تكمن في هذه التعددية والتنوع اللغوي والأثني في شبه القارة السودانية وذلك المحيط الخارجي المتداخل معه حدودياً وشعوبياً، الأمر الذي يصعب الحلم بتحقيق وحدة لهذا التنوع و ووطن يلم الشمل ويجمع هذه الأضداد وتتعايش فيه هذه الثقافات المختلفة، والأصول العرقية المتنوعة، والمعتقدات الدينية والأثنية المتعددة في سلام ووئام.
لست بصدد تقديم دراسة منهجية للهوية الثقافية في السودان بقدر ما سأحاول تسليط الضوء على وجهات النظر الثقافية المختلفة و التعريف بها بقدر ما توفر لي من مصادر وفتح باب للحوار حول الهُوية الثقافية في السودان. ولكن تسليط الضوء على الرؤى الثقافية المتناحرة وتجاهل الهوية العرقية في السودان بتشعباتها العديدة أمر فيه استحالة .. لذا لابد أن نعبر أولاً عبر الهوُية.
أن ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى هو العقل الذي منحنا الوعي بالتميز ، وحتى تكتمل إنسانيتنا فلابد لنا من جماعة ننتمي إليها" الإنسان كائن اجتماعي" ، والجماعة تبدأ من الأسرة والقبيلة وتنتهي بالأمة والإنسانية جمعاء . و يعرف الأستاذ طه إبراهيم المحامي معنى الهُوية بأنها شعور الانتماء إلى جماعة محددة ويقول في ذلك إن شعور الفرد بالانتماء إلى جماعة معينة أو مجتمع معين هو الذي يحدد وطنيته وبمعنى ما مدى إخلاصه لذلك المجتمع . أما الوجه القانوني للهُوية فقد تبلور فيما يعرف بالحق في الجنسية حيث تتطابق الهُوية هنا مع معنى الجنسية. (2) وأيضا تعرف الهوية بأنها ما يميز أي جماعة عن سواها وذلك من خصائص مادية ووجدانية وروحية وأثنية .
إن طرح أي سؤال حول هوية الشخصية السودانية لا يمكن أن يكتمل إلا بطرح مزيد من الأسئلة، وسيبدو الأمر كأن لا نهاية له لأن الأسئلة لا تنفد. إلا أن مستلزمات البحث العلمي والتمسك بالموضوعية والعلمية بعيدا عن التعصب يمكن أن يقدما رؤية وصورة نركز فيها على ما يجمع ونقلص فيها ما يفرق .، وسيكون المدخل لموضوع هذه الدراسة هو طرح الأسئلة التالية:
ما هي مكونات الشخصية السودانية ؟ ما الذي يميزها عن سواها ؟ ما هي الخصائص المادية والروحية التي جمعت السودانيين ووحدتهم أو تلك التي فرقتهم وتصالحوا وتحاربوا من أجلها لأكثر من نصف قرن ؟ ما هو تأثير الإسلام والعروبة في تلك المكونات ؟ وما هي المعالجات التي طرحتها وجهات النظر المتباينة في مسألة الهُوية الثقافية ؟ على ما يا ترى استندت ثقافياً ثنائيات ( الغاب والصحراء ) و( الحراز والمطر ) و (رجل سنار والأفريقي النبيل ) ؟ وما هي الحاضنة الثقافية للشخصية السودانية ؟ أهي العروبية أو الإسلاموية والدعوة للتأصيل الثقافي كما يراها البعض؟ أم هي الآفرواعربية كما نادى بها حمزة الملك طمبل ورواد مدرسة الفجر في ثلاثينيات القرن الماضي ؟ أم الرعوية وزهد الصوفية كما يذكر الأستاذ محمد عبد القادر سبيل أم الزنجية الأفريقية كما يتمنى بعض مثقفي الشمال الباحثين عن الخلاص من قيود الالتزام الاجتماعي و الديني وبعض الجنوبيين الذين يتنكرون للثقافة العربية والإسلامية في السودان، أهي خليط من كل ذلك أم هي سوداناوية فقط لا غير؟
المكونات التاريخية
(أيثيوبيا) الاسم الذي أطلقه اليونانيين على الأرض التي امتدت من الشلال الأول عند أسوان إلى أقاصي الحبشة شمالا وجنوبا ، ومن سواكن ومصوع على البحر الأحمر إلى صحراء ليبيا شرقاً وغرباً وتعني الكلمة (أيثيوبيا) الوجه المحروق أو الأسود.وقد ذكر المؤرخ نعوم شقير بأن أول من سكنها هم السود.
(كوش ) هذا الأسم ورد في التوراة ، سفر التكوين الإصحاح الثاني
" وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا ...
وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة.
ومن هناك ينقسم ليصير أربعة رؤوس ، اسم الواحد فيشون .
وهو المحيط بجميع ارض الحويلة حيث الذهب .
وذهب تلك الأرض جيد . هناك المقل وحجر الجزع ،
واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش
واسم النهر الثالث حداقل وهو الجاري شرقي أشور والنهر الرابع الفرات "
مملكة كوش وعاصمتها الأولى نبتة ثم ولأسباب حياتية بعد أن توسعت في الزراعة إنتقلت العاصمة لمروي وإهرانات البجراوية ستظل شاهد على حضارة عظيمة والكوشيين أكثر ماعرف فيهم أنهم حاميي و أمناء على الحضارة المصرية القديمة ، اعتنقوا ديانة آمون وأول من وحدوا القطرين لفترة من الزمن عندما فتحوا مصر بقيادة بعانخي في 751 ق.م.
( بلاد بونت) والبوانيت الاسم الذي أطلقه قدماء المصريين على الأرض والسكان الذين أقاموا بين طريق بربر وسواكن وجبال الحبشة " وأرسل الملك متوفيس (من الأسرة السادسة) القائد هرخف لغزو بلاد البوانيت فعاد بغنائم البخور والأبنوس والعاج والجلود حملها على 300 حمار .. إلخ "
(الممالك المسيحية) نوباديا وعاصمتها فرس - المقرة وعاصمتها دنقلة العجوز - علوة وعاصمتها سوبا.
( بلاد السودان) هذا الاسم الذي أطلقه العرب على المنطقة الأفريقية شبه الصحراوية التي تمتد من المحيط الأطلنطي حتى البحر الأحمر، والتي تمت أسلمتها ، هي ليست في حقيقة الأمر موطن للزنوج ، ولكنها المنطقة المتوسطة التي تقع بين المجموعة الحامية لشمال أفريقيا، والمجموعة الزنجية لوسط أفريقيا، وهي التي تم تقسيمها فيما بعد إلى "السودان الغربي" للمنطقة التي تشمل حوض السنغال وجامبيا وفولتا العليا والنيجر و "السودان العام" الذي يضم حوض بحيرة تشاد، و "السودان الشرقي" الذي يقصد به السودان الإنجليزي المصري وهو المعني في هذه الدراسة.
السودان بلد المليون ميل مربع ، بحدوده الحالية يعد تكويناً حديثاً أو مستحدثاً في بداية القرن المنصرم، فقد ضمت دارفور عام 1916 حيث كانت مملكة مستقلة لأكثر من ثلاثة عقود، كما كانت دار مساليت هي الأخرى سلطنة مستقلة تم ضمها كإقليم يتمتع بالحكم الذاتي ثم أصبحت جزء مما صار يعرف بالسودان الإنجليزي المصري ، أما بحر الغزال فقد كانت جزءا من أملاك الملك ليوبولد ملك بلجيكا وأهداها للبريطانيين في مطلع القرن العشرين في إطار تبادل المستعمرات.
جغرافية وتاريخ السودان. إن ما يميز السودان عن سواه هو هذا الواقع الجغرافي المتفرد و الطبيعة المتميزة التي أحاطت به والمناخات المختلفة ، من مناخ السافنا الاستوائي الممطر في الجنوب إلى مناخ البحر الأبيض المتوسط في أقصى جبل مرة في الغرب ، و المناخ الصحراوي الجاف في الشمال ، إلى السهل البحري وجبال البحر الأحمر في الشرق الممطر شتاءاً.
كما ساهم أيضا المحيط الخارجي حيث يحاط السودان بتسعة أقطار من مصر في الشمال وليبيا وشاد وأفريقيا الوسطى في الغرب إلى كينيا وأوغندا وزائير وأثيوبيا في الجنوب وإرتريا والبحر الأحمر الذي يفصلها عن المملكة العربية السعودية في الشرق، الأمر الذي يميز السودان عن أي قطر آخر . أضف لذلك الإرث التاريخي المتنوع والتفاوت الحضاري والاقتصادي والأثني بين كل منطقة وأخرى وبين كل إقليم وآخر.
تأثير الهجرات الخارجية والداخلية .
كان تكوين السكان الأصليين لأرض السودان الشمالي والأوسط قبل الهجرات يتكون من النوبة وهم شعب هجين من سلالات قوقازية وزنجية تسكن على ضفاف النيل من دنقلا إلى أسوان، والنوبيين في الشمال الوسيط والبجة في شرق السودان، والفور والمساليت في غرب السودان وفي الجنوب الغربي والقبائل النيلية في الجنوب عدا قبيلة الشلك التي كانت حدودها تمتد حتى ملتقى النيلين.
بدأت الهجرات لأرض السودان قبل الإسلام وكانت هجرات المسيحيين الأوائل من مصر، كما كانت هناك هجرات للعرب قبل ظهور الإسلام لكنها لم تكن مقننة كالهجرات التي تلت ظهور الإسلام عندما تواترت هجرات العرب المسلمين لأرض السودان بعد القرن السابع الميلادي. لم يتوغل المهاجرون العرب جنوبا لصعوبة التضاريس، حيث السافنا الكثيفة والحيوانات المفترسة.
و استمرت عملية تعريب السكان الأصليين زهاء ما يربو على الألف سنة وأفرزت لنا هذا الهجين الذي يعرف بالشمال العربي المسلم . كان التعريب يتم في سلاسة وتأني وذلك بالتمازج العرقي والثقافي ، أما عمليات الأسلمة فلم تتم ( للشمال المستعرب ) إلا بعد ذلك بعدة قرون وقد تم ذلك على أيدي الفقهاء الصوفية بعد القرن الخامس عشر الميلادي أيام السلطنة الزرقاء.
المؤثرات العربية الإسلامية
بعد أن فتح العرب مصر في القرن السادس الميلادي عقد الفاتحون المسلمون اتفاقيتين منفصلتين الأولي مع النوبة (اتفاقية البقط) (أيام الخليفة عمر بن الخطاب) والثانية مع البجا ( أيام الخليفة المأمون ) وذلك بعد فشل الحملات العسكرية لفتح بلاد السودان أو الممالك المسيحية فيه (علوة والمقرة) .
بالرقم من فشل الحملات العسكرية العربية الإسلامية وتكبدها خسائر فادحة إلا أن تفوق العرب في السلاح والعتاد أجبر السودانيين على طلب الهدنة والتفاوض لإقرار سلام . وكانت هاتين الاتفاقيتين اللتين نظمتا العلاقة بين الطرفين وأن كانتا مجحفتين بحق السودانيين إلا أنهما حافظتا على استقلال ممالكهم التي أعتبرها العرب دار صلح وهي منزلة بين منزلتين دار الحرب ودار السلم ، أمنت الاتفاقيتان على مصالح العرب ومددتا نفوذهم و وطدتا مراكزهم السياسية بعد أن تمكنوا من الاقتصاد كتجار ومنقبين عن الذهب والزمرد والياقوت في أرض المعادن بشرق السودان وأخيراً تميز هويتهم مكنّهم من الوصول للسلطة والحكم وذلك مع نهاية القرن الرابع عشر ومطلع القرن الخامس عشر الميلادي .
أما في ما يتعلق بالهجرات الداخلية فقد شهد السودان عدة هجرات خاصة للقبائل النيلية الجنوبية التي توغلت نحو العمق الأفريقي جنوبا، أما أكبرها فقد كان تهجير الشلك (من القبائل النيلية) من ضفاف النيل الأبيض حيث كانت حدودهم تتاخم الخرطوم إلى غابات الجنوب العصية هربا من الاسترقاق بعد تحولوا لأهداف سهلة للنخاسه وتجار الرقيق . ثم توج ذلك السلطان بادي أبو دقن (أحد ملوك الفونج) بطردهم من مركزهم وحاضرتهم مدينة أليس ( الكوة ) حالياً.
كما هو معروف أيضاً أن العرب الأوائل وفدوا البلاد دون نسائهم ومن المعروف أن الإسلام لا يسمح بزواج المرأة المسلمة من غير المسلم لذلك كان هذا التصاهر من اتجاه واحد . أما وصول العرب المسلمين للسلطة فقد تم بتزاوجهم ومصاهرتهم للأسر الحاكمة مستغلين نظام الوراثة الأمومي الذي كان متبعاً حينها فوصل أحفادهم لأروقة الحكم والمراكز القيادية في الدولة على أساس تفوقهم الثقافي والمالي والحضاري.
هكذا تأسست مملكة الفونج (السلطنة الزرقاء) في الجنوب الأقصى على أنقاض مملكة العنج أو علوة المسيحية في 1505 م وإنتقلت العاصمة من سوبا إلى سنار وهيمنت السلطنة على عموم الأراضي السودانية وشاركتها مملكة دارفور في الغرب. وأصول الفونج مختلف حولهم فمن يقول أ ن أصلهم من الشلك ومن قائل أنهم من سكان دارفور الأصليين ، وهناك رواية تنسبهم لبني أمية. وبالرقم من أن حكام هذه السلطنة من المسلمين إلا أن أنظمتها كانت مستمدة من عادات وأعراف ضاربة في القدم مثال رابطة النسب والمصاهرة والملك المقدس عند الفونج (3) حيث يعد الملوك مقدسين ليس باعتبارهم آلهة وإنما باعتبارهم حارسين لقيم وتقاليد الأسلاف . وحتى بعد أن صار الإسلام دين المملكة الرسمي واللغة العربية هي لغة الرسمية إلا أن انتشار الإسلام كان أسميا في مطلع الدولة (السلطنة الزرقاء) وبالتالي غيابه عن الأصعدة القانونية والتشريعية والأيديولوجية للدولة (4) ولكن الانتشار الفعلي للإسلام وتغلغله في حياة السكان تم على أيدي الفقهاء والمتصوفة الذين وفدوا من مصر والحجاز والمغرب أمثال الشيخ إبراهيم البولاد الذي قدم من مصر ودرس في دار الشايقية والشيخ تاج الدين البهاري الذي قدم من بغداد وأدخل طريقة الصوفية في بلاد الفونج ثم التلمساني المغربي .. ألخ كما جاء في كتاب الطبقات لود ضيف الله (5)
أن تعريب وأسلمة شمال السودان قد تمت بالتدريج عبر فترة طويلة من الزمن وفي إطار تلاقح ثقافي سلمي. فمنذ أن فتحت مصر كان هناك امتصاص تدريجي للعرب من قبل النوبيين في الشمال والسود في الوسط (6) ومن ذلك يتضح أن الأسلمة في السودان قد بدأت وانتشرت بالجهد الشعبي وارتكزت على قاعدة المجتمع ويعود الفضل في انتشاره للدعاة الصوفيين وللطرق الصوفية ، ثم بعد قرنين أو أكثر وجد الإسلام طريقه لمؤسسات المجتمع وقمته (7) كما يتضح لنا بأن الأسلمة والتعريب قد تما داخل الإطار الذي كانت تهيمن فيه التقاليد حيث تمكن الصوفيون من دمج الممارسات الوثنية السائدة ضمن أسلوب معتقداتهم الإسلامية الخاصة. (8) يقدم ج. سبنسر تريمنجهام في مؤلفه الثمين الإسلام في السودان في تحليله للتحول الديني للسودانيين من المسيحية إلى الإسلام ومظهر هذا الدين الذي وصفه الدكتور منصور خالد (إسلام وشته على مستوى العادات وليست العبادات شبهة من وثنية ...) هذا التحليل ( .. لقد كانت عمليات الاستيعاب في السودان متقدمة مع خلوها من عيوب العملية الطبيعية التي كانت من جهة تحولاً للثقافة الإسلامية – التي فيها العوامل الدينية أقل حسما من النظام . وكانت من جهة أخرى عملية امتصاص العناصر الدينية الثقافية الأرواحية (الوثنية والديانات المحلية) المحلية وإلباسها الأشكال والصياغات الإسلامية، وتوجهها نحو الاستشراف العالمي، لذا فقد حدثت بشكل بطئ عملية استيعاب متبادلة، إذ كانت العناصر الأرواحية تتشبث بعناد شديد خلال الامتصاص داخل النظام الإسلامي. لقد كان الإسلام نفسه يحمل في داخله شكلا من أشكال التأمل اللاعقلاني المملوء بالخرافة وسير الأولياء عندما قام "الفقرا" (9) بتدريسه لأول مرة في مملكة الفونج. لقد تدرب هؤلاء الرجال بشكل لا يمكن تصوره على المذهب المالكي الذي قصد من جهة في أن لا يكون للإسلام القويم تأثير على الحياة، ومن جهة أخرى تأثر بشكل عميق بالصوفية وطرق الدراويش، وهكذا فقد كان لهؤلاء الرجال وسط شعب ليست لديه أي خلفية ثقافية – والـحديث ما زال لسبنسر تريمنجهام - السلطة الكاملة لقيادته نحو الخرافات التي تؤمن بها الجماهير ودمجها في شخصيتهم "الفقرا" (10) ويعلل تريمنجهام أسباب البعد عن الإسلام القويم باضطراب الأحوال السياسية لدولة الفونج ، وبعدها عن أي اتصال مع المراكز الإسلامية، التي كانت راكدة هي الأخرى، لم تؤد إلى تطور مدارس تعليمية / أو ثقافية .. وهكذا كان الإسلام الذي تطور بهذه الطريقة قد تشرب بشكل قوي بالنزعات الأفريقية التي كانت عواملها المميزة العاطفة والخرافة. (11)
والسودان الحديث أو أفريقيا المصغرة يجمع كل ألوان الطيف اللغوي في أفريقيا، عدا لغة الخويسان في جنوب أفريقيا ( توصل عالم اللسانيات جوزيف قرينبرج إلى اكتشاف أربع مجموعات لغوية في القارة الأفريقية المجموعة الأولى هي النيجيرية – الكونغولية – الكردفانية ( نسبة إلى نهر النيجر ونهر الكونغو وإقليم كردفان بالسودان ) والمجموعة الثانية هي النيلية الصحراوية والثالثة الحامية السامية والأخيرة هي الخوسية وهي لغة الجنوب الأفريقي . وكما ذكر الدكتور منصور خالد في الجزء الأول من كتابه جنوب السودان في المخيلة العربية أن السودان هو موطن ثلاثة من هذه المجموعات اللغوية الأفريقية وهي الثلاث مجموعات الأولى ، فاللهجات الكردفانية ( غير العربية ) تمت بسبب إلى لغات أهل وادي النيجر والحامية السامية تنتسب إليها الكوشية والنوبية كما تنتسب إليها الأمهرية والتقرينية (12). كل ذلك يجعل من السودان بلدا محوريا في أفريقيا ليس فقط من الناحية الجغرافية، بل من الناحية الثقافية أيضاً، وبالنسبة للغات السودانية حيث بينا في بداية هذه الدراسة وحسب تعداد 1956 وكان عدد السكان حينها حوالي العشرة ملايين نسمة 51 في المئة منهم يتحدثون اللغة العربية 17.7 في المئة يتحدثون اللغات النيلية منهم 11 في المئة يتحدثون لغة الدينكا ما يدلل على أن السودان ليس فقط منطقة تعدد لغوي بل أيضا منطقة ازدواج لغوي (13) لا شك أن هذه الخارطة اللغوية قد اعترتها تغيرات كثيفة بعد مضي قرابة نصف القرن عليها وذلك بسبب الهجرات الداخلية وسياسات التعريب للحكومات المتعاقبة الأمر الذي أدى لانحسار لغات عديدة وظهور لغات جديدة أبرزها ما يعرف محلياً بلغة ( عربي جوبا ) التي ازدهرت في الجنوب خاصة في المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية. والسؤال الكبير هو هل يمكن أن يكون هذا التنوع والتعدد مصدر ثراء ووحدة بدلاً أن يكون أساس بلاء وفرقة وتفكك ؟ سؤال يبدو سهل الإجابة نظرياً ولكن يصعب طرحه في الواقع!!
الإسلاموية والعروبية
ودعاة التأصيل الثقافي
هناك كثير من دعاة تطبيق الأحكام والتشريعات الإسلامية والتعريب في السودان الحديث بحجة أن الإسلام دين الأغلبية، هذه الدعوات فجرت أسباب الصراع العرقي وأذكت نار الفتنة، وصيرت الدين ولأول مرة في تاريخ السودان كمشكل سياسي ومزقت نسيج الوحدة الثقافية الهش القائم في السودان.
فمنذ مطلع ستينيات القرن المنصرم أيام عبود (بداية سياسة تعريب الجنوب) مروراً بعهد الإمام نميري ( إصدار القوانين الإسلامية أو تشريعات سبتمبر) انتهاء بهوس الإنقاذيين ( إعلان الجهاد) وحتى مراحل الحكم الديمقراطي تخللته الكثير من المساومات والمزايدات السياسية باسم الدين . وقد أتت دعوات الأسلمة والتعريب القسري بأسماء وثياب مختلفة. فمن إسلام الصحوة إلى البعث الإسلامي و دعاة الدستور الإسلامي أو دعاة التأصيل والعودة إلى الجذور، ولكن من بين كل هؤلاء نجد أن برامج الأسلمة والتعريب الذي فاقم المشكل السوداني وأجج أتون الحرب الأهلية وحولها إلى حرب جهادية، وحول جنوب الوطن إلى دار حرب، البرامج الماضي تطبيقا وتنفيذا في أرض الواقع حتى تاريخه، هو برنامج الجبهة القومية الإسلامية الذي يعد البرنامج السياسي الوحيد الذي وجد سبيلاً للتطبيق والتجريب في الحياة العامة منذ 1976 تاريخ المصالحة الوطنية التي أبرمها النميري مع الأخوان المسلمين، واستطاع الأخوان من خلاله أن يشقوا طريقهم إلى السلطة ، ولم يألوا جهدا في تنفيذ مخططهم و برامجهم السياسية، لم توقفهم الانتفاضة ولا الديمقراطية الثالثة عما بدأوه ، وعندما لاحت الفرصة لإيقاف نزيف الدم ووقف الحرب بادروا للاستحواذ على السلطة عنوة في يونيو 1989.
ولكي نصل لرأي (الجبهة القومية الإسلامية) في مسألة الهُوية السودانية نعود لمنظر الجماعة الدكتور حسن الترابي الذي يقول في هذا الشأن :
لا تنشأ حياة سياسية إلا بقيام جماعة توحدها أواصر الموالاة ويعينها من دون الناس بذاتية مستقلة ثم تقوم عليها سلطة مركزية ترعى شئونها وترتب علاقاتها العامة بمقتضى نظام جامع . ولكن نماء العاطفة الموحدة واستتباب النظام الحاكم تطور عسير يكلف كثيراً من الرهق والاضطراب في مرحلة بناء الأمة ، إذ تكون الوحدات الاجتماعية الأولية التي تأتلف في تكوين الأمة لا تزال مشربة بروح العصبية الاعتزالية ومقيمة على حال الحرية الساذجة التي تستعصي على الانضباط . ثم أن الأمة قد يعترها الهرم بعد تمام التكوين فتطرأ في وسطها نزعات التجزئة التي تهدد سلطانها الواحد. ولا ينفك التاريخ يشهد دورات نشوء الأمم وانحلالها وتوارثها لولاء الناس وأقاليم الأرض.
إلا الإيمان فإنه يبني الأمة بأيسر وأسرع وأثبت ما يكون لأن الإيمان مفعول اختيار حر. فأيمّا طائفة من الناس اختارت الإيمان أصبحوا لفورهم أمة واحدة تظلهم جامعة الدين ، ثم تقوى جامعتهم من بعد بفعل عوامل التوحيد التي تنشأ على التراخي في تطور الأمم الأخرى كانتشار اللغة الواحدة واختلاط الدم ونشوء المصلحة الواحدة والتاريخ المشترك (14)
لقد أوردت هذا المقطع بأكمله من فكر د. الترابي حتى تتضح النظرية الإسلاماوية في تكوين هوية الأمة ، وهي تتلخص في نقطتين الأولى تتركز في الدين (المعني هنا الإسلام ) والإيمان بهذا الدين كمصدر أساسي للحكم والثانية انتشار اللغة الواحدة (المعنية هنا اللغة العربية ) الذي يليه أخيرا عاملا اختلاط الدم وتوحد المصالح .
من يتابع التطور العقائدي والثقافي في السودان من المنظور التاريخي يجد أن التعريب الأسلمة لشماله قد انطلقت بعكس هذه النظرية تماما فلقد كانت البداية الهجرات العربية قبل اتفاقية ( البقط) وبعدها وكانت الأولوية تأمين المصالح التجارية ( أي المصلحة المشتركة) ثم تلاها بعد استقرار اولئك المهاجرين المصاهرة مع السكان الأصليين (عامل اختلاط الدم) وبعد وقت كاف عمت اللغة الوافدة "اللغة العربية" تلاها انتشار الدين الجديد "الإسلام" وامتزج بالثقافات والأعراف النوبية والبيجاوية وكان الناتج إنسان سنار المسلم المستعرب. لكن هذا التعجل في الأمور واستباق الزمن جعل الوطن والمواطن في آخر سلم الأولويات لدى السلطة الحاكمة وذلك بحثا عن انتصار آني للخيار الحضاري أو الشهادة من أجل الخيار المصيري . يري كثير من الباحثين الإسلاماويين ولا أقول الإسلاميين للفرق بينهم ، بأن الخيار الإسلامي خيار حضاري (المشروع الحضاري لحكومة الإنقاذ الوطني) ويراه آخرون خياراَ مصيرياَ بعد أن أثبتت الخيارات الأخرى فشلها ، الإسلاماويين والعروبيون يرون أن رسالة الثورة الإسلامية (انقلاب الإنقاذ) هي إقامة دولة نموذجية يحتذى بها في أفريقيا . ويري منظروها أن السودان هو بوابة العبور للإسلام والعروبة في أفريقيا ، وهم على قناعة بأن السودان ليس سوى جسر لإيصال الرسالتين (الإسلام والعروبة) لأفريقيا. وهنا ومن منطلق هذه الرسالة التاريخية نجد أولوية العمل هي استكمال أسلمة و تعريب السودان في المقام الأول فجحا أولى بلحم ثوره، والمعني هو إلغاء الثقافة الأفريقية و تعريب الجنوبيين ، ثم يمتد هذا الواجب المقدس للدول المجاورة ومن ثم إلى العالم . ولهذا نجد أن السودان هو مقر منظمة الدعوة الإسلامية ومعهد الخرطوم الدولي للغة العربية، والمركز الإسلامي الأفريقي ، ومؤسسة دان فوديو والعديد من منظمات جامعة الدول العربية والمؤتمر الشعبي الإسلامي العالمي التي تعني بهذا الشأن.
ولو نظرنا في خطة إقامة الدولة الدينية في السودان لوجدنا أن نظام الجبهة القومية الإسلامية الحاكم كان يرى الجاهلية في شعب السودان قبل أن يتسيدوا السلطة فيه، لذا بدءوا بالإدعاء بإنقاذ الشعب السوداني من الضلالة والخطيئة الكبرى التي كانت ستكلل بإلغاء قوانين سبتمبر، وإعمال المصالحة الوطنية بعد أن وافق البرلمان والحكومة على تفعيل اتفاق الميرغني – قرنق. لذا بدأ أهل الجبهة القومية الإسلامية عندما دانت لهم السلطة دون شريك في يونيو 89 من نفس النقطة التي انطلق منها قبل أكثر من أربعة عشر قرناً القائد الإسلامي عبد الله أبن أبي السرح وذلك بإطلاق يد العرب والمسلمين في أرض السواد (ممالك النوبة) فأطلقوا العنان لتجارهم ليتمكنوا من اقتصادها المنهك (سياسة التمكين) وتسيدوا وسيسوا جميع الوظائف الإدارية التكنوقراطية (مزيداً من التمكين) وأذكوا أتون الحرب. وأرسلت الجبهة الإسلامية مهووسيها ليطأوا بخيلهم بطون شعب الجنوب وحولوا دارهم إلى دار حرب، فحرقوا الزرع والضرع وشردوا وقتلوا من الأرواح ما لم تفعله كل الحروب السابقة، وأرسلوا الشباب ليكونوا وقوداً لحربهم الجهادية فلم ينج من وبالهم أحد، دون أن يحفلوا لما جرى ويجري لأحفاد رماة الحدق ، الذين ضاق بهم الحال فتنازلوا عن قيم الآباء والأجداد والدين القويم بعد أن فسدت الذمم وضاق الحال وصاروا بالملايين يتسولون اللجوء السياسي في أي موطئ يقبل بهم بعد أن ضاقت دونهم أرض المليون ميل مربع.
الثقافات الأفريقية
وهوية أبناء الجنوب
في يوليو الماضي وفي إحدى ضواحي العاصمة الكينية نيروبي وتحت مظلة دول الإيقاد، وقعت الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان على ما صار يعرف ببروتوكول السلام أو (بروتوكول مشاكوس ). وقد نص البند الثالث من البروتوكول آنف الذكر على حق تقرير المصير لمواطني جنوب السودان. و جاء نص الفقرة رقم 4 فيه كما يلي (بنهاية الفترة الانتقالية التي تبلغ مدتها ست سنوات تجري الحكومة السودانية والحركة الشعبية استفتاء مراقبا دوليا، يطلب فيه من مواطني جنوب السودان أما تأكيد وحدة السودان بالتصويت لصالح نظام الحكم الذي أقر في اتفاقية السلام، أو بالتصويت بالانفصال. قبل ذلك بعدة سنوات في 1995 بالعاصمة الإرترية أسمرا وفيما يعرف بمؤتمر القضايا المصيرية أو ( مقررات أسمرا ) وقعت الأحزاب الشمالية والحركة الشعبية وتجمع الأحزاب الوطنية الأفريقية وبعض الشخصيات الوطنية المنضويين تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي قرارا حول قضية تقرير المصير جاء في البند العاشر ما نصه ( أن شعب جنوب السودان – بحدوده القائمة في أول يناير 1956 م – سيمارس حقه في تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية)
كل ذلك يوضح بأن كافة الأطراف السودانية من شمال وجنوب . حكومة ومعارضة، أضحت متفقة على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وبات احتمال انفصال الجنوب قائما، ليس الجنوب فحسب بل يمكن أن تنضم إليه فيما بعد منطقة أبيي ( تقع إداريا في إقليم جنوب كردفان ) ومناطق جبال النوبة والانقسنا ( جنوب النيل الأزرق) حيث وافق التجمع في مؤتمر القضايا المصيرية على استفتائهم حول مستقبلهم السياسي.
هناك عامل رئيسي ركن إليه كثير من الساسة والمحللين السياسيين العرب و الكثير من السودانيين الشماليين ، راهنوا على خيار وحدة السودان بعد المرحلة الانتقالية في الاستفتاء الذي سيجري للجنوبيين ليس بسبب قناعات الجنوبيين بضرورة الوحدة ، إنما بسبب " حسب رؤية هؤلاء الساسة والمحللين" عدم وجود المكون الأساسي للدولة الجنوبية الوليدة إلا وهو الهوية ، حيث يرون انه لا يوجد أي أساس يوحد القبائل التي تسكن الجنوب تحت راية الدولة المستقلة ، ولدى هؤلاء كثير من الأسئلة وأيضا الإجابات الجاهزة عليها، لأنه ووفقاً للمسلمات القديمة والمعلومات المعلبة منذ عشرات السنين فإنه لا توجد عناصر مشتركة بين سكان الجنوب، وأنهم مجموعة من القبائل الوثنية تعيش حياة بدائية وجدت نفسها في منطقة جغرافية واحدة .. وهكذا استسلم هؤلاء لهذه القناعات حتى يكفوا أنفسهم عناء البحث والتقصي في الواقع الجنوبي المتغير، وعما أحدثته وتحدثه الحركة الشعبية من تغييرات جوهرية في الواقع الجنوبي أرضا وشعبا وأيضا ما أحدثته الحرب والتصعيد المستمر لها من هجرات وتداخل بين مختلف القبائل داخل معسكرات المتمردين واللاجئين.
من حق الجميع أن يتساءلوا وأن يثيروا الشكوك عما هو الذي يمكن أن يجمع ويوحد سكان هذه الدولة الوليدة ؟ هل هي الثقافة الأفريقية؟ وهل هناك هوية جنوبية موحدة يمكنها أن توفر الانتماء لهذه الدولة، وتوفر لها السلام والأمن وتحميها من شر التحارب والتقاتل بين قبائلها المتباينة؟ ففي حالة انفصال الجنوب وقيام دولة مستقلة في أراضيه وقد تضم هذه الدولة الوليدة جبال النوبة والانقسنا. لن أذهب بعيدا لكني سأعيد صياغة الأسئلة و طرحها ليس بحثا عن تأكيد قناعات واهية ، بل من أجل التقصي للوصول للحقائق. يقول الأستاذ والباحث الجنوبي جون قاي نوت يوه ( لاشك أن مثل هذه الأسئلة قد تثير الشكوك عند بعض القبائل السودانية عن جدوى المناداة والقتال من أجل الانفصال لقيام دولة في جنوب السودان بمجرد أن القبائل القاطنة هناك وجدت نفسها في منطقة جغرافية واحدة .. إلخ ..) (15) ويواصل مبحثه عن وحدة الهُوية السياسية والاجتماعية للدولة الجديدة ، شارحا التركيبة القبلية لمجتمع جنوب السودان (التركيبة القبلية لمجتمع الجنوب مثلها مثل تركيبة بقية القبائل الأفريقية المجاورة من حيث ترابط الجذور التاريخية بين القبائل . فإذا أخذنا الجذور اللغوية للقبائل في الجنوب نجد أن القبائل النيلية تتحدث اللغة نفسها تقريباً وتشارك بعضها في الكثير من العادات والتقاليد المشتركة، وكذلك الأمر بالنسبة للقبائل النيلية الحامية ، والقبائل الحامية إذ تتحدث اللغات نفسها تقريباً وتتشابه تقاليدها وطرق عيشها ، والأهم من ذلك أن هذه القبائل الجنوبية فقدت الاتصال بجذورها التاريخية مع نظيراتها في شرق وجنوب غرب أفريقيا، منذ أن هاجرت إلى مناطقها الحالية في جنوب السودان منذ أكثر من ألفي سنة.(16) ويواصل الأستاذ جون قاي نوت معددا العناصر التي تجعله متفائلا في إمكانية إبقاء مستوى التعايش السلمي القائم بين القبائل الجنوبية وتوظيفها في الدولة المرتقبة ومن أهم هذه العناصر التي وحدت الجنوبيين التزاوج خاصة بين الشلك والنوير والدينكا وأنوك من جهة أخري ، هذا التزاوج خلال الخمسة وعشرون سنة الماضية أنتج علاقات أسرية إيجابية بين أسر كثيرة . ثم هناك عنصر آخر هو التعايش السلمي بين أفراد الثوار الجنوبيين داخل المعسكرات في الأحراش، وأيضا المدارس الداخلية في رمبيك ولوكا وعطار وملكال الثانوية، بالإضافة إلى مدرسة الشيخ لطفي الثانوية للنازحين الجنوبيين برفاعة، ومدرسة سانت أوغستين الثانوية بالخرطوم التي خرجت العديد من الطلاب والطالبات، هذه المدارس لعبت دورا مهما منذ الستينات في رفع مستوى التعليم في الجنوب ويشكل خريجوها الطبقة المتعلمة في الجنوب الآن وقد ساهم السكن الداخلي في تعارف معظم القيادات السياسية للجنوبيين مع بعضهم البعض. ثم يضيف الأستاذ جون قاي نوت عنصرا ثالثا في تحليله ويعد كأهم العناصر الموحدة للقبائل الجنوبية وهو عنصر الدين المسيحي الذي جمع صفوف الجنوبيين داخل وخارج البلاد خلال الخمسة وعشرين سنة الماضية فيما أطلق عليه اسم "النهضة الروحية" التي اجتاحت كل الكنائس السودانية بعد عام 1985 و مهدت لخلق روابط اجتماعية جديدة بين أبناء الجنوب الذين يعيشون في معسكرات ومخيمات اللاجئين في أوغندا وأثيوبيا وكينيا وإريتريا، وفي المناطق التي تقع تحت سيطرة الحركة الشعبية وفي مخيمات النازحين في ضواحي الخرطوم وفي داخلها، وفي مدن جنوبية وشمالية أخرى .(أصبحت الكنيسة بالنسبة لكثيرين الملجأ الوحيد والأمل في الحياة بسبب استمرار الحرب ونتائجها المدمرة وأهم من ذلك أصبحت الكنيسة الوسيلة الوحيدة للتعليم في الجنوب، لأن الدولة أغلقت كل منافذ التعليم هناك). وبالتالي أصبح جيل (النهضة الروحية) في الجنوب نموذجا للتعايش بين القبائل الجنوبية، وقامت علاقات وصداقات حميمة بين هؤلاء الشباب وتزوجوا من بعضهم دون تميز قبلي) (17) ثم يضيف عنصرا لا يقل أهمية في خلق الوحدة السياسية والاجتماعية المنشودة ألا وهو عنصر اللغة. لغة (عربي جوبا) وهي عبارة عن لغة محلية مشتقة معظم مفرداتها من اللغة العربية مخلوطة باللغات المحلية في المحافظات الاستوائية مع بعض المفردات الإنجليزية، وهي أشبه باللغة السواحلية بشرق أفريقيا، وقد ذكر الدكتور منصور خالد بأن القائد الجنوبي الدكتور جون قرنق عندما يخاطب قواته التي تربوا على الثمانين ألفا يحدثهم بهذه اللغة أي (عربي جوبا). كما تستخدم أيضاً في تأليف الترانيم الكنسية في كل كنائس الجنوب تقريباً.
وهي لغة ليست وليدة هذه الظروف، فقد سبق استخدامها في الشمال حيث كان يبث من إذاعة أمدرمان برامج (ركن الجنوب) بلغة عربي جوبا وذلك منذ الستينيات . وأيضا إذاعة صوت الحق في مرحلة الديمقراطية الثالثة التي كانت تبث من مدينة ملكال بالجنوب وأخيرا إذاعة جوبا . وقد أسهمت هذه الإذاعات في نشر لغة عربي جوبا وانتشرت كثير من الأغاني العاطفية والأناشيد الوطنية التي تخاطب الجنوبيين وتحثهم على الوحدة ونبذ الحرب مثال أغنيات الفنان يوسف فتاكي:
ياي بليدنا سوداني وطننا
وكلنا إخوان ..
وين يا لوا أمسك بليدي كويسيا
أنا بقى حرية باكر نكرجو لوبيا
في بليدنا
وياي هي أحدى مدن الجنوب وبليدنا أي بلادنا ووين يا لوا أي أين يا لواء وهي رتبة عسكرية والمعني بها الحاكم العسكري خلال حكم عبود ، أمسك بليدي كويسة أي أحكم بلدي بطريقة كويسة أي صحيحة ، أنا أبقى حرية أنا أتتطلع لحريتي ، باكر نكرجو لوبيا أي غدا نزرع اللوبيا في بلدنا ونكرجو معناها معناها بلغة الزاندي الزراعة.
وأيضا أبدع الشعراء الشماليون في استخدام هذه اللغة أمثال محجوب شريف الذي أجادها وعبر من خلالها قائلا :
كل طلقة بينا نحن تبقى وفرة
سمسما وبفره
سكرا وشاي
تتراسايكلين
جاي وجاي وجاي
مافي حاجة ساي
كلو عنده دين
كلو عنده راي
بور وبورسودان
بارا والجنينة
عبري ولا واو *
حاجة مش كويسة
كل زول براو
هي سودان بكرة
من سودانا ناو
*( بور وبوتسودان ... إلى واو - كلها أسماء مدن سودانية في الجنوب والشمال والشرق والغرب )
ومن لغة الفن السياسي إلى لغة الخطاب السياسي المباشر في استخدامات عربي جوبا حيث درج الساسة الشماليون في إستخدام عربي جوبا عند مخاطبتهم للجنوبيين والساسة الجنوبيون كذلك يستخدمون لغة عربي جوبا في خطابهم السياسي وفي اللقاءات والمقابلات الإذاعية والتلفزيونية وكنموذج أقدم مقتطفات من خطاب د. جون قرنق في لقاء جماهيري مع الجالية السودانية في القاهرة في 2 ديسمبر 1997 بقاعة المؤتمرات الدولية :
"أنا بقول ، أنا بخاطبكم زي ما أنا بخاطب ناس في الغابة هناك . أنا ببدأ نقول أنا أكب السلام ليكم ، أنا أكب السلام ، سلام كتير ليكم أنتم السودانيين جماهير بتاع السودان في كايرو ، في مصر عامة ، أنا بقول ليكم سلام عليكم أنتم كله ، نساء ورجال ، صغير وكبير , بلسان بتاعكم امشو كلم الناس الماجاي وقول ليهم دكتور جون قرنق بسلم عليكم .. ..... أنا عاوز نقول ونكب الشكر الكتير لحسني مبارك رئيس بتاع البلد دي ..."
كما أن هذا الانتشار لعربي جوبا أدى لاستخدامه في مناطق أخرى عديدة أهمها جبال النوبه كما نجدها في بعض الأغاني والأناشيد النوباوية .التي رددتها فرقة عقد الجلاد ونشرتها في كل ربوع السودان. مما يعني قدرة اللغات المحلية في التمازج مع اللغة العربية وأيضا مرونة اللغة العربية في قدرتها على التعبير والإستخدام في كل بقاع السودان المختلفة الألسن والمزاج اللغوي.
وهناك عامل آخر سيساهم في تثبيت دعائم الدولة الجديدة " في حالة الانفصال" ألا وهو العامل الخارجي الذي لا يقل أهمية حسب الظروف العالمية الآنية " خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر" وقد أضحى النفط عاملاً رئيسياً في توحيد الدولة الناشئة والمحافظة عليها من شر نفسها ومن شر خصومها. فلأمريكا والاتحاد الأوروبي مصالح اقتصادية وإستراتيجية في هذه المنطقة، فأرض الجنوب بها من الثروات المعدنية خاصة النفط الذي أصبحت الحاجة له لا تخفى على أحد بعد إعلان الحرب على الإرهاب ، ووجود دول بعينها مقصودة بهذا الجهاد الأمريكي كإيران والعراق كلتاهما موجودتين في مواقع احتياطي النفط الأمر الذي يستدعي البحث عن مصادر جديدة والمحافظة على السلام والأمن في تلك المناطق حتى تتمكن الشركات الغربية من القيام بدورها. وهناك أيضا العامل الإنساني لتلك الدول والضغوط التي تتعرض لها الحكومات الغربية من مواقع الضغط الكنسية داخل مؤسسات اتخاذ القرار ومن المؤسسات الأهلية التي ملت نزيف الدم في الجنوب . وهي الآن تفعل كل ما بوسعها لوقف الحرب واستتباب الأمن في الجنوب غير عابئة بحل مشكلة الحكم في السودان أو وحدة أراضيه.
هناك أيضا بعض الشماليين الداعين لتأطير الثقافة الأفريقية وذلك كرد فعل لاستغلال الدين في شئون السياسة وفشل الحكومات المتعاقبة في حل المشكل السوداني وهؤلاء الشماليين أصيبوا باليأس والقنوط من عدم حسم مسألة فصل الدين عن الدولة وإلغاء القوانين الإسلامية التي شرعها النميري ، كما فقدوا الأمل والثقة في قياداتهم السياسية الممثلة في الأحزاب الشمالية التي مزقتها حكومة الإنقاذ الوطني وشرذمتها ، ووجدوا أنفسهم خارج حلبة النضال من أجل إلغاء القوانين المقيدة للحريات سواء على المستوى الفردي والجماعي، وأيضا خارج حسبة معادلات التسويات السياسية التي تجري على الساحة ، فتعلقوا بأهداب الثقافة الأفريقية بحجة أن السودان وطن يشمل الجميع دينيين وغير دينيين، مسلمين وكنسيين، وهذه الفئة لا تخفي أملها وطموحاتها بأن يحكم السودان زعيم جنوبي مسيحي حتى يتمكن من إحداث التغيرات اللازمة ، وأصبح أملهم في المكاسب السياسية والعسكرية التي يمكن أن يحققها الوحدويين الجنوبيين في قيادة الحركة الشعبية، لذا فهم ومعظمهم يقيمون بالخارج كلاجئين سياسيين في أوروبا وكندا وأمريكا والخليج وجدوا أنفسهم ينتظرون أن تحارب الحركة الشعبية بالنيابة عنهم لتحقق لهم أجندتهم الخاصة في الدولة العلمانية والحريات .
كما أن هناك بعض المناطق المهمشة الأخرى ( مثال جبال النوبة والإنقسنا ) ملت التعالي العرقي والتخلف التنموي الذي تعيش فيه فأخذت تبحث عن جذورها الأفريقية وتشبثت بأصولها الثقافية مقابل النعرات العرقية من أصحاب الأغلبية المستعربة من دعاة التأصيل والتعريب .
الأفروعربية
أو مدرسة الغابة والصحراء
في مطلع الستينات، وكانت حركات التحرر الوطني في أوج عنفوانها، تأسست مجموعات ثقافية عديدة أسست رؤيتها الشعرية والثقافية على الأفروعربية كمشروع حضاري يمثل التصالح بين الثقافة العربية والثقافة الأفريقية في السودان وقد كانت "أبادماك" أحدى إفرازات هذا المد الثوري مثل عديد من التنظيمات الأدبية المشابهة " رابطة سنار" و"أولوس" في كسلا وقد تبنى بعض أعضاءها الأفروعربية كحل لأزمة الهوية الثقافية في السودان .
كان من رواد مدرسة الغابة والصحراء الدكتور محمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر (الذي أبتكر التسمية) واسحق إبراهيم اسحق، على المك والشاعر الكبير مصطفى سند ،
والأفروعربية أ و مدرسة الغابة والصحراء هي رمزية دلالية للعنصر الأفريقي الذي تمثله الغابة والعنصر العربي الذي تمثله الصحراء وهي مماثلة للواقع الجغرافي السوداني حيث نجد الصحراء الممتدة من الشمال حتى تخوم الوسط وجنوب الوسط حيث الغالبية للعنصر العربي أو المستعرب , وكلما توغلنا جنوباً حيث تبدأ السافنا المعتدلة ، ثم السافنا الغنية والغابات المدارية نجد الغلبة للعنصر الزنجي ، ولقد وجدت جماعة الأفروعربية ضالتها في نموذج إنسان سنار تلك السلطنة السوداء التي قامت بتحالف العبدلاب مع العنج أي تلاقح العنصر العربي والعنصر الأفريقي الذي شكل النواة للسودان الوسط القائم إلى يومنا هذا.
الأفروعربية كمصطلح لغوي رداها الشاعر الدكتور محمد عبد الحي إلى دعوة سودنة الشعر التي نادى بها الناقد حمزة الملك طمبل وإلى مدرسة الفجر (مجلة أدبية أصدرها عرفات محمد عبد الله خلال ثلاثينيات القرن الماضي) وقد جاءت دعوة طمبل لتأسيس وإستحداث رؤية نقدية مميزة للأدب السوداني بعيدا عن مفاهيم الأدب الغربي التقليدي وموازية له في تلك الفترة كما جاءت دعوته لتنقض المسلمات الفنية لمدرسة الإحياء الشعري في العقدين الثاني والثالث من القرن الماضي (شعر محمد سعيد العباسي وود البنا) ، ،وقد كانت دعوته للشعراء السودانيين ليعبروا عن البيئة السودانية والطبيعة السودانية بكل التنوع والتمايز الذي تحمله "حتى يقول قارئ شعرهم إن هذا شعر سوداني حق، فيه الحساسية والتضاريس السودانية". وقد كانت الدعوة كلها تمثل تسامي الصفوة ليعبروا عن السودان كله وكان البحث عن القاسم المشترك الأعظم بين الهجين العربي الأفريقي في السودان ليعبروا عنه .
وقد تم نقد هذه المدرسة بأن شعرائها وأدباءها لم يجدوا ما يشفي غليلهم من شغف التعبير سوي الهروب إلى الفردوس الأفريقي وقد عرف الباحث والمنقب في الثقافة السودانية الدكتور عبد الله على إبراهيم متعه الله بالصحة والعافية في بحثه"الأفروعربية أو تحالف الهاربين"
(الأفروعربية كمدرسة فكرية لا تهدف إلى تحجيم الانتماء العربي الصريح وحسب، بل إلى إجراء تحسين جذري في المكون العربي الإسلامي من الذاتية السودانية. فاستعادة التراث الأفريقي في نظر الأفروعروبيين، ليست مجرد تصحيح لمعادلة مختلة، وإنما المقصود منها هو تهريب أجندتهم الاجتماعية والفكرية إلى الثقافة العربية الإسلامية الغبشاء المتشددة بقصد حملها على التلطف والسماحة ) (18)
ويقول أيضاً في بحثه آنف الذكر و في إطار نقده لجماعة الغابة والصحراء أو الأفروعروبيين في استخدامهم المكون الأفريقي في الثقافة السودانية وحقوق الجنوبيين في نصرة آرائهم في الحياة السياسية والاجتماعية وقد كان في قمة الشفافية في نقده ( وعندي إجمالاً أن خلع أو تحجيم الهوية الثقافة العربية هو إما غش ثقافي أو يأس. فالطريق فيما أرى إلى اطمئنان الجنوبيين وغيرهم من حملة الثقافة الأفريقية إلى أمنهم الثقافي، يمر عبر تصدي العرب المسلمين للنعرات وأنواع التحريم التي تغص بها ثقافتهم تصدياً بالأصالة عن أنفسهم، لا نيابة عن أحد . ويستلزم ذلك وقفة مستنيرة إزاء الذات وقدرة على تحري النقد ، وتحمل تبعاته . ولا أحسب أن حملة الثقافة الأفريقية ممن يرغب في الزج بهم كلاعبين رئيسيين في أجنده تفتح وديمقراطية الثقافة العربية الإسلامية ، فالأصح في نظري مثلاً أن يدعو من يزعم أن تعاطي الخمر حرية شخصية إلى كامل حرياته الشخصية كعربي مسلم. لا أن يتخفى وراء نسبته في أفريقيا التي الخمر فيها بعض الماء أو الغذاء أو أنخاب الطقوس. والأهم من ذلك كله ألا يتأسى العربي المسلم لفقدان الجنوبي حريته في شرب الخمر، قبل أن يتأسى هو لفقدانه الحق ذاته . فحملة الثقافة الأفريقية قد يرغبون أن يرو العرب المسلمين في السودان متمتعين بحقوقهم في الاعتقاد والرأي وأنواع الشغف الأخرى أولاً ، قبل أن يصدقوا مشروع الأفروعروبيين الحضاري.) (19) ولاشك كما ذكر الدكتور في مقالته حول الأفروعربية أو تحالف الهاربين أن هذه الخطة باتت مكشوفة . وأظنها اليوم باتت مكشوفة أكثر مما مضي لكل من له علاقة بحل المشكل السوداني
وأصدق تعبير عن ذلك نجده في جنوبيات محمد المهدي المجذوب التي يقول فيها:
وليتني في الزنوج ولي رباب تميد به خطاي وتستقيم
وفي حقوي من خرز حزام وفي صدغي من ودع نظيم
وأجترع المريسة في الحواني وأهذر لا إلام ولا ألوم
وأصرع في الطريق وفي عيوني ضباب السكر والطرب الغشوم
طليق لاتقيدني قريش بأحساب الكرام ولا تميم
هذه النزعة للتحلل والتفكك من قيد الزواجر والنواهي التي تحيط بالثقافة العربية الإسلامية وجدت منذ أمد طويل في الأدب العربي وفي السودان وجدت طريقها للتعبير من بوابة الغابة والصحراء أو الأفروعربية.
وقد نحت النور عثمان أبكر في رائعته صحو الكلمات المنسية التسمية التي أصبحت تمثل التيار الرئيسي لشعراء تلك الحقبة والتي يقول فيها :
مولود الغابة والصحراء
من هذا الطافر كالجبل الأسمر
كمنارة ساحلنا الأزرق
أما رمز مدرسة الأفروعربية وعنوانها فهو ما يتجلى في قصيدة د. محمد عبد الحي العودة إلى سنار التي يقول في بعضها:
سأعود اليوم يا سنار حيث الرمز خيط من بريق أسود بين الذرى والسفح، والغابة والصحراء
والثمر الناضج والجذر القديم
لغتي أنت
وينبوعي الذي يأوى نجومي
وعرق الذهب المبرق في صخرتي الزرقاء
والنار التي فيها تجاسرت على الحب العظيم
فافتحوا ، حراس سنار
افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة
افتحوا الليلة أبواب المدينة
" بدوي أنت"
لآ
"من بلاد الزنج "
لا
أنا منكم. تائه عاد
يغني بلسان ويصلي بلسان
الأفروعربية وطريق النار طريق النار مفروش بالنوايا الطيبة قول ينطبق على الأفروعروبيين الذين كان عندهم حسن القصد ويحدوهم الأمل في تمازج الثقافات العربية والأفريقية و إزالة العوائق بين الشمال والجنوب والدعوة للقاء في وسط الطريق بين هذا الجنوبي ذو الثقافة الأفريقية وذلك الهجين العربي الأفريقي ذو الثقافة العربية حتى ينتج إنسان سنار جديد . وأيضا للباحثين عن التفرد بعيدا عن طغيان الأدب العربي . لكن هذه الدعوة قد لا تختلف كثيرا عن دعوة الإسلاميين والعروبيين التبشيرية فالدعوة للتمازج القومي عند الإسلاميين ستنتهي بشكل مؤكد إلى تبني الجنوبيين الثقافة العربية والإسلام مقابل الرطانات والملل الوثنية. و أن يتحول ما تبقى لهم من ثقافة إلى شئ فلكلوري يشاهد على خشبة المسرح في الاحتفالات والمناسبات الرسمية.
وأخيرا فقد وجدت الدعوة الرفض والمقاومة من المثقفين الجنوبيين الذين رفضوا إعادة إنتاجهم كما ذكر الدكتور عبد الله علي إبراهيم ( فقد تلزم الجنوبيين ضرورات التساكن القومي إلى اكتساب اللغة العربية أو عادة عربية إسلامية . غير أنهم سيقاومون كل ميل لجعلهم يتبنون النسبة العربية المقترحة من قبل الأفروعربيين إلى جانب نسبتهم الأفريقية المؤكدة. وستبدوا لهم الدعوة إلى إعادة إنتاجهم ، عبر التمازج الثقافي كطبعة لاحقة لإنسان سنار ، نوعاً من الغش الثقافي لا حوار . فالجنوبيون محاذيرهم كثيرة ، الصادق منها والمخترع ، حيال عرب الشمال) (20)
العودة إلى المرعى
مؤسسة المسيد والبيئة الرعوية
يذكر الأستاذ محمد عبد القادر سبيل في بحثه (الميل إلى المرعى) النزعات الرعوية في الثقافة السودانية (21) (أن بنية ثقافة مجتمعنا تجد مرجعيتها في مصدرين أساسيين هما مؤسسة المسيد، والأهم من ذلك بيئة المرعى، وقد نزيد على ذلك نسبياً الثقافات الأفريقية). هنا يختزل الأستاذ/ محمد سبيل الثقافة السودانية في مرجعيتها إلى مصدرين أساسيين هما المسيد والمرعى، أما الثقافة الأفريقية فهي في مرجعيتها رعوية أيضا وذلك حسب طرحه.
يحدد سبيل مكونات الشخصية السودانية في مصدري المسيد أي الصوفية وهي تمثل الدين الحي الذي أستشف وأتبع من خلال مناهجها كما استدللنا في مكان آخر في هذه الدراسة. والمرعى أي الرعي الذي يمثل النشاط الاقتصادي لأكثر من ثلثي السكان.
قد يكون هذا الحديث التنظيري غير مقبول لدى الكثير من الباحثين في أنثربولوجيا الثقافة السودانية ومكوناتها، ولكن حتى لا نتسرع بإصدار الأحكام لنرى كيف يدلل محمد عبد القادر سبيل على نظريته: يقول في بحثه آنف الذكر: "من المسيد انحدرت قيم وسمات شخصية محددة تعد من مميزات السلوك السوداني ومن ذلك التواضع والتسامح والزهد وتمجيد الفقر والانحياز للضعيف وعدم الاعتراف بالتمايز أو النبوغ والتشكيك في مشروعية حالات النجاح اللافتة، وكذلك بساطة الطعام والملبس وتواضع العمران وغير ذلك كثير مما كان يتلقاه الفرد من أخلاقيات وقيم تحولت مع مر الأيام إلى أعراف ومحددات سلوكية (أي ثقافة بالمعنى الانثربولوجي) توارثتها الأجيال حتى لتجد تمظهراتها عند من لا صلة له بتربية (حيران) المسيد مباشرة. أما بيئة المرعى فقد طبعت الشخصية السودانية بمعظم السمات السلوكية الأخرى، سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي، ومن ذلك اعتماد الشفهية بدلاً من التوثيق، والتشبث بالحرية، دون أن يتلازم مع المسئولية بالضرورة، وأيضاً رفض السلطة من حيث المبدأ، والضجر من الرسوخ والاستمرارية، وبالتالي عدم التكيف مع روح المؤسسية كنظام ورسوخ ودقة وثبات مبادئ".
يستدل الأستاذ سبيل بالأمثال والحكم الشعبية كوجه ثقافي ومناهج التعليم التي تعكس الثقافة الرعوية ويطرح العديد من الاستدلالات من الواقع السوداني المعاصر كالملبس والمسكن والمأكل. كما يحمل النشاط الزراعي وبنيته الهشة وعدم استقراره في تأسيسه إرثا ثقافيا زراعياً متواصلاً .. يقول الأستاذ سبيل : مازلت أدعو وأطلب مؤازرة المبدعين والمفكرين نحو تأسيس مدرسة (العودة إلى المرعى) بدلا من (العودة إلى سنار) التي طرحتها مدرسة الغابة والصحراء، لأن الإجابة الشافية لجذور الهوية السودانية وبنية التفكير السوداني ومرجعية الثقافة وأسباب عدم الاستقرار وعدم النمو وفشل الممارسة الديمقراطية الليبرالية نجدها جميعا تعود إلى ثقافة المرعى، وهذا الكلام يخص كل القبائل السودانية بمن فيهم الجنوبيون غير المشمولين أصلا بنموذج سنار ( الخلاسي ) كما يخص النوبة والبجا والأنقسنا، كل هؤلاء رعويون ويعتزون بذلك وهذا من حقهم – كما يواصل سبيل في موضع آخر من ورقته " من المهم جدا أن نذكر هنا مسألة غاية في الأهمية مفادها أن البداوة ليست صفة تخص العرب دون سواهم" وهو يرى أن هذا خطأ وقعت فيه مدرسة الغابة والصحراء في مرجعيتها الثقافية .. قصيدة محمد عبد الحي – العودة إلى سنار بدوي أنت ..إلخ ويؤكد سبيل أن ثقافة المجتمع الرعوي تضم حتى قبائل الجنوب التي يمارس معظمها هذا النشاط الاقتصادي (...أؤكد هنا أن أهم القواسم الثقافية المشتركة التي تربط بين القبائل السودانية كافة مرجعيتها الرعوية) إنتهى.
إذا علمنا بأن الإنسان هو أبن الأرض التي يعيش عليها فطقسها ومناخها وتضاريسها وناتجها وعلاقات إنتاجها هو الذي يشكل ملامحه الأساسية وسلوكه، مع علمنا بعدم الاستقرار الزراعي تاريخياً وطبيعة الزراعة المطرية وبداوتها . حيث تعرضت الزراعة لكثير من المحن عبر تاريخها أكبرها ما فعله الخليفة عبد الله بالمزارعين والقبائل المستقرة حول النيل. فلا غرو بأن نتفق مع سبيل في بعض ما طرحه ولكن أيضا نختلف معه خاصة بعد تحليلنا لمكونات الشخصية السودانية.. لأن حصر مكونات الشخصية الثقافية السودانية في إطاري المسيد والمرعى فيه كثير من التجني على المكونات الأخرى خاصة المكونات التاريخية والتداخل الثقافي الشعوبي والمناخ وأثره في المأكل والملبس والمسكن والمعتقدات الإثنية والأرواحية السابقة للإسلام . عموما الدراسة هامة وحيوية وفيها الجديد وأتمنى أن تستكمل خاصة تركيبة الطرق الصوفية وأثرها في المكونات والممارسات الدينية لدى المسلمين. وأتمنى أن تجد الدراسة طريقها في البحث والتمحيص من قبل أهل الاختصاص.
السوداناوية
عرفت السوداناوية كمصطلح تعريفي للهوية السودانية عندما أصدرت الحركة الشعبية لتحرير السودان منفستو إعلان قيامها في 1983 ، ويعرف الدكتور جون قرنق رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان السوداناوية بأنها البوتقة التي ستأتي نتيجة انصهار التنوع التاريخي " أي التركيبات القديمة للسكان الأصليين منذ ما قبل التاريخ" والتنوع المعاصر " وهو التنوع الثقافي المعاصر بتركيبة السودان الحالية" دون أن يهمل المؤثرات الخارجية والتداخل الثقافي العالمي. و يلخص الدكتور جون قرنق السوداناوية بطريقة الرياضيات وذلك وفق المعادلة التالية (س = (أ + ب + ج ) حيث أن س هي السودان أو الهوية السودانية ، وهي دالة مرتبطة بالمتغيرات أ ، ب ، ج . أ يمثل التنوع التاريخي ب يمثل التنوع المعاصر وج يمثل تأثيرات الحضارات الأخرى علينا ، أما المتغير الثابت ( س ) والذي يمثل الهوية السودانية فهو المحصلة النهائية لهذه المتغيرات أو المكونات . وتعد السوداناوية كهوية ثقافية بأنها أكبر من مجموع الأجزاء المكونة لها (22) .
كتب كثير من الباحثين في حقل الهُوية السودانية وعلى رأسهم المرحوم الدكتور أحمد الطيب زين العابدين عن السوداناوية كبوتقة لصهر الثقافات السودانية المتنوعة وقد ذكر الدكتور منصور خالد في ذلك إن القاع الاجتماعي للوطنية السودانية ليس هو الاستعراب أو التزنج وإنما هو خليط من هذا وذاك ووأشار عليه بالسوداناوية. و ويعرفها الدكتور منصور بأنها نتاج عروبة تنوبت وتزنجت ونوبة تعربت ، وإسلام وشته على مستوى العادات وليست العبادات شبهة من وثنية ...(23) ويرى الدكتور منصور خالد أن العلاج الناجز لمسألة الهوية السودانية هو المواطنة ويقول في ذلك:
السودانيون ليسوا قومية واحدة بالمفهوم الأنثروبولوجي أو السلالي ، وإنما هم شعب واحد – بالمفهوم السياسي – تمازجت عناصره في فضاء جغرافي محدد ، وأفق تاريخي معين ، وكل واحد منها مزاج. وفي القانون ترتكز المواطنة على عمدتين، حق الدم Jus Sanguinis وحق الأرض Jus Solis . السودانيون إذن نتاج لصدف الجغرافيا والتاريخ شأن شعوب كثيرة تخلقت نتيجة لمثل هذه الصدف (أمريكا ، جنوب أفريقيا ، بيرو ، البرازيل ، كندا) هذه الشعوب المتعددة المنابت والمتنوعة الثقافات أدركت بحسها الواعي بأن الرابطة الوثقى التي توحد بين أهليها هي الإحساس بالانتماء لوطن واحد (المواطنة) ، والولاء لدستور واحد يؤطر هذه المواطنة . فالخيار أمام مثل هذه المجموعات هو أما الانتماء للوطن انتماءا مباشرا عن طريق المواطنة ودستورها، أو الانتماء له انتماءا غير مباشر عن طريق هوُياتها الصغرى، دينية كانت أم عرقية أو ثقافية. الانتماء الأخير وصفة لا تنجم منها إلا الكارثة لأن التحصن بالهوُيات الصغرى يفضي، بالضرورة، إلى إقصاء الآخر الذي لا ينتمي لتلك الهوُية، وإقصاء الآخر يقود بالضرورة أيضاً إلى تقوقعه في هويته المحلية المحدودة، وربما إلى إنكار كل ما هو مشرق في ثقافة من أقصاه وسعى للهيمنة عليه. فالفريق المقصى لن يرى - بمنطق رد الفعل - في إبداعات الآخر أكثر من إنها وجهة من وجوه الهيمنة والإلغاء. (24) ) كما تنطلق السوداناوية بالاعتراف بواقع الأديان السماوية والتقليدية الأفريقية السودانية وأنه يجب التعامل معها كواقع حياة وأن يتم التعامل مع معتنقيها كأقوام أصيلة في البلاد وليس كأقليات لا يعتد بها ولا بدياناتها (25)
ما هو مطروح من سوداناوية هو شكل آخر للعولمة على نطاق قطري !. ولكن هل يحمل كل مساوئ العولمة أم أن اختلاف المصالح والأهداف يبرئها من الأدران وحسن القصد والنوايا الطيبة سوف ينجيها من مساوئ العولمة التي يفسرها البعض بأنها شكل آخر للاستعمار الجديد وهل تتحول السوداناوية إلى استعمار داخلي ؟ وذلك بعد الإحاطة على التعددية والتنوع والاختلاف بين منطقة وأخرى داخل شبه القارة السودانية.
تطرح السوداناوية أمام تنافس وصراع الهويات والثقافات سماءاً مفتوحتاً للجميع ، حيث تكون الغلبة والهيمنة في نهاية المطاف للأقوى ، وحيث تذوب الثقافات الضعيفة في صهريج السوداناوية وقد يتحول الأمر إلى بحر يأكل فيه السمك الكبير الأسماك الصغيرة ، لكن هل هذا ما تصبوا إليه السوداناوية؟ و هل يتحول اللهاث من أجل ثقافة سوداناوية إلى لهاث من أجل تنمية الرأس مال وتكديس الثروات وتغليب الثقافات ؟ لا شك أن التساؤل مشروع خاصة عندما يأتي الطرح من فصيل سياسي قوي ونافذ مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان ،
هناك عدة عوامل لتتوافق السوداناوية ومكملة لطرحها من ضمنها إعادة توزيع الثروة والتنمية المتوازية وشكل الحكم وفصل الدين عن الدولة وأخيرا الديمقراطية اللبرالية التي ارتضتها كل أطراف الصراع السياسي أو الفرقاء السودانيون كما يحلو للصحافة العربية أن تدعوهم.
خلاصة
لا أظن أنه خافيا على أي أحد ما حاق بشعب السودان جراء السياسات المتعاقبة والتي تسيره بعكس عجلة التاريخ ، فمن بين أصحاب الخيار الإسلامي والعروبيون إلى الباحثين عن التأصيل الثقافي في أضابير الماضي العتيق ، جميعهم أدمنوا الخيارات السهلة واستطابوا العيش في ظل الاستنتاجات الجاهزة والمعلومات المعلبة حتى أصيبوا بالخمول الفكري ، ولا يودون أن يرهقوا عقولهم بالبحث في رد الظواهر الفكرية إلى مرتكزاتها أو في فهم الماضي في إطاره التاريخي ، يبحثون عن حلول لمشاكل الحاضر في ذلك الماضي مع كل ما يمثله من سحر وبما له من تقديس وهالة جذابة تداعب أحلام الفقراء والبسطاء بإقامة العدالة الراشدة كما كانت في زمان الفاروق عمر ، وتوصلنا بأسباب السماء وتبسط النعيم والرخاء ناسين أو متناسين أن الماضي لا يعيش في دواخلنا إلا بالقدر الذي يتيحه له الحاضر، والحاضر وحده هو الذي يشكل إطار حياتنا الراهنة ، لذا لا يلبثوا أن يعودوا للحاضر الواقع بأيديولوجية يمينية فاشية تغرق البلاد في حمامات الدم و متاهات الجهل والظلام.
أن الثقافات السودانية متعددة الأشكال والسمات ، ولكن أمر القائمين عليها أشبه بصاحب متجر ضخم يملك سلعاَ متنوعة .. لكنه يعرض لزبائنه سلعة واحدة ، تاركا بقية بضاعته حتى تكسد وتفسد وتموت .. فلماذا لا نعرض ونستعرض ما نملك ، نبحث عن الخير والجمال في أدب الدينكا والشلك والنوير وعن البطولة والفراسة في أدب الجعليين والمتعة في حكايات وأغنيات الشايقية والحكمة في آداب وفنون البجة والبني عامر ونبحث ما عند النوبة ونتعلم مما لدى البقارة والمساليت والرزيقات والفونج والهمج في الجنوب الشرقي ... الخ وليكن إتجاهنا هو:
نحو ثقافات سودانية متمايزة ومميزة .. ديمقراطية المحتوى متعددة الأشكال والأوجه.
وحتى نتمكن من تحقيق الحد الأدنى من الدولة القومية الموحدة ، لا بد من إجراءات عديدة تتم وقرارات كبيرة تتخذ على كافة المستويات ، على سبيل المثال لا الحصر يجب تقليص عدد الأقاليم في السودان إلى خمسة أقاليم كما نادى الأستاذ محمود محمد طه عام 1955 قبل الاستقلال ، وهي الإقليم الشمالي والشرقي والغربي والأوسط والجنوبي, بحيث يتألف الإقليم الشمالي من الرقعة الممتدة من حدود أمدرمان الشمالية حتى الحدود المصرية, والشرقي من الرقعة التي تشمل مديرية كسلا وأرض ومنطقة البحر الأحمر, والغربي من كردفان ودار فور, والأوسط من منطقة النيل الأزرق والأبيض وارض الجزيرة, والجنوبي من كل الولايات الجنوبية, أي المناطق التي كانت تتألف منها الثلاث المديريات (بحر الغزال وأعالي النيل والاستوائية) عند الاستقلال عام 1956. مع إضافة أبيي إلى الإقليم الجنوبي وذلك بعد مراجعة رغبة أهلها ، وهذا التقسيم يؤدي إلى تقليص الصرف الحكومي على مؤسسات وهياكل المديرات المتضخمة وتأكيد معاني الوحدة القومية السودانية, وبينما تصبح الخرطوم بأجنحتها الثلاث عاصمة فيدرالية للسودان. ويجب أن يكون لكل إقليم صلاحيات واسعة في إصدار التشريعات واستنباط القوانين اللازمة لتسيير عجلة الحياة فيه على أن لا تتناقض مع دستور العام الذي يجب أن يراعى في وضعه حقوق المواطنة والدولة المدنية.
كما يجب أن تختصر المسافة بين بورسودان في أقصى الشرق ومدينة الفاشر في أقصى الغرب بحيث تكون المسافة بينهم أقرب من المسافة بين مدينتي بورسودان وجدة اللتان لا يفصل بينهما سوى البحر الأحمر، وكذلك المسافة بين وادي حلفا في أقصى الشمال ونمولي في أقصى الجنوب يجب أن تصير أقرب من حلفا إلى أسوان المصرية وذلك بتوفير سبل المواصلات الرخيصة والنقل التجاري الأقل تكلفة والاتصال ، يجب أن يتكامل السودان تجاريا واقتصاديا بحيث أن السلع التي تنتج في نمولي وجوبا تباع بنفس السعر في الخرطوم وكسلا والفاشر وفي وادي حلفا وهذا الأمر لا يحتاج لسحر ساحر بل قرار حكومي بسيط بحيث أن رسوم الإنتاج المقررة على السلع يجب أن يراعى فيها تكلفة النقل مما يجعل السوق المحلية في متناول كل أصحاب العمل والإنتاج بدون أي معوقات من الناحية الاقتصادية ونكون قد حققنا بذلك إحدى ركائز وحدة الهوية أي "تبادل المصالح" وهناك سياسات أخرى يمكن أن تساهم في خلق الروابط الاجتماعية والتزاوج وتقوية ركيزة أخرى وهي "رابطة الدم" وذلك بتشجيع الزواج بين الأعراق المختلفة ويمكن أن تسن تشريعات مثال أنه في حالة زواج أي جنوبي من بنت شمالية بأن يمنح الزوجين قطعة أرض سكنية أو مزرعة أو ورشة صغيرة أو قيام صندوق تكافلي لتشجيع مثل هذه الزيجات وأن يمنح هؤلاء الأزواج أولية في التعيينات للوظائف الحكومية وفي الترقي الوظيفي حتى يستقر تكوينهم الأسري . كما أن هناك مسألة رعاية الثقافات المتنوعة في السودان يمكن أن يتم ذلك بتدريس اللغات المحلية في مناطقها كجزء من المقررات المدرسية وأن تدرس بشكل اختياري في بقية أرجاء الوطن بحيث من حق الطالب في حلفا أن يتعلم لغة الدينكا لو أراد ، كما أن من حق الشلكاوي أن يتعلم اللغة النوبية وهكذا حتى نثبت لغاتنا التي تعبر عنا من نمولي إلى حلفا.. ثم فوق كل هذا وذاك يجب أن ننشأ دولة المواطنة التي لا يحس فيها أي مواطن بالاضطهاد بسبب دينه أو عرقه أو لونه أوثقافته أولغته ، يجب أن نعمل جميعا لإعادة الثقة للجنوبيين فينا ،حتى يمنحونا الفرصة الثانية وذلك بالتصويت لصالح الوحدة.
أفريقيا المصغرة أو هذا الواقع السوداني المتنوع ثقافيا المتعدد عرقياً ودينياً والسناً وأعرافا ومجاورة يتطلب جهد مؤسسي فعال من قبل جميع مؤسسات المجتمع أهلي و حكومي ، رسمي وشعبي، وهي مسئولية تاريخية ونحن نمر بهذا المنعطف الخطير في أن نكون أو لا نكون . حماية ورعاية ثقافات الاقليات الضعيفة وإبرازها ونشرها وتوثيقها واجب في أيدينا اليوم وبأيدي غيرنا غدا ، وأن أي استعلاء من أي مجموعة عرقية أو ثقافية، مهما بلغ شأنها في أو أي محاولة لقمع وحجب ثقافة الآخر يكون مكمن ضعف قاتل للهوية السودانية كلها .. أن ديمقراطية الثقافة هي جوهر ديمومتها وتطورها وانطلاقها نحو العالم ، أنها البوتقة والسبيل الوحيد لدمج وصهر الثقافة في السودان الواسع حتى تخرج لنا في النهاية ثقافة سودانية تحتوي كل سمات هذا المجتمع المتعدد وتعبر عن همومه ووعيه وتكون رافد إيجابي في الثقافة الإنسانية ، ثقافة ذات ملامح محددة وخاصة،وهي حتما حين تأتي لن تكون عربية نجدية ولا أفريقية نقية التزنج بل ستكون سودانية، قد لا نعيش حتى نراها ولكن من أجل أطفالنا القادمين فلنمهد لها الطريق بالإيمان بالتعددية و بنبذ الاستعلاء العرقي والإقرار بالتنوع الثقافي وبديمقراطية الصراع الفكري وتطوره الطبيعي ، ومعافاته من اللعب الخشن والغير قانوني فكما يقول شاعرنا محمد الحسن سالم حميد
بى كم قتيل تقدر تدوم عمراً طويل في السلطنة
بسم الله .. ولا الشيطنة
وارد حراق نص البلد في جنح ليل
بى فدّ قتيل
بس مستحيل التجبر الأبنوس غصب يصبح نخيل
والعكس
لا تتعب تجر خيط الفجر تالا الأصيل
خلى الوطن ياخد براحه
كما الخميل
من كل لون تابع جميل
انتهي
عاطف عبد الله قسم السيد
atifaage@maktoob.com
هوامش
(1) إحصاء 1955
(2) طه إبراهيم الهوية السودانية وعلاقة الدين بالدولة مركز الدراسات السودانية – المغرب الرباط يناير 1992
(3) الفقهاء والسلطنة في سنار د. عبد السلام سيد أحمد براغ 1991 ص 40
(4) المصدر السابق ص 60
(5) كتاب الطبقاب ص 43
(6) الإسلام في السودان - ج . سبنسر تريمجهام 1946 ترجمة فؤاد محمد عكود 2001 ص 15
(7) الفقهاء والسلطنة في سنار د. عبد السلام سيد أحمد براغ 1991 ص 60
(8) أنظر صراع الرؤى – نزاع الهويات في السودان د. فرنسيس دينق ص42.
(9) الفقرا المعني بهم الفقهاء وهم مشايخ الطرق الصوفية الذين وفدوا إلى البلاد من أجل نشر الدعوة الإسلامية
(10) الإسلام في السودان - ج . سبنسر تريمجهام 1946 ترجمة فؤاد محمد عكود 2001 ص 111
(11) المصدر السابق
(12) د. منصور خالد جنوب السودان في المخيلة العربية ص 53
(13) الثقافة والديمقراطية في السودان – د. عبد الله علي إبراهيم – دار الأمين للطباعة ص 144
(14) د. حسن عبد الله الترابي من كتاب الإيمان وأثره في حياة الإنسان ص 219 منشورات العصر الحديث
(15) جنوب السودان آفاق وتحديات – جون قاي نوت يوه الأهلية للنشر والتوزيع ص119
(16) المصدر السابق ص 119
(17) المصدر السابق ص 122
(18) الثقافة والديمقراطية في السودان – د. عبد الله على إبراهيم – دار الأمين للنشر والتوزيع ص18
(19) المصدر السابق ص 25
(20) المصدر السابق ص24
(21) محاولة لتلمس النزعات الرعوية في الثقافة السودانية الأستاذ/ محمد عبد القادر سبيل - دراسة مقدمة للمنتدى الثقافي أبوظبي 2000
(22) د. جون قرنق رؤيته للسودان الجديد - قضايا الوحدة والهوية – تحرير د. الواثق كمير ص 39 -40
(23) د. منصور خالد جنوب السودان في المخيلة العربية ص 8
(24) د. منصور خالد جنوب السودان في المخيلة العربية ص 341 - 342
(25) د. منصور خالد جنوب السودان في المخيلة العربية ص 352
مكملات البحث
1- خريطة توضح سلطنة سنار والممالك القديمة في السودان (مرفقة)
2- خريطة توضح التكوينات القبلية في السودان الإنجليزي المصري 1955 (مرفقة)
3- صور للزعامات السياسية والفكرية في السودان من الأرشيف
4- صور من التراث السوداني الثقافي المتنوع
هنا الرابط (http://www.mafhoum.com/press4/121C37.htm)
ابوبكر
17-01-2009, - 03:08 AM
مشكلات السودان أزمة هوية أم ميلاد
2008-08-04
السفير/ الخضر هارون
تجمع الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية معاً على قدم تاريخ الجزء الشمالي من السودان الممتد من الحدود المصرية الحالية وحتى حدود مملكة علوة جنوب الخرطوم. وقد ذهب الدكتور علي محمد عثمان رئيس قسم الآثار بجامعة الخرطوم عبر برنامج بثته قناة السودان الفضائية في العشرين من شهر فبراير من عام 2005م إلى أن مدينة ربك الحالية في ولاية النيل الأبيض تمثل الحد الجنوبي لممالك النوبة القديمة، وأن تاريخ تلك الممالك قد امتد لعشر آلاف سنة كاملة. والشاهد الحي على ذلك كتابات الرحالة الإغريق والرومان، بل والآثار الرومانية واليونانية الشاخصة حتى اليوم في كرمة وفي المصورات الصفراء شمال الخرطوم، ثم ما ورد في الإنجيل عن بلاد كوش وعن أن تهراقا قد حرر الأرض المقدسة في فلسطين من الفرس الغزاة، وما ورد في العهد الجديد من أن السيد المسيح قد أوحى للقديس يوسف أن يعمد الخصي وزير خزانة الكنداكة ملكة النوبة في منطقة غزة الحالية كأول (أمي – جنتايل gentile) ليعتنق الديانة المسيحية. وقد ورد ذكر إثيوبيا والتي تعني بلاد النوبة وأجزاء من ممالك الحبشة القديمة في أكسوم أكثر من ثمانٍ وثلاثين مرة في الإنجيل بجزئيه العهد القديم والجديد ثم كتابات الرحالة العرب قبل وبعد دخول الإسلام إلى بلاد النوبة وما أفرده ابن خلدون عن تغلب الثقافة العربية في السودان عبر نظام الوراثة النوبي.
والشاهد من هذا الاستطراد أن هذا الجزء من السودان كان جزءاً من العالم القديم تأثراً به وتأثيراً فيه، وقد ظل على هذا الحال حتى العصر الحديث عندما جاء محمد علي باشا في القرن التاسع عشر ليضمه اسمياً إلى الإمبراطورية العثمانية، ويضم إليه ممالك لم تكن جزءاً منه شرق وغرب النيل في كردفان ودارفور، والتي عجزت دولة سنار - وارثة المنطقة الجغرافية التي كانت تضم ممالك النوبة الثلاث - عن ضمها، كممالك المسبعات ومملكة تقلي العباسية في الجبال الشرقية من جبال النوبة بكردفان، وممالك دارفور التي عيّن الزبير باشا رحمة حاكماً لها في عام 1875، ثم سلاطين باشا إبان العهد التركي ثم اتسعت رقعة السودان الجغرافية جنوباً حتى منطقة البحيرات في سياق سعي محمد علي لاكتشاف منابع النيل.
لقد أسهمت الجغرافيا الخاصة بالرقعة التي تمددت عليها ممالك النوبة التاريخية والمتمثلة في وجود النيل والقرب النسبي للمنطقة من البحر الأحمر في صناعة تاريخ هذه المنطقة بربطها بالعالم منذ القدم، مما جعلها عرضة للغزوات والمغامرات والاستعمار.
ولهذا السبب فقد تأثرت هذه المنطقة - بحكم كونها كانت على الدوام عرضة للمؤثرات الخارجية دون غيرها من مناطق السودان الأخرى - بما كان يجري في تلك العوالم من حولها، لذلك ظلت تيمم وجهها على الدوام شمالاً إما تحسباً من الوقوع في براثن الغزو الخارجي والطموح لمعرفة التقانات والمعارف التي تزيد من قوى الدولة في النهوض والصمود في وجه العدوان، أو اللجوء إلى غزو الآخر قبل أن يغزو (الغزو الاستباقي) كما فعل بعانخي وتهراقا مؤسسا الأسرة الفرعونية السادسة والعشرين من جبل البركل في مملكة نبتة وجاءت المسيحية على يد رسل الإمبراطور البيزنطي وزوجه ثيودورا في القرن الرابع الميلادي إلى ملوك النوبة في السودان ليضيف ذلك لصلة السودان بالشمال بعداً روحياً يتمثل في الديانة المشتركة التي تربط السودان بذلك العالم الشمالي.
الأمر الآخر أن سكان هذه المناطق يرتبطون بوشائج دم مع شعوب البحر الأبيض المتوسط (ملاحظات الرحالة الإغريق وتشبيههم للنوبة بالهنود وما ذهب إليه الأنثربولوجي ويليام آدمز في سفره: النوبة المعبر إلى إأفريقيا، Nubia Corridor To Africa ووثيقة ملك أكسوم عيزانا الذي دمر مملكة مروي وما ورد فيها من حديث عن النوبة الحمر).
أما علاقة السودان بالشمال العربي فقد سبقت مجيء الإسلام إليه، حيث ذهب الرحالة والمؤرخون العرب إلى أن ملوك النوبة المسيحيين كانوا يرجعون أنسابهم إلى حمير في اليمن. وتكلست هذه العلاقة لاحقاً بظهور الإسلام وتدفق القبائل العربية على السودان الأمر الذي أدى إلى تغيير تركيبة البلاد الثقافية والسياسية، ولم يعد الارتباط بالشمال روحانياً وحسب، بل أصبح ارتباط ثقافة ولغة ودماء مشتركة. وتعزز هذا الرباط لاحقاً بتدفقات عربية من المغرب العربي خاصة بعد سقوط غرناطة عام 1492م، الأمر الذي ألحق أغلب مناطق غرب السودان بالثقافة الجديدة المشتركة لمناطق النيل التاريخية، وهي ثقافة بلد ينتمي إلى العالم الإسلامي ويعبِّر عن ذلك الانتماء بلسان عربي مبين.
والقول بأن العربية فرضتها أقلية على البلاد يكذبه التاريخ. إننا وبعد البحث المضني لم نقف حتى على مجرد ادعاء تاريخي كدليل على هذا الاتهام، فدولة سنار التي قامت عام 1504م لم تكن تملك وسيلة فعالة حتى على فرض الضرائب بل ظل سلطانها السياسي والعسكري على المناطق الواقعة بقليل شمال مناطق حلفائها العبدلاب اسمياً في أغلب الأحيان، دع عنك فرض لغة وثقافة على أحد. واتخذت العربية لغة رسمية للدولة لأنها ببساطة كانت هي اللغة السائدة أو ما يعرف اصطلاحاً بالإنجليزية lingua franca، ودونكم رسالة ملك سنار للغزاة الأتراك الرصينة "لا يغرنكم تغلبكم على الجعليين والشايقية فنحن السادة وهم الرعية، واعلم أن سنار محمية بصوارم قاطعة هندية... إلى آخر الرسالة" وقد اعتمدت الإدارة التركية التي قوّضت دولة سنار ذات النهج في اعتماد العربية، رغم أن اللغة التركية ظلت لغة رسمية حتى في مصر نفسها حتى العقد السابع من القرن التاسع عشر، بل أضافت الإدارة التركية الجديدة بعداً جديداً بإدخال التعليم النظامي وجاءت بأساتذة مصريين أكفاء لوضع لبنات ذلك التعليم من أمثال رفاعة رافع الطهطاوي. وتدل رسائل الإمام المهدي (راجع سفر بروفيسور أبو سليم في هذا الخصوص) وخليفته على تجذر اللغة العربية في هذا البلد إلى الحد الذي استعصى معه على الاستعمار البريطاني بعد عام 1898 البحث عن لغة بديلة للعربية، بل حرصت الإدارة البريطانية في كثير من الأحيان على إرسال بريطانيين يحسنون العربية للعمل في السودان ومن بينهم قائد إعادة استعمار السودان السردار كتشنر (راجع بداية الجزء الثاني من مذكرات بابكر بدري). بل أبقت الإدارة البريطانية على استخدام اللغة العربية كلغة تعليم حتى في جنوب السودان حتى عام 1928م، لأنها ببساطة كانت لغة التخاطب المشتركة بين قبائل الجنوب حتى في ذلك الزمن البعيد. (راجع اسبنسر ترمنغهام: التناول المسيحي للإسلام في السودان Christian Approach To Islam In The Sudan) وقد هالني شخصياً ما وجدت من رسوخ العربية في السودان خلال دراستي للصلة الوثيقة لعاميتنا بالفصحى في عهود بداوتها الباكرة، وهو ما سجلته في كتابنا "أشتات في العامية السودانية: مجتمعات في الفصحى" والذى صدر قبل أيام عن هيئة الأعمال الفكرية.
إذن فإن هذا الرصيد التاريخي الضخم من التفاعلات الحضارية والثقافية مع الشمال مطلقاً وعبر التاريخ هو سبب اتجاه السودان دوماً نحو الشمال عندما كانت مراكز الحضارة في اليونان، ثم في بيزنطة وطيبة في مصر، ثم مكة والمدينة والفسطاط ودمشق وبغداد. وقد عزز تركيز ذلك التوجه إلى الحواضر العربية والإسلامية الصلات الروحية كما أسلفنا وصلات الدم الناتجة عن التزاوج الذي تم بين العرب المهاجرين وسكان البلاد من النوبة والزنج والبجا وتلك حقيقة تاريخية لا جدال فيها هي المبرر المنطقي الوحيد لرسوخ قدم العربية في هذا البلد. هذا هو السبب في أن يخص السودان الشمال العربي والإسلامي بخصوصية في العلاقة دون سائر الجهات، و ليس نتيجة لمركبات نقص يحملها بنوه كما ذهب لذلك الدكتور باقر العفيف في تناوله للقضية في بحث له بعنوان "أزمة الهوية في شمال السودان: متاهة قوم سود ذوو ثقافة بيضاء" الذي ترجمه إلى العربية الأستاذ الخاتم عدلان.
وقد علمت أن الدكتور العفيف عاكف على إتمامه كتاباً بزمالة من المعهد الأمريكي للسلام في واشنطن. (لا أدري إن كانت المصادفة المحضة هي مرد التشابه في الأسماء بين البحث وبين كتاب المناضل الذائع الصيت فرانز فانون: بشرة سوداء, أقنعة بيضاء Black Skin White Masks أم هي إسقاطات الكتاب على البحث!) أو تنكراً لانتماء السودان إلى إفريقيا، وهو انتماء تؤيده أيضاً كل الشواهد، كما إنه انتماء يعتز السودان به، وقد كان في طليعة الدول الداعمة للكفاح الإفريقي والاعتزاز بهذا الانتماء هو الذي حمله على السعي ليلعب دوره كجسر تواصل بين عالميه إفريقيا والعالم العربي. وقد ذكر لي الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أثناء عملي بالجزائر وقبل أن يصبح رئيساً أن السودان والجزائر قد لعبا دوراً تاريخياً في تبني إفريقيا لقضية الحق العربي في فلسطين بعد حرب عام 1967م. وتزويد السودان لنلسون مانديلا ورفاقه في نضالهم ضد نظام الفصل العنصري بالمال ووثائق السفر من الشواهد على اعتزاز السودان بانتمائه الإفريقي.
هذا الحراك السياسي والثقافي أدى إلى نشوء ثقافة مشتركة في معظم أجزاء ما يعرف اليوم بالسودان الشمالي، بحيث أنك حيث ما ذهبت في هذه الرقعة المترامية الأطراف تدرك أنك في بلد واحد تربط بين أجزائه لغة مشتركة وسحنات متشابهة ومآكل ومشارب تكاد تتطابق تماماً، بالإضافة إلى لباس مشترك وديانة غالبة إلى درجة أن السودانيين في مهاجرهم يعدون أقذع الذم أن تصف أحدهم بأنه "ما سوداني" أو أن أخلاقه "ما أخلاق سودانيين"، وهذا أبلغ اعتراف بوجود سمات عامة مشتركة تميز أهل هذه البلاد. صحيح أن الجنوب وبعض المناطق التي شملها قانون المناطق المغلقة في جنوب النيل الأزرق وجنوب دارفور وبعض مناطق جبال النوبة لم تتكثف فيها السمات المشتركة كما في المناطق الأخرى التي ذكرناها بذات الدرجة، بحيث أنك لو عبّرت عن إرث مشترك للثقافة وسلطان الدولة بالألوان، لحظيت المنطقة الجغرافية التي تمددت فيها دولة سنار بأغمق الألوان، ثم تليها مناطق الممالك الإسلامية في المسبعات وتقلي في الجبال الشرقية، ثم ممالك دارفور في أقصى الغرب.
قضية الهوية:
الهوية ويرمز لها في الإنجليزية بكلمة Identity تعني الخصائص المميزة لشعب أو لمجموعة بشرية بعينها.
ولتقريب الصورة ودون أن نوغل في التعريفات العويصة من لدن سقراط وحتى فرويد فإن هويات الأشخاص التي تضمن في بطاقات تعريفية تتحدث عن خصائص جسدية وأخرى مكتسبة أو وظيفية فيثبت فيها أن حامل البطاقة يتميز عن الآخرين بلون وطول وحجم ووزن معين، وأنه يسكن في جزء معلوم من المدينة، ويشغل وظيفة كذا في مكان كذا، وترجو السلطات ألا تتطابق هذه السمات مع شخص آخر حتى يتم التعرف بيسر على حاملها عند الحاجة. فهل توجد هوية مميزة للسوداني؟ بمعنى أنك اذا سألت عراقياً مثلا عن السوداني. أتصور أن سمات خلقية بعينها قد تقفز إلى ذهنه: إنسان أشبه بسكان شرق إفريقيا، شديد الشبه بالأثيوبيين والصوماليين والأريتريين، يتحدث العربية، يلبس جلباباً أبيضاً ويعتمر بعمامة بيضاء، وقد يكون في الغالب مسلماً. وهذه السمات نفسها تقفز إلى ذهن السوداني إذا سمع كلمة سوداني لكنه قد يسأل من أي مكان من السودان ذلك السوداني، لتقريب الصورة أكثر إلى ذهنه.
أين الأزمة التي يتحدثون عنها هنا؟ يقولون إنها ادعاء السوداني أنه عربي، فيدخل الجدل إلى دهاليز السياسة والأيدولوجية، ثم يتفرع إلى مشكلة التهميش، ويتحول هذا الادعاء "الكاذب" إلى أس البلاء الذي فجر مشكلة الجنوب ومشكلة دارفور ومشاكل الشرق ومشاكل تحت الإعداد في بلاد النوبة القديمة وتوّج هذا كله بدعوة للتخلص بالكلية من السودان المعروف حتى الآن، عوضاً عن الصبر على آليات التطور السلمي الطبيعي عبر التعليم والوعي حتى تبلغ مداها، بحيث تفض إلى ضم النائي البعيد إلى حضنها، بل قفزاً فوق المراحل وبمباضع الجراحة المؤلمة التي قد تفض إلى الموت لإقامة سودان جديد. لماذا وما مقدار الحق في مقولة أن السودان يعاني من أزمة هوية؟ هذا هو موضوع الأسطر التاليات، وقبل أن نشرع في تبيان فساد تلك المقولة ننبه إلى خطورة أنها أصبحت المصباح الذي ترى في ضوئه جهات أجنبية عديدة ودول فاعلة مفتاح الحل لمشكلات السودان، وأصبحت في ضوئه أيضاً تتعاطف مع كل حركة مسلحة تتبنى العنف وسيلة لنيل الحقوق، على أساس أن هذا البلد الذي يمتد عمره إلى نحو عشرة آلاف عام "بلد مصطنع" ينبغي إعادة صياغته. فقد ذكر مسؤول بارز في دولة عظمى في سياق استعراض سياسات ذلك البلد إزاء السودان أمام جهاز حساس من أجهزة تلك الدولة الفاعلة قائلاً:
"إن الدولة قد تكونت في سودان النيل في القرن التاسع عشر بفضل تحالف بين مرتزقة وتجار الخرطوم، وأنها قد تميزت تاريخياً بغلبة أقلية من التجار والجنود والإداريين عليها، جاءوا من مناطق النيل الواقعة شمال الخرطوم، تجمعهم ثقافة عربية إسلامية تشدهم إلى القاهرة ودمشق والعربية السعودية."!!
ولكم أن تتصوروا مقدار التحدي الذي يواجه بلداً ينظر إليه بهذا المنظار، ولكم أن تتصوروا أيضاً مقدار التحامل الذي يمكن أن يصوّب نحوه، وبالتالي مقدار التعاطف الذي ستجده الجماعات والحركات الساعية لتقويض بنيانه من القواعد. ونقرر هنا ومن واقع تجربة طويلة أن هذه كانت من أعقد القضايا التي واجهتنا في حواراتنا مع مراكز ومعاهد البحوث حيث تصنع السياسات، ولدى الجمعيات غير الحكومية الضاغطة لإنفاذ تلك السياسات. والخلاصة لدى أولئك جميعاً أن الحروب الدامية في السودان كامنة في ذلك الخلل الجوهري في الدولة منذ قيامها كما ورد آنفاً. ولو بقي الأمر سجالاً بين الأكاديميين في أروقة الجامعات لكان أهون شأناً، إلا أنه وكما ترون يترجم إلى سياسات وقرارات ومواقف.
لم أقف قط على باحث غربي أوعربي أوسوداني جاد يشك في الحقيقة التاريخية بحدوث تدفقات عربية على السودان على مرّ الزمان، وأن هذه التدفقات أسهمت في تشكيل المكونات العرقية والثقافية لسودان اليوم. والسودانيون الذين ينسبون أنفسهم للعرب يعتمدون في ذلك على تلك الحقيقة التاريخية، وعلى ظاهرة الانتساب في الثقافة العربية التي تجعل النسبة إلى الأب سواء عدهم عرب اليوم في جزيرة العرب أو في الشام عبيداً أو زنجاً. المهم أن هذه النسبة ليست ناتجة عن إحساس بالدونية أو النقص.
انظر بعين الخيال إن شئت لقرنين قادمين، وتصور مقدار الاندماج الذي سيطرأ على قبيلة لا يشك أحد في أنها قدمت من الجزيرة العربية فقط قبل قرن ونيف مثل قبيلة الرشايدة. هل من فسحة في العقل والمنطق آنذاك تحرم عليها الانتساب إلى العرب لمجرد اختلاطها بالحاميين والزنج في أرض السودان (باعتبار ما سيكون حتماً)، أو لأن حرارات الشموس قد نالت من جيناتهم الوراثية؟ والسوداني اليوم لا ينكر الدماء الزنجية أو الحامية التي تجرى في عروقه بل يفاخر بها ويعدها سبباً في تفرده بين الأنام. قال شاعرهم مفاخراً:
عرب ممزوجة بي دم الزنوج الحارة ديل أهلي
وديل قبيلتي لما أدور أفصل للبيدور فصلي
ودون أن ننفق الوقت في استعراض التعريفات العلمية العديدة لمصطلح الهوية نشير إلى إجماع الباحثين بأن تحديد الهوية يتضمن بعداً ذاتياً وأحياناً تخترعه المجتمعات البشرية من العدم، لكننا نقف عند مسألة التصنيفات العرقية والتي هي عملية ثقافية محضة لا تستند إلى علم. صحيح أن الشفرة الوراثية قد تحدد بدقة المنطقة الجغرافية لكنها كشفت إلى حد بعيد تعدد الانتماءات العرقية بما يصعب تصوره. وكنت قد كتبت شيئاً عن ذلك في مقال منشور تحت عنوان "العرق دساس".
ويؤكد الأنثربولوجي المرموق والأستاذ بجامعة كولمبيا في نيويورك مارفن هاريس أن تحديد هوية المولود لزوجين من عرقين مختلفين عملية ثقافية، ووصفها بأنها عملية عبثية واعتباطية. ويقول في صفحة 89 من كتابه الدراسي في طبعته الثالثة Culture, People, Nature تحت عنوان التقسيمات العرقية: إنه مع وجود تباينات داخلية قد يكون من اليسر تحديد الأفراد المولودين في أوربا أو وسط إفريقيا أو وسط آسيا، لكنه من الصعوبة بمكان تحديد عرقيات سكان شمال إفريقيا وجنوبها والشرق الأوسط وشرق أوربا وغرب آسيا والهند وسيلان وإندونيسيا وغينيا الجديدة والعالم الجديد. وقال بالحرف: "إنه باستثناء الهنود الحمر في الأمريكتين فإنه من غير الممكن أن تنسب سكان المناطق العديدة المذكورة آنفاً إلى العنصر الأوربي أو الإفريقي أو الآسيوي. ويعزى ذلك إلى أن هذه الأقاليم قد استوطنتها مجموعات بشرية ذات صفات خلقية (بفتح الخاء) لا تماثل الصورة النمطية المتصورة للأعراق التي ينتظر وجودها في هذه الأقاليم. فأنت تجد شعوراً ناعمة حريرية مع شفاه غليظة وأنوف فطس مع ألوان فاتحة أو سمراء أو أميل للبياض، بينما تجد مع السواد شفاهاً رقيقة في عين المكان وعيون منغولية ضيقة في مناطق مثل الجنوب الأفريقي (البشمن).
هذه سمة بارزة في الأقاليم العديدة التي ذكرها من الهند إلى إندونيسيا إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وحصر المناطق التي قد تتميز بنوع من المكونات المشتركة لسكانها بغرب أوروبا وأواسط القارتين آسيا وإفريقيا والسودان خارج هذه المناطق الثلاث على اعتبار أن أواسط هذه القارات بعيدة عن التأثيرات الخارجية والحراك البشري للشعوب الأخرى الذي ينتج عنه التزاوج والاختلاط، وهو ما ذهب إليه البروفيسور المؤرخ عثمان سيد أحمد البيلي في الجزء الأول من مقالة له بعنوان"سودان وادي النيل بين الهوية والوطنية والديمقراطية والأثنوقراطية" نشرتها يومية " الخرطوم" بتاريخ 30 يوليو 2006م.
ويقول مارفن هاريس: إن إطلاق لفظة أسود على مولود لأب أبيض وأم سوداء أو أم بيضاء وأب أسود في الولايات المتحدة لا يستند إلى مبررات وراثية، بل هو اختيار ثقافي لأن الطفل يحمل مورثات بيضاء وسوداء بذات القدر. ويستطرد قائلاً: إن هذا التصنيف الاعتباطي تتأثر به كثير من الدراسات المتعلقة بالسود والبيض مؤكداً أن غالبية السود في الولايات المتحدة "قد تلقوا قدراً مهماً من (جيناتهم) الوراثية من أسلاف أوربيين". وهذا - كما يقول - قد نتجت عنه ظاهرة قوم يبدون بيضاً تماماً لكنهم يصنفون اجتماعياً ضمن السود. لكنك تجد تدقيقاً أكثر في مسألة الألوان والقسمات في المجتمعات (الملونة) ربما سببه الفضول والتوق إلى معرفة أسباب تعددها ومحاولة البحث في جذورها. ونحسب أن الاقتباس الذي أورده الدكتور العفيف من كتاب (حرب الرؤى) للدكتور دينق الذي ذكر فيه عناية السودانيين بالألوان والقسمات التي تحدد مقدار الفاصل العرقي بينهم وبين العروبة والزنوجة هو من قبيل ما نجده في مجتمعات مختلطة تتعدد فيها الألوان والقسمات فتثير الفضول، لا من قبيل مركبات النقص والبحث عن انتماءات أرقى. فمثلاً في أمريكا الوسطى والجنوبية حيث يتفشى الاختلاط بين السكان الأصليين والأوربيين القادمين غزاة من شبه جزيرة آيبريا (أسبانيا والبرتغال) والسود الذين جيء بهم من إفريقيا يطلق على المولود من أسود وهندي أحمر لفظ زموتو zomoto ولخليط الفرنسي الأبيض بالأسود Creole وللأبيض بالأسود مولاتو mullato وللأبيض بالهندي الأحمر mestizo ولخاطف اللونين إن كان رجلاً Morenoوإن كان امرأة Marina وهي مشتقة من كلمة Moore التي تطلق في الأسبانية على سكان شمال إفريقيا من المغاربة والموريتانيين ومنها لفظة (موريتانيا).
وفي حوار متحضر بين الروائي الأمريكي الأسود جيمس بولدوين ومواطنته البيضاء الأنثربولجية المرموقة مارقريت ميد في كتاب شائق بعنوان "دردشة حول الأعراقRap on Race إشارات مفيدة إلى ما ذكرنا من وشائج الدم والموروثات التي تربط بين البيض ومواطنيهم السود في الولايات المتحدة. وإساءة معاملة البيض لمواطنيهم السود ترتبت وتترتب عليها ردود أفعال ثقافية وسياسية عنيفة لا تعكس بحال حميمية تلك الوشائج ليس هذا موضع نقاشها.
وقد أثبتت أحدث الدراسات في علوم الوراثة ما كان قد ذكره مارفن هاريس في كتابه سالف الذكر من أن نقاء الأعراق خرافة كبرى، وأن كثيرين من البيض قد زهلوا عندما أثبتت شفراتهم الوراثية أن دماء إفريقية وآسيوية تسبح في شرايينهم وأوردتهم جنباً إلى جنب مع الدماء الأوروبية. (للمزيد يمكن الرجوع إلى مقالتنا "العرق دساس" في أرشيف يومية الصحافة الإلكتروني). ولمثل هذا التصنيف الاعتباطي ذهبت هند زوج الحجاج بن يوسف الثقفي وكانت لا تحبه:
وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تحللها بغل
فإن نتجت مهراً كريماً فبالحرى وإن يك إقراف فما أنجب الفحل
أي إن جاء مولودها كريماً فذلك بسببها لأنها بنت كرام، أما إن جاء لا خير فيه يكون أبوه هو السبب في ذلك!
ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن السودان ليس حالة فريدة متميزة في مسألة الاستقطاب الناشئة عن تعدد الانتماءات بين سكانه وتمددها عرقياً وثقافياً إلى خارج الحدود، فهذه ظاهرة عامة في جل مناطق أمريكا الوسطى والجنوبية، حيث اختلط الغزاة الأسبان بالأهلين، وبقيت المناطق النائية القصية بمنأى عن ذلك الاختلاط. فتسعون في المائة من سكان المكسيك من خليط الأسبان بالهنود الحمر، بينما توجد جيوب في الهامش في شبه جزيرة (يوكتان) موطن حضارة المايا المعروفة، يقل أو ينعدم فيها هذا الاختلاط، لدرجة أنها لا زالت تحتفظ بلغتها الأصلية وتخلط الكاثوليكية بشيء من معتقداتها الوثنية القديمة. وقد أعد الأنثربولوجي الأمريكي (روبرت ريد فيلد) كتاباً دراسياً مهماً عن آليات التلاقح بين الثقافتين وفق منظور المدرسة الوظيفية أسماه The Folk Culture of Yucatan.
وقد وقع تمرد منذ سنوات قادته العرقيات الهندية التي لم تختلط بالأسبان تروم قسمة أكبر في السلطة والثروة. وقد احتفى المواطنون المنحدرون من أصول هندية لم تخالط الأسبان حفاوة عظيمة قبل سنوات بفوز أول رجل منهم بسدة الرئاسة في (بيرو) وهو الاقتصادي خريج جامعة هارفارد الأمريكية الرئيس (توليدو). وقد تكرر الحدث أوائل هذا العام بفوز اليساري المنحدر من أصول هندية حمراء إلى رئاسة بوليفيا. وتوجد صراعات من ذات الشاكلة في نيكراغوا وهندوراس والإكوادور وغيرها.
وتوجد هذه الظاهرة في دول المغرب العربي بين الثقافتين العربية والبربرية، وتوجد في جزيرة مدغشقر حيث بعض السكان خليط من إندونيسيا ومن قبائل البانتو الإفريقية وبين الأفارقة الذين لم يختلطوا والذين وقع بعضهم في الماضي في ربقة الرق. وهذه الدول جميعاً تجتهد في صهر هذه الفوارق العرقية والثقافية دون أن تطالب أحداً بالتنكر لانتماءاته لأن ذلك لن يحل القضية. والذين يطالبون الشماليين بالتنكر لانتماءاتهم العربية يغفلون عمق الروابط الثقافية والعرقية التي تشدهم إلى العرب والتى أفضنا في التفصيل فيها آنفاً. من المفيد ترقية الروابط المشتركة بين السودانيين، عرقية تتمثل في دماء إفريقية مشتركة وثقافية عديدة تعبِّر عنها الفنون والطقوس أحياناً دون أن نلقي الخصوصيات التي تتميز بها المجموعات المختلفة المكونة للنسيج المجتمعى السوداني.
وقد شاهدت فيلماً سينمائياً يحكي قصة الأمريكي أسطورة الغولف (تايجر وود)، وقد استوقفني فيه إلحاح مواطنيه السود عليه أن يكف عن الإشارة إلى نصفه التايلندي الذي اكتسبه من كون أن أمه تايلاندية خالصة فأبى قائلاً إنه جد سعيد بمزية الانتماء إلى عالمين يفاخر بهما معاً! ولننظر في محيطنا إلى التنافس بين القوميتين الأمهرا والتيجراي في الجارة إثيوبيا لم يقلل منه الأصل المشترك والديانة المسيحية وحتى المذهب الأرثوذكسي.
وقد استند الدكتور فرانسيس دينق في نظريته حول ما يسميه "أزمة الهوية في السودان" إلى التصنيف الغربي، وهو كما ورد آنفاً تصنيف يخص الثقافة الغربية التي تعتبر البياض ليس بلون، لذلك فغير الأبيض إن كان أصفراً أو أحمراً أو أسوداً هو الذي يتميز بلون فهو ملوّن، وهذا توصيف ثقافي لا يستند على مستندات علمية. بل ظل عرضة للتطورات الديموغرافية في الولايات المتحدة. فالإيطاليون واليهود والشوام وغيرهم من الشرقيين لم يكونوا في زمرة البيض بادي الأمر، بل ألحقوا في تاريخ متأخر جداً. واليهود ينتسبون إلى أمهاتهم، فالأم هي التي تهوّد الإنسان وليس أباه، وهذا اختيار ثقافي محض لا يقاس عليه وتوجد له نظائر في الثقافة الإفريقية.
ولأن السود في الولايات المتحدة من أكثر الناس شبهاً بالسودانيين الشماليين لذات السبب وهو اختلاط هؤلاء وأولئك بدماء وموروثات قوقازية جاءت من خارج القارة الإفريقية، متوسطية قبل الإسلام، وعربية قبله وبعده في حالة السودان، وأوربية في حالة الأفارقة الأمريكيين، استخدم الدكتور فرانسيس دينق وآخرون ذات المعيار الثقافي الغربي فأنكروا على الشماليين الانتساب إلى غير إفريقيا، هذا رغم إقرار الدكتور فرانسيس دينق وهو الرائد في وصف أزمات السودان بأن مردها إلى "أزمة الهوية"، بأن الشماليين نتاج اختلاط فعلي بين العرب المهاجرين وبين سكان البلاد في ذلك الوقت، وذلك في مقالة له نشرتها "مجلة الثقافة السودانية" العدد الثاني – فبراير 1977 بعنوان "الجذور التاريخية للوشائج العربية الإفريقية في السودان" ذكر بالحرف (ص6):" ونسبة لأن العرب جاءوا دون نسائهم، ونسبة لأن الإسلام يحظر زواج المسلمة بغير المسلم، فإن التزاوج بين العرب وأرباب الديار كان إحدى الوسائل لحل هذا الإشكال. ولأن هذه التجربة لم تكن مفروضة ولا مقيّدة، فقد نشأت قاعدتها على قيم عربية إفريقية قاعدتها العائلة وشجرة الأسرة. ونتيجة لهذا فإن التكامل العربي الإفريقي أدى إلى نشر مجموعات تسمى بأسماء مؤسسيها أو تتسمى بأصولها، ويمكن إرجاع هذه إلى أصول في الجزيرة العربية". ولعمري هذا عين ما نذهب إليه.
إذن أين الادعاء الكاذب بالانتساب إلى العرب؟ وأين تكمن أزمة الهوية؟ اللهم إلا إذا طبّقنا المعيار الغربي الذي يقول بأن مجرد اختلاط العرب في السودان بقوم سود يسقط تلقائياً انتسابهم للعرب! والعرب ظلوا يختلطون من لدن إسماعيل الذبيح الذي استعرب فقط بعد مصاهرة قبيلة جرهم العربية. وأبو العباس السفاح مؤسس الدولة العباسية هو الوحيد من بين إخوته حفدة العباس بن عبد المطلب الذي لقب بابن العربية، لأن أمه ربطة بنت عبيد الله الحارثي كانت من قبيلة عربية معروفة هي بلحارث، بينما كان بقية خلفاء بني العباس قاطبة لأمهات غير عربيات وفيهن سوداوات. وفي ملوك العرب اليوم ملوك وأمراء لأمهات غير عربيات لم يشكك أحد في انتمائهم العربي فلماذا يشك في من كان جده عربي إذا كانت أمه نوبية أو زنجية؟ وقد روت كتب الأدب أن إبراهيم بن المهدي قد دخل على الخليفة المأمون فقال: إنك نعم الخليفة الأسود، فتمثل المأمون ببيت نصيب:
إن كنت عبداً فنفسي حرة كرماً أو أسود اللون فإني أبيض الخلق
وقد اعترضت على الدكتور فرانسيس دينق قبل أشهر خلت في سمنار عن السودان جمعنا سوياً في مدرسة كنيدي في جامعة هارفارد بأن المصطلح الذي استحدثه في وصف مشكلات تكوين هوية مشتركة جامعة في السودان بأنه "أزمة هوية" بأنه مصطلح جارح ومسيء، فضلاً عن كونه ليس صحيحاً لأن "أزمة هوية" مصطلح يستخدم في طب الأمراض العصبية للشخص الذي يعانى من لوثة عقلية تجعله لا يعرف من هو. وفى المقابل فإن نظر العرب المختلطين بالفرس والترك والأكراد والنبط والبربر وبأجناس جعلت سحناتهم لا تخرج من دائرة البيضان في جزيرة العرب والخليج وبلاد الشام إلى انتماء السودانيين العربي بعين الشك والريب فذلك ليس مدعاة (للحردان) وإدارة الظهر للحقيقة واعتماد المنظور الغربى في التصنيفات العرقية التي تجعل العالم مصنفاً على طريقة عادل إمام في مسرحية "شاهد ما شافش حاجة! " (يا أبيض يا أسود!). ولأن أولئك أنفسهم وبحكم اختلاطهم بعرقيات أخرى لا يختلفون عن السودانيين في مقدار انتسابهم للعرب بالقدر الذي يجعلهم عمدة وقضاة في تحديد العربي من غير العربي.
وقد نحا ذات المنحى الدكتور الباقر العفيف في بحثه آنف الذكر وتعسف كثيراً في إيراد التعريفات والشواهد لتتفق مع العنوان الذي اختاره في بحثه ليصور الشماليين بأنهم مرضى يعانون من شعور عارم بالدونية ومركبات النقص. وقد قدّر لي العيش لأكثر من عقد كامل في أكثر من بلد عربي فلم أجد السودانيين فيه إلا أكثر تمسكاً بانتمائهم للعرب، بل غلبت على الكثيرين منهم شوفونية زائدة جعلتهم استناداً على ما يتمتع به السوداني من مكارم الأخلاق كرماً وشهامة وعزة نفس يزايدون على بيضان تلك البلاد في عروبتهم وإن عيروهم بسوادهم أو أنكروا عليهم الانتساب إلى العرب واعتبروهم "عبيداً" أو "خالاً" كما ذكر الدكتور العفيف. كما إنه لا يوجد من معارفي من فقد عاميته السودانية رغم طول المكث مستبدلاً إياها بلهجات أولئك كما زعم الدكتور الباقر العفيف أيضاً ليؤكد زعمه في إصرارهم على الانتساب إليهم فيما أسماه المترجم بالتماهي أو Identification يدلل به على شعورهم بالدونية. كيف وفيهم أساتذة أجلاء وعلماء أفذاذ ذهبوا بخبراتهم ليسهموا في نهضة تلك البلدان؟. ولئن اتصفت قلة منهم بما زعم فذاك استثناء لا يقاس عليه.
ولو أن ادعاء السودانيين للنسب العربي جاء في وقت كان شأن العرب فيه مثل شأن أمريكا اليوم غلبة وسطوة عسكرية وحضارية لقلنا مقالة ابن خلدون إنه تشبه المغلوب بالغالب، لكن العرب تسللوا إلى بلاد النوبة تحت ملاحقة ودفع بعد وصول غير العرب لحكم مصر أيام ابن طولون (راجع تاريخ العرب في السودان لمكمايكل)، وبعضهم بعد زوال ملك العرب في الأندلس بسقوط غرناطة وصعود العثمانيين على سدة الخلافة الإسلامية في المشرق. حتى ذهب بعض المؤرخين إلى أن قيام مملكة سنار جاء تعويضاً وسلوى للمسلمين والعرب عن أفول سطوة العرب المسلمين على مسارح الريادة والسلطان.
والشاهد أن بروز الثقافة العربية في السودان قد حدث في عصور ضمور تلك الثقافة وانحطاطها في مواطنها وفى تأثيرها على الساحة الدولية يومئد بما لا يغري بفخر الانتساب إليها أو إلى العنصر العربي. نعم ليس في حال العرب ما يسر يوم أن آل الملك في السودان لذراريهم من أمهات نوبيات وزنجيات حتى يتباهى أهل السودان بالانتساب إليهم، وليس في حالهم اليوم ما يبعث على الالتصاق بهم أو ادعاء النسبة إليهم. وهنا فرق عظيم بين حال انبهار الأسود الفقير في جزر الكاريبي في أمريكا الوسطى بحضارة المستعمر الفرنسي التي سببت له عقدة شعور بالدونية تجاه الرجل الأبيض تصدى لها الثائر الطبيب فرانز فانون في كتابه سالف الذكر بالمعالجة بنفخ روح الثورة في مواطنه الأسود للتخلص من تلك العقدة التي حملت مثقفين في تلك الأنحاء وفى إفريقيا للباس أقنعة بيضاء من الوهم والتعالي على أعراقهم وثقافاتهم. الأمر ليس كذلك بالنسبة للسوداني تجاه العرب ماضياً وحاضراً لأن أمر انتسابه إليهم تقرير لواقع تقوم عليه كل الدلائل. والهجمات المتتالية على هذا البلد الضعيف البنية المسمى بالسودان اليوم ليست بسبب ادعاء كاذب بل بسبب يقين راسخ للعالمين ببواطن الأمور أنه جزء أصيل من الثقافة العربية الإسلامية شديد التأثير في محيطه حتى قبل أن تتبدى للعيان آثار النعم المخبوءة في جوفه. فكيف إن قوي عوده واستغل ثرواته وأصبح محجة لنيل العلوم والمعارف والتقانات؟
وهناك استدراكات أخرى على الدكتور العفيف أود المرور عليها بإيجاز قبل الانتقال إلى مبحث آخر حول تصويره لقضية اللون والعرق في الثقافة العربية بصورة جعلتها مطابقة لموقف الثقافة الأوروبية والأمريكية البيضاء، والأمر ليس كذلك في حقيقته. والدكتور بيرنارد لويس الذي استشهد به الدكتور العفيف في احتقار العرب للسود مورداً اقتباسات من ورقة له بعنوانThe African Diaspora and The Civilization of Islam والتى يبدو أنها منقولة بالكامل من كتاب له بعنوان Race And Color In Islam، أكاديمى مرموق إلا أنه متهم في الأوساط الأكاديمية في الولايات المتحدة بأنه شديد التحامل والكراهية للعرب والمسلمين، وقد اجتهد بتعسف في كتابه Race And Color in Islam لهز قناعات راسخة لدى الدوائر الأكاديمية في الغرب بأن الاسلام متسامح في المسألة العرقية خاصة إزاء السود وذوي الألوان الداكنة، وهو ما ضمن له الانتشار الواسع في إفريقيا وآسيا وبين السود في الغرب.
وقد أورد لويس في كتابه المشار إليه ما أورده المؤرخ البريطاني الضخم توينبي في شأن تسامح العرب إزاء السود في إفريقيا والهند مشيراً إلى أن العرب كانوا يفاخرون بألوانهم الداكنة swarthy وينظرون باحتقار إلى جيرانهم الأكثر بياضاً في الشمال والشرق (كانت واقعة ذي قار في الجاهلية بين قبائل العرب والفرس بسبب رفض النعمان بن المنذر ملك الحيرة تزويج ابنته لملك الفرس رغم خضوع ملكه لفارس). وقال إن العرب كانوا على اتصال واندماج بالزنج في إفريقيا والسود في الهند إلى درجة أنهم كانوا يزوجونهم فتياتهم، ذلك لأن العرب المسلمين كانوا ينظرون إلى البشر بثنائية: مسلم وغير مسلم بغض النظر عن ألوانهم وأعراقهم. وقال إن أوروبا في القرون الوسطى كانت تنظر للبشر بذات الثنائية، فتقسم البشر إلى مؤمنين وكفار لكن أوروبا كانت قليلة الاحتكاك قليلة المعرفة بالشعوب الملونة بحكم موقعها الجغرافي البعيد إلا أن بلاد العرب كانت على الدوام شديدة الارتباط بإفريقيا والهند وهذا ما يسّر لها التعامل بحكم الألفة مع شعوب تلك الأنحاء.
هذا التقرير لم يعجب برنارد لويس فانبرى لتفنيده خصيصاً بكتابة هذا الكتاب ليدحض هذه المزية المثبتة للثقافة العربية الإسلامية بدرجات متفاوتة لدى كثير من المنصفين في الغرب وهم يعزون إليها سرعة انتشار الإسلام في إفريقيا وآسيا. ورغم ذلك أورد في ثنايا مسعاه المذكور شواهد تقوم حججاً عليه لا له، مثل قصة عبادة بن الصامت الصحابي الذي جعله النبي على رأس رسله إلى المقوقس عظيم مصر فيما أورده ابن الحكم في فتوح مصر: قال عندما دخل عبادة بن الصامت على المقوقس طلب من أصحابه أن يخرجوه قائلاً:" أخرجوا هذا الرجل الأسود إنه يخيفني وأتوا بغيره ليحدثني!" قالوا ما إلى ذلك من سبيل "إن عبادة أرجحنا عقلاً وهو أفضلنا وأنبلنا فوق أنه القائد الذي ولى أمرنا" قال المقوقس:" كيف ترضون أن يكون الأسود سيداً فيكم وموضعه أن يكون دونكم؟" قالوا "الأمر ليس كذلك فهو رغم أنه أسود كما ترى إلا أنه أفضلنا وهو صاحب سبق فينا ورجاحة عقل وحكمة ونبل، ثم إن السواد ليس محتقراً فينا".
علل برنارد لويس مكانة عبادة الرفيعة التي بوأته تلك المرتبة الرفيعة بين الصحابة بعد أن دس الشك في صحتها بالقول – إن صحت هذه الرواية - بأن عبادة رغم سواده كان عربياً قحاً من جزيرة العرب!
والشاهد هنا أن سواد اللون لا يسقط عروبة العربي، وأن العربية لم تكن ثقافة بيضان على النحو الذي عليه الثقافة الغربية، ولئن كان العبيد السود يعاملون معاملة دونية فذلك للوضع الاجتماعي لا انتقاصاً من أعراقهم تماماً مثل ما يعامل العربي المملوك والفارسي والرومي والصقلي، فقد كان زيد بن حارثة عربياً قحاً إلا أنه وقع في ربقة الرق.
كذلك أورد لويس روايات تشير إلى أن جدة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب كانت من الحبشة، وقد أورد الدكتور حسن علي الشايقي في بحث أكاديمي لدرجة الماجستير أسماء عديدة لصحابة وتابعين ينحدرون من أصول إفريقية. وقد ذكر لي أن قريشا أرسلت إلى النجاشي في طلب المهاجرين إليها من المسلمين عمرو بن العاص لأن أمه كانت من الحبشة.
ولم تخلو دولة بني أمية المتهمة ببعث الحمية العربية واضهاد الموالي من أمراء وحكام من أمهات من السود، فقد أورد لويس أن ابن عم معاوية بن أبي سفيان وعامله على الكوفة عبد الرحمن بن أم الحكم كان من أم حبشية. لقد اجتهد لويس إلى درجة الشطط لتتبع القصص والحكايات التي لا ترقى لتأكيد اتهاماته فوق حقيقة أن الثقافة العربية الإسلامية رغم ما قد تكون قد حملت في بعض مراحلها من علل التحامل العرقي والجهوي أنها أول حضارة في ذلك الزمن السحيق يتولى فيها السود مناصب الحكم والقضاء والولايات المختلفة، هذا رغم اعتراف لويس بقدم العلاقات بين ضفتي البحر الأحمر مشيراً إلى أن الحبشة تأسست على يد قبائل حبشات السامية، وأن بعض الباحثين ذهبوا إلى القول أن إفريقيا ربما كانت الموطن الأصلي للساميين وليس بلاد ما بين النهرين. ذكر ذلك في كتابه The Arab In History وقد اجتهد الدكتور لويس في تطريز تحليله باعترافات بثها في ثنايا الذم ليضفي على بحثه في كتابه الأول (العرق واللون في الإسلام) شيئاً من الموضوعية، مثل اعترافه بصحة إرساء الإسلام لمعاني المساواة في صدر الإسلام إلا أنه رد ذلك إلى علل ظرفية مثل قوله بأن معاملة السود (وكان جلهم من الأحباش) كانت حسنة لأنهم كانوا أهل حضارة، وأنهم أحسنوا وفادة من لجأوا إليهم من المسلمين في الهجرتين الأولى والثانية! إلا أنه سارع إلى القول بأن التطورات السياسية والاقتصادية اللاحقة بدلت الحال وفشت مظاهر التمييز العرقى. هذه الاعترافات تدلل على وجود التسامح إزاء السواد سواء كان أصيلاً من جزيرة العرب أو وافداً عليها من إفريقيا أو شبه القارة الهندية، وهي أبلغ من استشهاداته المأخوذة من كتب الأدب الكلاسيكية التي تدعم حججه في اضطهاد السود بين العرب. وتلك الاعترافات تطابق رأي العلامة المؤرخ توينبي الذي أوردناه آنفاً.
والحرص الذي أبداه الدكتور لويس في تأويل كل مزية دالة على تسامح الثقافة العربية الإسلامية في مسألة الأعراق لا يحملك إلا على الشك في حيدته والغرض السياسي والأيدولوجي في مراميه، وكذلك الدكتور الباقر العفيف الذي حزا حزو بيرنارد لويس في إيراد ذات الشواهد من كتب الأدب، ولو تحرى الدقة لوجد في ذات المصادر شعراء وأدباء امتدحوا بل تغزلوا في جمال السواد. من ذلك الحرص المريب الذي ميّز تحليل الدكتور لويس بل مماحكاته في ليّ أعناق الحقائق الجلية، زعمه أن الجاحظ أضخم كتّاب العربية قاطبة لم يكن جاداً فيما ذهب إليه في كتابه عن فضل السودان على البيضان، وإنما كان يمارس المزح والفكاهة كعادته لأنه بعبارة أخرى كان (كوميديان)! رغم أنه اعترف أن الجاحظ أراد بالسودان كل الملونين بما في ذلك العرب، وهو ما أشار إليه مصيباً البروفسور المؤرخ عثمان سيد أحمد في مقاله آنف الذكر، ورغم علم الدكتور لويس بأن الجاحظ نفسه كان من السود.
وقد أحس الدكتور لويس في خواتيم كتابه الذي خصصه - كما ذكر - لتفنيد تسامح العرب والمسلمين مع السواد بمقدار التحامل الذي حمله كتابه، فذكر كالمعتذر في صفحة 102:" إن تصحيح خطأ ما يحملنا على الحذر من مغبة الوقوع في نقيضه. إنه لم يحدث قط وفى أي وقت من الأوقات أن شهد العالم الإسلامي نوعاً من الإقصاء العنصري كالممارس حالياً في جمهورية جنوب إفريقيا (ذلك قبل انهيار نظام الفصل العنصري هناك) أو كالذى كان سائداً في الولايات المتحدة إلى تاريخ قريب."نعم يا دكتور لويس لقد ظل تراث التسامح العرقى في الحضارة الإسلامية ولوكان نسبياً مما لا نظير له في الحضارات الأخرى حتى عصور متأخرة. ولشد ما أثار وجود قضاة سود في عاصمة الخلافة العثمانية دهشة واستغراب الرحالة الأوربيين الذين زاروا تركيا لأول العهد.
نشير إشارة عابرة إلى أن ما أورده الدكتور العفيف عن عبده بدوى من أن العرب كانت تحب البياض في الرجال والنساء على السواء ليس دقيقا. فقد كانوا يتغنون ببياض النساء، لكن البياض لم يكن محبباً في وصف الرجال، فكانوا ينصرفون عنه إلى كلمة "أحمر" رغم أنها ليست من أوصافهم المفضلة إذ أنهم يصفون على وجه الذم جيرانهم حتى من العرب في المناطق الشمالية ب "الحمران". وعند التدقيق في الوصف قد يصفون الرجل بالبياض على سبيل التوصيف لا مدح البياض أو استحسانه مثل وصفهم للنبى (صلى الله عليه وسلم) بأن بياضه كان مشوباً بحمرة، وقد وصفوا ابن عمه وختنه علي بن أبي طالب بأنه كان "آدما شديد الأدمة!" أي أنه كان داكناً جداً. وهذا تباين في الألوان وفي نطاق الأسرة الواحدة لا تجده في المجتمعات البيضاء، بل يفشو في المجتمعات الملونة. وبهذه المناسبة فإن كلمة أخضر الواردة في بحث الدكتور العفيف ليست اختراعاً سودانياً يتحاشى به السوداني وصف أخيه بالسواد، بل هي من فصيح العربية في وصف السمرة الداكنة المائلة إلى السواد، وهذا دليل آخر على أن هذا اللون فاش في العرب. وقد ذكره الدكتور لويس في كتابه المشار إليه، وأشار أيضاً إلى أن العرب وصفوا أنفسهم في بعض الأحيان بالسواد. قال الفضل بن العباس بن عتبة بن عبد المطلب:
وأنا الأخضر من يعرفني أخضر الجلدة من بيت العرب
ونود الإشارة هنا إلى أننا لا ندافع عن العرب هنا بقدر سعينا لتحرير القضايا بالدقة العلمية المطلوبة دون أن ننفي نفياً قاطعاً انتفاء العنصرية في المجتمعات العربية قديماً وحديثاً، ونقر بأن السودان يقع على هامش الهم العربي، وقد كتبت مقالة مطولة في هذا المعنى بعنوان: "قسمات وقواسم مشتركة بين عنترة لا العنتريات وأهل السودان" لعلها أيضاً في أرشيف يومية "الصحافة" الإلكتروني.
لكن ذلك كله لا يحملنا على إنكار حقيقة أن السودان وطن من مواطن العرب والثقافة العربية، أقر بذلك بعض العرب في مواطن أخرى أو أنكروه دون انتقاص لإفريقيته التي تستعصي على الإنكار، ودون انتقاص من حقوق مواطنيه الذين يرون غير ذلك في العناية بلغاتهم وثقافاتهم بذات القدر المتاح للثقافة السودانية القومية التي تعبِّر عن نفسها باللسان العربي نثراً وشعراً وفنوناً.
تلاحظون أننا لم نقصر انتماء السودان إلى العرب إلى الثقافة وحدها انسجاماً مع الحديث الشريف، لأن ذلك الانتماء لا يقتصر عليها رغم أن مدارس القومية العربية والبعث العربي عولت عليه وعلى التاريخ والمصير المشترك مقللة دور العرق فى ذلك، تفادياً للحاجة إلى مرجعية مركزية للهوية العربية تملك حق الاعتراف بالعروبة وسحبه عمن تشاء وقتما تشاء هو ما لم يتفاداه الدكتور العفيف في بحثه آنف الذكر، حيث اعتبر عرب الجزيرة العربية والهلال الخصيب يمثلون تلك المرجعية ليقوم باسمهم بإنكار عروبة أهل السودان.
أما الدكتور صادق جواد سليمان - وهو أستاذ بجامعة جورج تاون في واشنطن وهو أيضاً عربي من سلطنة عمان - فقد عرّف العربي في ندوة بعنوان "كيف نعرف الهوية العربية؟" أقيمت يوم 17 يناير 2006: " العربي هو الإنسان المنتمي إلى الأمة العربية، وهو عربي بالثقافة لا بعرق أو دين."
وفى كتاب الدكتور أمين معلوف (فرنسي من أصل لبناني) المترجم عن الفرنسيةIn The Name Of Identity (باسم الهوية: العنف والحاجة إلى الانتماء) أفكار جديدة في مسألة الهوية والانتماء تستحق الدراسة فهو يعتبر تعدد الانتماءات يقوي الآصرة الإنسانية ويضعف من النزوع إلى العنف انتصاراً للانتماءات الضيقة.
قضية التهميش:
أقرت اللجنة التي كونها مجلس الأمن الدولي للتحقيق في مزاعم بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في دارفور إثر اندلاع التمرد هناك في فبراير 2003م، أن جميع أقاليم السودان تفتقر إلى التنمية ما عدا المنطقة المحيطة بالخرطوم ومشروع الجزيرة. وللتدقيق فالمعني بالخرطوم هو المدن الثلاث المكونة للعاصمة: الخرطوم، الخرطوم بحرىي وأمدرمان. ولأنها ظلت عاصمة للبلاد ومقراً للحكومة المركزية منذ عشرينيات القرن التاسع عشر فهي تتمتع بقدر من الخدمات التعليمية والصحية ووسائل نقل واتصالات وبعض الصناعات الخفيفة في أطرافها. ذلك لم يكن اصطفاء لسكانها دون سائر السودانيين، لكنه أمر فرضته طبيعة المكان ووظيفته، بينما ظلت تفتقر أجزاء الولاية التي تبعد قليلاً عن محيط المدن الثلاث لأبسط الخدمات، بل ولعل بعض المناطق فيها تعد من بين أكثر أجزاء البلاد قاطبة افتقاراً للخدمات الضرورية.
أما الجزيرة فقد أقام الاستعمار فيها مشروعاً ضخماً لزراعة القطن لمد المصانع البريطانية بالمواد الخام لصناعة المنسوجات وقد كانت تلك الصناعة في صدارة الصناعات وكانت ساحة للتسابق بين الدول الكبرى في ذلك. هذا النذر اليسير من التنمية جعل بقية أجزاء الوطن هامشاً كبيراً.
من المسؤول عن ذلك التهميش؟
يعتمد (مانيفستو) الحركة الشعبية لتحرير السودان الصادر فى31 يوليو 1983 تفسيراً اشتراكياً بل ماركسياً في تفسير وتحديد مسؤولية ذلك التهميش، حيث ورد في النسخة التي نشرتها في دورية "القرن الإفريقي" تعريف الحركة الشعبية بأنها حركة ماركسية لينينية، وأنها تهدف لتحرير الجماهير السودانية من اضطهاد وبطش نظام برجوازية العرب المزيفين الفاسد الرجعي والعنصري في الخرطوم وفق أسس الحرية والمساواة والعدالة الاشتراكية.
الغريب أنه وبعد هذه العبارات الملتهبة المفعمة بالعاطفة الجياشة في مانفيستو الحركة، فقد جعل المانفيستو مسؤولية نظام العرب المزيفين في الخرطوم عن ذلك التهميش مسؤولية ثانوية تكمن في أنه فاقم مشكلة التهميش، وأن النظام نفسه لا يعدو أن يكون من صنع الرأسمالية العالمية التي استعمرت السودان.
يقول المانفيستو في الفصل الأول تحت عنوان " الجذور التاريخية لمشكلة السودان: "إن المشلكة‘‘
الرابط هنا (http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=8427)
الكمالي
02-05-2009, - 10:24 PM
الدكتور / عبد الله قسم السيد , لديه كتاب تحت الطبع بإسم ( الهوية السودانية ) و قد كتب ثلاث حلقات بسودانايل حول الهوية السودانية و الحلقات هي :
الوطنية والهوية السودانية (1 من 9) .....
بقلم: د.عبد الله محمد قسم السيد / السويد
المتخيل المعلن والمسكوت عنه فى المجتمع السودانى
الدعوة التى تتبناها سودانايل للتفاكر الجاد حول مستقبل السودان دعوة كريمة تستحق الشكر والتقدير بجانب المشاركة فى ابداء الرأى حول ذلك المستقبل. ولما كان المستقبل هو فى الأصل انطلاقا من الماضى باعتباره جذوره التى يرتكز عليها والتى تغذيه بكل عناصر البقاء والاستمرارية كان لابد لأى محاولة لفهم الحاضر وتشكيل للمستقبل أن ترجع الى ذلك الماضى لتغربله وتصفيه مما تعلق فيه أو علق عليه من شوائب تحتاج الى ازالة قبل الانطلاق. استجابة لهذه الدعوة هذه محاولة لزيارة الماضى لربطه بالحاضر والمستقبل راجيا أن تجد من النقد البناء مفتاحا لباب طالما قفلناه بالطيبة المقرونة بالامبالاة والقدسية المفتعلة كان لفترتى قبل وما بعد الاستقلال فى 1956.
يهتم هذا الجزء من الدراسة بالآيديولوجيات التى اختلقها الاستعمار بشقيه الانجليزى والمصرى كأدوات للحكم لتبرير غزوه وحكمه للسودان وتأثيرات هذه الآيديولوجيات النفسية على الانسان السودانى الذى ورث الحكم عنه من جانب وتأثيراتها على تطور مفهوم الوطنية والهوية السودانية من جانب آخر. نتناول كهدف ثان لهذه الدراسة المتغيرات التى أحدثها نظام الحكم الثنائى فى عقلية الانسان السودانى المتعلم كتوطئة للحديث عن المتخيل المعلن والمسكوت عنه فى المجتمع السودانى فى اطار الاثنية والثقافة لنبين تأثيرات تلك الآيديولوجيات فى خلق آيديولوجيات محلية تبرر للحاكم السودانى حكمه وتبيان كيف أنها ساهمت فى خلق العقدة العربية وعلاقتها بالهوية السودانية باعتبارها أس الداء فى المعضلة السودانية منذ استقلال البلاد فى 1956.
تمهيد
التأزم بين الشمال والجنوب مع نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد وعشرين وصل مرحلة اللاعودة اما وحدة واستقرار تنعم فيه كل مجموعاته البشرية بالسلام وبالتالى الديموقراطية والتنمية واما تمزقا يضيع معه حتى اسم السودان. فقد بدا جليا فى الفترة التى تلت تطبيق "المشروع الحضارى" للحركة الاسلامية أن الدعوة للانفصال أخذت بعدا خطيرا بعد تداولها من قبل كل الفعاليات السياسية على أنها حق يمارسه الجنوبيون بحرية كاملة وفق استفتاء ترعاه الأمم المتحدة التى لم تدخل شأنا الى شنته ومزقة أوصاله خاصة اذا كان من دول العالم الثالث والمنتمية الى العالم الاسلامى على وجه الخصوص. وعلى الرغم من أن أزمة السودان ترجع فى جذورها الى عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية يتحكم فيها تاريخيا العنصر المستعرب من سكانه الا أن العقد الأخير من القرن العشرين خاصة فى الفترة التى بدأت تطبق فيه الحركة الاسلامية بقيادة الترابي برنامجها "المشروع الحضارى"، أوضح بجلاء دور العامل الدينى فى تصعيد تلك الأزمة. لم يكن العامل الدينى جزءا من أزمة السودان تاريخيا فقد تقبل المجتمع القاطن فى موقع السودان الحالى الديانة المسيحية القادمة اليه من شماله وجنوبه الشرقى بنفس السماحة التى تقبل بها الاسلام من شماله وشرقه وغربه وانتشر بين أفراد المجتمع كالظل الظليل وحتى محاولات الاستعمار لوقفه من التمدد جنوبا لم تفلح. وبالتالى فان الخوف على الاسلام كدين فرية وادعاء استخدمه الأولون واستمر على استخدامه اللاحقون من المستعربة لمزيد من الهيمنة على مقدرات المجتمع. سيطرة العنصر المستعرب اعتمدت على ظروف تاريخية واستمرت فى هيمنتها على وهم متخيل مفاده الخوف على الثقافة العربية الاسلامية. ونسبة لأن لغة هذه الثقافة أصبحت بمرور الزمان هى لغة التجارة والعمل والتعليم لم يعد الخوف عليها واردا. البعد العربى الاسلامى المتخيل من قبل الحركة الاسلامية الحاكمة الآن هو نمط تفكيرى لدى عقلية أهل شمال السودان تصاعدت وتيرته بغزو محمد على باشا للسودان عام 1821. قبل هذا التاريخ لم تكن هناك أطروحات فكرية حول العروبة كعرق وانما كثقافة شعبية تأثرت بثقافات محلية مختلفة مرتبطة بالاسلام كمصدر أساسى فى انتشارها من خلال ايقاعات الذكر لرجال الطرق الصوفية. وقتئذ بدأت هذه الثقافة الجديدة فى التكوين أخذة من كل الثقافات المحلية ومتأثرة بها ويمكن وصفها بالثقافة السودانية.
التاريخ السودانى المعاصر كشف عن ابداع فكرى كبير تميز به بعض المفكرين السودانيين فى مجالات الشعر والفن وغيرها من ضروب الحياة ما عدا فى الفكر السياسى الذى ترك كلية لقيادات الأحزاب السياسية كحزب الأمة أو الحركة الاسلامية والحزب الشيوعى. ولا يوجد سبب يجعل السودانيين يحجمون عن البحث فى مجال الفكر السياسى الا عدم الاهتمام والكسل لأن القمع السياسى فى السودان رغم استمراريته لفترات طويلة لم يكن بالوحشية التى تمنع البحث فى الفكر السياسى. لهذا فان الحركة السياسية السودانية لم تخلق مفكرين لها فى هذا المجال مزروعون فى الواقع السودانى اذا استثنينا قيادات بعض الأحزاب. وحتى هذه المحاولات لهولاء المفكرين كانت فى بداياتها تنطلق أو ترجع الى فكر خارجى. فمثلا جاءنا الفكر الاسلامى لدى الصادق والترابى مدفوعا بالفكر الايرانى والفكر المصرى ولم يستند على تجاربنا المحلية وعلى رأسها الفكر المهدوى الا مؤخرا أما الفكر الاشتراكى الذى انطلق منه نقد وقبله عبدالخالق فقد كان أثيرا للفكر الشيوعى فى موسكو. أما التفكير الديموقراطى والذى حتى الآن يعانى من التأصيل فقد جاءنا من الغرب مشبعا بروح الاستعلاء والهيمنة والاذلال ليخلق مسخا مشوها من الديموقراطية لا يهدأ له بالا الا اذا حقق مصالح سيده فى الغرب. ان الاقتباس من الغرب أو الشرق فى مجال الفكر لا عيب فيه فالحضارة الانسلنية بناها البشر من الشرق والغرب ومن الجنوب والشمال كل له تاريخ نهضته وكل له عثراته التى جعلت منه مقلدا فى وقت ما لذلك لا عيب البتة أن نكون قد اقتبسنا من هذه الحضارة أو تلك ولكن العيب أن نبقى فى أحضان هذا الفكر أو ذاك دون أن نجعل من هذا الاقتباس معنى يؤصل لواقعنا ليكون فى نهايته حاملا خصوصية الواقع السودانى بكل تياراته وثقافاته وأعراقه. خصوصية الواقع تقودنا الى الكشف والتحليل لواقع السودان وبدونها يكون الكشف والتحليل تقليدا وتكرارا لأن الوسائل والافتراضات هى تأصيل لتجارب أخرى فى واقع آخر غير السودانى. لنأخذ مثالا ذكرنا حيثياته فى غير هذا المكان من الدراسة. فى دراستها لواقع النساء فى دولة الفونج والتى من خلالها أرادت أن توضح العلاقة بين الدولة وطبقة التجار الناشئة وقتئذ ذكرت فاطمة بابكر أن حكام دولة الفونج استغلوا المرأة المسترقة للدرجة التى أصبحت فيها مصنعا ينتج الجنود وذلك من خلال الاستغلال الجنسى المنظم من قبل السلطان (أنظر الجزء الخاص بفترة دولة الفونج فى هذه الدراسة). أرادت فاطمة تحقيق فرضيات ماركسية على مجتمع الفونج فلوت عنق كثير من الثوابت الخاصة بمجتمع الفونج المسلم "على الطريقة السودانية" كما لوثت كل تراث الشعب السودانى لتثبت أن استرقاق واستغلال النساء فى تلك الفترة "كان سببا رئيسيا فى ظهور الطبقة الرأسمالية التجارية الناشئة".
هذا التقليد والتكرار لا يقتصر على الساحة العلمية الأكاديمية وانما هو أكثر وضوحا فى تجاربنا السياسية اذ أن البرامج والشعارات لحزب ما تكاد تكون واحدة مع أصلها الخارجى وتكون أكثر تطابقا مع مرور الزمان للدرجة التى يمكن معها تغيير تاريخ اصدارها لتكون حديثة ومعاصرة على ضوئه. وبذلك بيان هذا الحزب أو ذاك الذى أصدره مع أولى انتخابات ديموقراطية فى الخمسينات يصلح أن يكون فى آخر ديموقراطية فى نهاية الثمانينات وأخشى أن يكون صالحا بعد نظام الحركة الاسلامية الشمولى فى القرن الواحد وعشرين. ومع هذا التكرار الممل الممجوج ما انفك القائمون على تلك الأحزاب يذكرونا بالابداع الفكرى داخلها دون أن يكون لهذا الابداع صدى فى قضايانا الاجتماعية الملحة. لم تغير الفواجع الكثيرة على بلادنا والناتجة خاصة من أنظمتها العسكرية فى العقلية الفكرية رغم المتغيرات الفكرية والسياسية عالميا. تلك الفواجع أو ان شئت الزلازل الاجتماعية التى أدت الى نزوح أكثر من ثمانية مليون نسمة خارج مناطقهم الأصلية كما أدت الى تشريد ما يقرب من ذلك فى مدن أرض الله الممتدة فى قاراته الستة والكثير منهم يحمل من الدرجات العلمية ما جعل الآخرون يفرشون له الأكاليل ويقذفونه بالورود ويكرمونه مقدما على بنى جلدتهم. تلك الزلازل التى جاءت بعد "المشروع الحضارى" أدت الى مزيد من التمايز العرقى والثقافى الذى يشكل حياتنا الى سعير الحرب وأتونها لتبتلع فى جوفها خيرة الشباب من طرفى معادلة الحرب. التمايز الثقافى وما ينتج عنه وما يتبعه من نتائج أمور لم نناقشها باسهاب ووضوح خوفا من تصدع اجتماعى متخيل لهذا التزم الكل الصمت حتى وقعت الكارثة وأصبح السودان مهيئا ليصبح صومالا بعد مشروع الحركة الاسلامية "الحضارى". ان الحالة التى وصل اليها السودان اليوم تتطلب البدء فى حوار حضارى وانسانى شامل يأخذ فى الاعتبار غايات محددة يمكن اجمالها فيما يأتى:
أولا، خلق تيار فكرى ديموقراطى وسط التنظيمات السياسية والاجتماعية تبدأ بالأسرة وتنتهى بالحزب. ان الفشل المنتظم للعمل السياسى بجانب ما ذكرنا عن تجذر العقلية الاستعمارية وسط ما تعارفنا عليه فى الخدمة المدنية بالأفندى، يرجع الى فشلنا فى خلق فكر وثقافة سودانية مستقلة عن الانتماء الحزبى اذ يكفى أن يتحدث أحدنا لنحدد الى أى اتجاه ينتمى لنصفه اما بالعمالة والخيانة للحكومة أو المعارضة فى حالة النظام العسكرى. أما فى الوضع الديموقراطى فالوضع مختلف جدا اذ نجد الكثير ممن نطلق عليه "المثقف" السودانى بعيدا عن معترك السياسة تعاليا واحتقارا فى الظاهر وبغضا لها فى الباطن لأنها لا تحمله الى كراسى السلطة كما هو الحال فى الحكم العسكرى لهذا فهو يتهم كل الأحزاب بالعمالة والخيانة للشرق أو الغرب. ان المطلوب من الحوار الذى نحن بصدده أن نقبل التنوع والاختلاف فى الرأى. فمن يتهم الآخر من رجالات السياسة بالخيانة ويدينهم عليه أن يكون شجاعا وأن يقبل رأى الذين عذبوا أو شردوا فى أصقاع الأرض بسبب حبهم لبلادهم فليس كل من دخل المجال السياسى خائن وليس كل من تأسلم من الاسلاميين ملك وليس كل من اتبع الشيوعية شيطان.
أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 بأمريكا كانت نقطة تحول ايجابية نحو الديموقراطية فى سياسة الانقاذ ليس ايمانا بها ولكن خوفا من عصى الشيطان الأكبر أن تنزل على رؤوس أهلها من القيادات. لم تفلح المناشدات والتوسلات من الصديق والعدو أن تثنى الحركة الاسلامية عن نفيها للآخر وتعترف به من أجل الاسلام والسودان، من أجل الضعفاء المشردين من نساء وأطفال، من أجل الثكلى من النساء ومن أجل القهر المحبوس داخل الرجال وهم يرون أكبادهم وهى تمشى الى الموت دون سبب. لم تشفع لأهل "الانقاذ" كل التوسلات الا بعد أن رفع الشيطان الأكبر عكازته الغليظة مهددا كل اسلامى بالويل والثبور حينها استجاب أهل "الانقاذ" لانقاذ أنفسهم ممن كانوا يعدون له العدة لهزيمته وارتضوا الرجوع الى الديموقراطية التى يبشر بها الشيطان الأكبر والتى تحفظ له مصالحه قبل مصالح من يراد تطبيقها عليهم. ومع ذلك الغبن المركب الذى نشعر به فذاك أمر طيب أن نبدأ الحديث عن الديموقراطية والاعتراف بالآخر ولكن بدلا من أن نكون كالتلميذ البليد الذى يغش فى الامتحان ويشف من الآخر ب"ضبانتها" علينا أن نبتدع وأن نجعل هذه الديموقراطية تنبع من دواخلنا أن تقف على أساس فكرى متين يتواكب مع ثقافاتنا وتعددنا حتى تتمكن من التوطن فى بيئتنا الاجتماعية من الأسرة حتي الحزب. الديموقراطية الحقيقية لا تقوم الا على قبولى للآخر وقبوله بى ليس بدافع التكتيك والمجاملة ولكن لأن وجود كل منا مهم للآخر ومفيد للبلاد ولاستقرارها الاجتماعى. فى احدى المؤتمرات ببروكسل ببلجيكا وقفت احدى المدافعات عن البيئة تتحدث عن التوازن البيئ الطبيعى وأهيته للانسان ولم تنسى فى حماساها أن تذكر ابادة حيوان البندا فى استراليا والرندير فى السكا بغرض توفير الفراء الناعم لسيدات المجتمع. وحتى لا يقتصر ذلك على المرأة أضفت لها نحن فى السودان نبيد الأصلة والتمساح والنمر ليس لأنها تفتك بالانسان ولكن من أجل الرجل وليس من أجل عيونه هو (قد يكون لعيون الآخرين أو الأخريات) ولكن من أجل قدميه لعمل حذاء يتبختر به. فمركوب من جلد الأصلة أو النمر أو التمساح غاية لا يدركها الا كبار الأفندية عندنا من رجال الدولة وحاليا رجالات التجارة لهذا أصبحت الابادة لديهم ميزة يتفاخرون بها. هذه الحيوانات المبادة لها أهميتها للتوازن البيئ فما بالك بانسان يشاطرك الوطن بل يعيش بالقرب منك ويتداخل معك فى السراء والضراء بل قد يكون أخوك أو صهرك.
لنضرب مثلا يقرب لنا الصورة المتبادلة بين أفراد المجتمع البشرى. تخيل معى أخى القارئ مجتمعنا هذا شبيها فى بنائه بمزرعة فى احدى المشاريع الزراعية. هل يكفى مفتش الزراعة أن يقوم بالعمل الزراعى مهما كان قويا ونشيطا وحريصا على مصلحته ومصلحة وطنه؟ ألا يحتاج الى المهندس الزراعى؟ الى خبير الحشرات؟ الى مهندس الرى؟ الى المزارع؟ الى العامل الزراعى؟ الى المحولجى؟ الى مهندس الغزل والنسيج؟ الى عامل السكة حديد؟ الى سائق الرافعة فى الميناء للتصدير؟ هذه سلسلة مترابطة اذا انفكت عقدة منها انهارت وأثرت على كل الحركة داخلها. فاذا أضفنا اليها حلقة أخرى أصبحت أكثر تعقيدا وأصبحنا أكثر حاجة لها. ألا يحتاج هذه المفتش الزراعى الى زوجة تخفف عنه ضغوط العمل وتجهيز بيته وطعامه؟ ألا يحتاج الى المدرس ليعلم أبناءه؟ ألا يحتاج الى الطبيب ليداوى له أمراضه وأمراض عائلته وأقاربه؟ ألا يحتاج الى التاجر ليوفر له احتياجاته المصنعة؟ ألا يحتاج الى المزارع لتوفير ما يحتاجه من خضار؟ ألا يحتاج الى السياسى لينظم له علاقاته مع كل هؤلاء ومع آخرين فى دول أخرى عبر الدبلوماسية؟؟؟؟؟ كل هذه السلاسل تحتم علينا احترام الآخر واحترام وجهة نظره ولن يكون ذلك سهلا اذا انعدمت الديموقراطية.
حل المشكلة المتأزمة فى السودان تحتاج قبل النموذج الجيد للانطلاق الى عزيمة سياسية ترفض كل أشكال التمايز الناتجة عن التعدد فى المجتمع السودانى. وبجانب هذا هناك أيضا مساوئ التجربة التاريخية التى مرت على البلاد من جراء الاستعمار الأول وما خلفه من ذكريات مرة وأليمة فى ألعن تجارة عرفتها البشرية وهى تجارة الرقيق. دول العالم فى وقتنا المعاصر تتبع سياسة تمنع عزل الدول والمجتمعات عن بعضها البعض فى عالم أصبح من ناحية الاتصال وسرعة المعلومات أقرب الى وضعية قرية صغيرة يقطنها أفراد أسرة ممتدة. فهل نستطيع كسودانيين أن نكون جزءا من العالم فى التجارة الدولية وفى استيراد التكنولوجيا ونحتفظ مع ذلك بخصوصيتنا الثقافية المتعددة؟؟ لقد نجحت اليابان فى السابق أن تحقق تنميتها من خلال عزلها لنفسها فى المجالات الثقافية ولكنها كانت جزءا من العالم خاصة الغربى فيما يتعلق بالتجارة والتكنولوجيا. نحن فى السودان ومن خلال ما قدمناه فى هذا الجزء من الدراسة نجد أنفسنا بعيدا عن التجربة اليابانية ليس فقط لأن الانسان السودانى أقل استجابة للمستحدثات من قيم الحداثة والعصرنة ولكن كغيرنا من دول أفريقيا المستعمرة من قبل تنوء بتاريخ فيه من القهر النفسى ما يجعل الانسان فيها يحتاج أولا الى بناء شخصيته ورمى مخلفات الماضى المرتبط بالضعف والهوان الذى انزرع داخلنا نتيجة للاستعمارين الأول والثانى من جهة والى الظلم المنتظم الذى يمارسه الحاكم "الوطنى" بعدهما. بمعنى آخر اننا نحتاج الى ازالة العاهة السايكولوجية المرتبطة عضويا بطرفى الاستعمار الثانى ثم بناء هذه الشخصية فى مناخ معافى يعزز تغلغل مكونات المجتمع السودانى المتعددة دون أن يكون لذلك انفلات نحو أى منها يقلل أو يهمش الآخر.
ثانيا، اعادة تقييم تاريخ السودان الاجتماعى والسياسى:
هناك فشل واضح فى معرفة ماضينا الاجتماعى والثقافى لأسباب ترجع فى جانب منها الى أن هذا التاريخ قد تم تزويره عندما كتب بأيد المخابرات والتى أصبحت المصدر الأساسى للدراسات فيما بعد، وفى جانب آخر يرجع الى النظرة الآحادية المتأثرة بالآيديولوجى والسياسى للباحث. وحتى بعد استقلال البلاد ما زالت هذه النظرة الأحادية تتحكم فى كتابة تاريخنا السياسى فكل عهد ينفى سابقه وكأن التاريخ بدأ به. كل التجارب الفاشلة لكل عهد سماها قمة الوطنية فى الانجاز ولكن نتائج الفشل لتلك التجارب الفاشلة لا يعترف بدوره فى صنعها ويرجعها الى طابور خامس خائن وعميل. التجزر فى العقلية الاستعمارية لدى الأفندى فى الخدمة المدنية هى المسئولة عن شطب الآخرين من تاريخ بلادنا فعندما جاء المستعمر الانجليزى "المتحضر" كما قال أحد الكتاب السودانيين وهو ينتقد الثورة المهدية ويصف قادتها بالتخلف، "أنه جاء لينقذ أهل السودان من أنفسهم" وهو ما يقوله كل حاكم سودانى ويتبعه فى القول أهل الخدمة المدنية فيمسحون ما وجدوه لنبدأ من جديد كتابة تاريخنا. من هنا نحتاج الى الشجاعة فى ازالة ما تلوث فى ماضينا من جراء الكذب على أنفسنا لنكتشف ماضينا ولنعترف بأخطائنا فيه خاصة ذلك المتعلق بظلم الجماعات وما نتج عنه من ظلم اقتصادى واجتماعى. الاعتزار الذى تفضل به الصادق المهدى لتقديمه لأهل الجنوب عما بدر من أهل الشمال خطوة فى الطريق ولكنها ليست كافية ولابد أن تشمل كل أطراف السودان وعلى وجه الخصوص غرب السودان الذى عانى انسانه فترة الاستعمار تهميشا بسبب دوره فى الثورة المهدية واهمل من قبل أهل الشمال بما فيهم المنتمين الى الثورة المهدية فى خدمات التعليم والصحة والتنمية وغيرها. اعترافنا بهذا الظلم سيقشع عنا الظلام وسيفتح أمامنا المستقبل لأنه سيظهر الشمس لنتعرف على الحاضر برؤية واضحة وواثقة.
تعجبنى فى هذا المجال شجاعة منصور خالد وهو يعترف بأخطائه عندما كان من ضمن "الفوج" الذى يعير لقيادة مايو اهتماما ويزين له ما يقوم به فى تدمير بلاده ولكن ما فعله ويفعله فى السنوات الأخيرة من كشف المظالم والوقوف بجانب المظلوم من أهل السودان قد شفع له أمام الكثير من المثقفين. فليس من السهل الاعتراف بالخطأ وأصعب منه أن تقف بجانب المظلوم أمام الظالم. وهو أمر ابتعد عنه الكثير من المثاقفة وحارقى البخور لمايو وقائدها وكما قال منصور "كانت هناك أرتال من حملة المباخر، وصفوف من حارقى البخور داخل "الهيكل وحول "الصنم" وجيش جرار من "وزراء وسفراء الظل" منهم المبايعون ومنهم العاكفون ومنهم الركع السجود. هؤلاء ظلوا يتزاحمون حول الهيكل فى انتظار التوزير والتسفير حتى بعد أن صار الظل ظلا من يحموم لا بارد ولا كريم."
تحيات
الكمالي
الكمالي
02-05-2009, - 10:26 PM
الوطنية والهوية السودانية (2-9) ...
بقلم : د.عبد الله محمد قسم السيد/ السويد
المتخيل المعلن والمسكوت عنه فى المجتمع السودانى
الدعوة التى تتبناها سودانايل للتفاكر الجاد حول مستقبل السودان دعوة كريمة تستحق عليها والتقدير بجانب المشاركة فى ابداء الرأى حول ذلك المستقبل. ولما كان المستقبل هو فى الأصل انطلاقا من الماضى باعتبار جذوره التى يرتكز عليها والتى تغذيه بكل عناصر البقاء والاستمرارية كان لابد لأى محاولة لفهم الحاضر وتشكيل للمستقبل أن ترجع الى ذلك الماضى لتغربله وتصفيه مما تعلق فيه أو علق عليه من شوائب تحتاج الى ازالة قبل الانطلاق. استجابة لهذه الدعوة هذه محاولة لزيارة الماضى لربطه بالحاضر والمستقبل راجيا أن تجد من النقد البناء مفتاحا لباب طالما قفلناه بالطيبة المقرونة بالامبالاة والقدسية المفتعلة كان لفترتى قبل وما بعد الاستقلال فى 1956م .
اشارات نظرية فى اطار الاثنية والثقافة :-
هذا الجزء من الدراسة يهتم بالجانب النظرى المتعلق بالثقافة والاثنية كما يهتم بتحليل العلاقة بين الفرد والمجتمع وهى العلاقة التى نصفها بالهوية، وقبل تناولنا لذلك يجدر بنا أن نحدد المفاهيم التى تقوم عليها هذه الهوية خاصة أن السودان بوضعه الجغرافى الحالى ضم بين جنباته تاريخيا تعددا ثقافيا واثنيا ساهم بصورة كبيرة فى استقراره وتعايشه ولم يشكل ذلك التعدد عدم استقرار مجتمعى الا بعد استقلال السودان وخاصة بعد طرح الحركة الاسلامية لمشروعها "الحضارى" الهادف الى فرض الهوية العربية الاسلامية على كل أهل البلاد. كذلك وحتى تكتمل عناصر التحليل للهوية السودانية فان البعد الخارجى المتمثل فى الاستعمار بنوعيه القديم والحديث يصبح ذو أهمية كبيرة بل وأساسية فى تعريف المواطن والوطنية لأنهما مفهومان لا ينفصلان عن مفهوم الهوية بحكم تداخلهما. بعد تحديدنا للمفاهيم سنقوم باعادة قراءة التاريخ السودانى فى ضوء تلك المفاهيم لنحدد كيف أن التعدد الموجود فى السابق لم يؤد الى تفكك المجتمع بل الى مزيد من التكاتف والتعاضد رغم الصعوبات الكثيرة مثل صعوبة المواصلات والاتصال فى بلد مترامى الأطراف وانتشار الجهل القائم على تعريف الأمية بالقراءة والكتابة الذى ساد وسط كل مجموعاته البشرية من جانب، وكيف أدى هذا التعدد فى نهاية القرن العشرين الى عدم استقرار مجتمعى كاد أن يقسمه رغم التقدم الهائل فى وسائل الاتصال والمواصلات من جهة وانخفاض نسبة الأمية حسب التعريف أعلاه من جهة ثانية.
قبل الدخول فى بحث تلك التعريفات أحب أن أشير الى أن ادريس سالم سجل ملاحظة جديرة بالاهتمام ذات أهمية كبيرة لهذه الدراسة. يقول ادريس سالم مستندا على عبد الغفار محمد أحمد ومحمد عمر بشير أن قضايا التنوع الثقافى فى السودان انصب فى العلاقة بين الجنوب والشمال وانحصر فى الاطار السياسى مما ترتب عليه عدم النظر بعمق فى غيره من جوانب موضوعية مرتبطة به وخارج نطاق هذه العلاقة بين الجنوب والشمال. هذه الظاهرة لم تقتصر على تشكيل الواقع المعاصر من منظور الباحث السودانى ولكن تمتد تاريخيا للوراء ليتشكل بها تعدد المجتمع السودانى فى العهود السابقة وفق رؤيته السياسية والايديولوجية دون النظر الى الاختلافات الزمنية والمكانية التى اتوجد فيها ذلك التعدد والسبب فى ذلك هو الانسياق وراء افتراض تصوره له رؤيته السياسية أو الآيديولوجية ووفق منظور منهجى وضعه الكاتب يريد أن يحقق من خلاله تصوره المسبق والذى له مرامى وأهداف سياسية وآيديولوجية آنية. بمعنى آخر تتشكيل رؤية المجتمع فى الزمان الماضى وفق البعد السياسيى المعاصر بهدف التشويه والاحراج للأطراف السياسية الأخرى المنافسة والتى يعتقد الباحث بأنها تتجذر فى الماضى وبالتالى هدمها يحتاج الى قلعها من جذورها لهذ فان البعض استنادا على الرؤية المسبقة دخل الى التاريخ السودانى حاملا معول الهدم الآيديولوجى لازالته وهو فى النهاية يقصد وضعه الاجتماعى المعاصر. حمل المعول هذا فى تاريخنا المعاصر رجالات المخابرات وشكلوا وزوروا كثيرا فيه ليس فقط فى الأحداث وانما فى الوصل بين تلك الأحداث والتحليل المنبثق عنها مما أفرز تناقضا كبيرا يستوجب وقوفنا عنده واعادة البحث فيه وفق المنطق والعقلانية.
عدم التوازن فى التفكير لدى العقلية السودانية الحديثة ناتج من الخلط المتعمد بين ما هو ثقافى وسياسى وفكرى ليس فقط لدىالتيارات العربية الاسلامية ولكن لدى المثقف العادى والمفكر الأكاديمى والسياسى على مستوى الجامعات وكل التيارات السياسية الأخرى. ان أشهر الدارسين الأكاديمييين للهوية السودانية أي للعلاقة بين المجموعات الاثنية المختلفة القاطنة فى السودان كوحدة جغرافية سياسية واحدة، أقاموا دراساتهم على أساس سياسى آيديولوجى ولم يتعرضوا الى الجوانب الثقافية والاجتماعية الا اذا حققت لهم أغراضهم السياسية والآيديولوجية. عبدالغفار محمد أحمد وسامية التقر يقفان الى حد كبير خارج اطار مثل هؤلاء الأكاديميين اذ جاءت كتاباتهما شاملة لما هو ثقافى واجتماعى كما فى مثلا دراسة عبدالغفار "عن رفاعة الهوى" ودراسته "السودان والوحدة فىالتنوع" ودراسته مع سامية النقر "السودان: مستقبل التنمية والسلام". سنحاول فى دراستنا هذه التعرض بالنقد لأهم ما جاء فى دراسات عبدالغفار محمد أحمد عن الوضع الاجتماعى الثقافى فى السودان ورؤيته حول الوحدة الوطنية. أما تلك الدراسات التى تقف ضد التوجه العربى الاسلامى وهى فى الغالب دراسات تؤكد على البعد الأفريقى وكرد فعل خاصة فى فترة فرض "المشروع الحضارى"، تعمل على ازالة كل ما هو عربى واسلامى الأمر الذى قاد فى النهاية الى وضع الثقافة العربية والاسلام فى موقع المسبب للأزمة السودانية. فهذا الطرح الذى يقوده التيار الاسلامى والعروبى عموما ( يشاركهم فى جانب من هذا التيار وهو الجزء العروبى من يختلف معهم سياسيا وآيديولوجيا) حول الاسلام الى عقيدة سياسية نافية للآخر مما يتنافى مع روح الاسلام نفسه كونه دين يقوم على التعدد الدينى والثقافى ولا يفضل انسان على آخر بسبب اللون أو العرق ولكن بالتقوى. رد الفعل لهذا التيار جاء من عنصرين: الأول يعتنق الدين الاسلامى كعقيدة ولكنه لا ينتمى الى العروبة من ناحية العرق بل من ناحية الثقافة فى معناها السودانى حيث اختلطت فيها الثقافة العربية بالثقافات السودانية تحت التأثير الاسلامى. والعنصر الثانى يعتنق الدين المسيحى بجانب ما يعرف الآن بكريم المعتقدات وهى الديانات الأفريقية المحلية وهو تيار صافى الجذور العرقية الافريقية حيث لم يختلط بالدم العربي. بعض الأكاديميين الأجانب الذين اهتموا بهذا النوع من الدراسات السودانية لم تخرج رؤيتهم عن الاطار السياسى الآيديولوجى رغم محاولات التركيز على الجوانب الاجتماعية والثقافية مثل أوفاهى فى دراسته عن الاثنية والاسلام ويوشيكو يوريتو فى دراستها عن حركة 1924م كما سنوضح فى الجزء التالى من هذه الدراسة.
مما تقدم تضح أهمية طرح موضوع الهوية السودانية وما يرتبط بها من مفاهيم بعيدا عن كل انفعالات سياسية وآيديولوجية من أجل وحدة السودان أولا ثم تنميته من خلال نظام ديموقراطى يضمن مشاركة الجميع فى تلك التنمية ثانيا . نظرا لارتباط مفهوم الهوية بمفاهيم أخرى مثل الاثنية والقومية والثقافة فاننا نفضل تعريف هذه المفاهيم أولا قبل الدخول فى مناقشات قد تدخلنا فى تعقيدات يصعب معها الوصول الى ما نهدف اليه فى هذه الدراسة دون تحديدها.
الاثنية:-
مصطلح اثنى واثنية يعتبر مصطلحا جديدا فى الدراسات الأنثروبولوجية ولكنه سرعان ما وجد طريقه ليشمل كل العلوم الاجتماعية: علم الاجتماع والتاريخ والسياسة والاعلام ولكنه مع الأخيرين وبحكم التطور الهائل فى الاعلام أصبح المصطلح يأخذ الطابع السلبى حين تم عرض الصراعات البشرية على المستوى المحلى والاقليمى والدولى بأن الاثنية هى السبب. اهتمام علماء الأنثروبولوجيا والتاريخ بظاهرة القومية والأمة والدولة القومية أضاف الكثير الى مفهوم الاثنية على الرغم من الأبعاد الآيديولوجية التى تحكمه. فالدولة لقومية كما ظهرت فى منتصف القرن العشرين قامت على أنماط وسلوك وبرامج تحكمها آيديولوجية بغرض حفظ مصالح الأمة الاقتصادية والثقافية والسياسية. ولما كانت التوجهات آيديولوجية فقد تم افتراض وجود وعى لدى هذه الأمة من قبل الفئة الحاكمة وأن عليها بحكم هذا الافتراض صيانة تلك المصالح. بهذا فان مفهوم القومية تم اختراعه ليخدم أغراضا ويؤدى وظائف معينة بنفس الصورة التى يتم بها خلق الاثنيات سياسيا لهذا فان بناء الأمم الحديثة يجب ربطه بالدور التكوينى للمجتمع الاثنى لما قبل الحديث. ان النقاش حول القومية والدولة القومية فى الأساس يرتبط بالنقاش حول البناء الاجتماعى للمجتمعات "التقليدية" والتى تم اختراعها من قبل المستعمر ليمرر بها سياساته الرامية الى تحقيق مصالحه. مثلا لقد تم اختراع مفهوم القومية العربية من قبل بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى وذلك لدعم العرب للوقوف ضد تركيا ووعدهم لهم بتكوين دولة عربية واحدة من المحيط الى الخليج. غير أن بريطانيا وكعهد قادتها لم تف فقط بوعدها وانما قامت بزرع دولة يهودية داخل الأرض العربية ما زالت تمثل أكبر خطر يواجه العرب.
فاذا أخذنا هذا المفهوم "الاثنية" فى الوضع الأفريقى عامة والواقع السودانى الحالى على وجه الخصوص فان ذلك يعنى أن "التقليدية" بدأت تظهر من جديد مما يترتب عليها سلبيات كبيرة فى داخل المجتمع تقوم على آيديولوجى سياسى. يشير دو تويت فى مقدمة كتاب "الاثنية فى أفريقيا الحديثة" الى أن الباحثين استخدوا مصطلح اثنى واثنية بطرق مختلفة وبتحليل مختلف كل عن الآخر نتيجة لعدم وضوح التعريف حيث أنه ينطلق من بعد آيديولوجى. وبالتالى فى رأيه أن مثل هذا التعريف يشير الى خصائص ومواقف أؤلئك الذين يعتبرون أنفسهم ويعتبرون من قبل الآخرين بأنهم يشكلون جماعة اثنية مختلفة. انطلاقا مما يرد فى هذه الدراسة واستنادا على أنه اليوم هناك اتفاق عام على أن الاثنية شكل من أشكال الوعى بالذات حول المظاهر الثقافية وذات ديناميكية ولكنها محاصرة بالبعد الآيديولوجى، فقد تم تعريفها على أنها وحدة أو جماعة من السكان يربط بين أفرادها أنهم منحدرون من أصل واحد ويقطنون فى موقع جغرافى ويشتركون فى اللغة والدين.
وهى بهذا الفهم تكون أقرب الى مفهوم العائلة والقبيلة فى الدراسات الأنثروبولوجية التى اعتبرت أن مثل هذه الوحدات الاجتماعية عاشت لفترات تاريخية طويلة معزولة عما حولها وهو أمر اذا ما اعدنا النظر فيه فى ضوء التصورات التى قادت الى مثل هذا القول لوجدنا أنه لا توجد كما لم توجد مجموعات بشرية مهما صغر حجمها بعيدة عن التأثير والتأثر من خارجها. فقد كان هذا القول يرجع الى عوامل استعمارية بحتة حين صور علماء الأنثروبولوجيا وهم الذراع العلمى الذى اعتمد عليه الاستعمار فى تسهيل مهمته فى اخضاع الشعوب، على أن هذه الشعوب معزولة وبدائية تفتقد الى الحضارة الانسانية وبالتالى على الانسان الأبيض أن يعمل على انتشال هذه الشعوب من ظلام الجهل وقهر الطبيعة. مثل هذا الفهم يوضح لنا أيضا لماذا ظهر هذا المفهوم الاثنى حديثا ليحل محل مصطلح القبيلة والذى بدا يغزوا الكثير من مدن السودان بعد موجات الهجرة الجماعية والقسرية بسبب انتشار الحرب والمجاعات فى معظم انحاء السودان خلال العقدين الأخيرين من نهاية القرن العشرين. فالقبيلة كوحدة تنظيم اجتماعى يقوم على الانحدار من أصل واحد ويربط بين أفرادها الشعور بالانتماء لا يختلف عن مفهوم الاثنية الا فى أنه قد يكون أكبر حجما من ناحية العدد ويختلف عنه فى أن القبيلة قد ينتمى اليها أفراد من خارجها لأسباب عديدة من أهمها الأسر والهجرة أثناء وبعد الحروب والجفاف والتى تجعل الأسرى والمهاجرين خاصة الذين يقطنون لفترات طويلة جزءا من القبيلة المنتصرة أو المهاجر اليها. التطور المستمر فى الحياة البشرية المتمثل فى الاختراعات التكنولوجية بجانب الهجرات البشرية عبر المكان لأسباب عسكرية أو اقتصادية زاد من اختلاط الجماعات البشرية ومن درجة تفاعلاتها ثقافيا خاصة فى أوقات السلم. هذا التفاعل الثقافى أدخل عنصرا جديدا على مفهوم القبيلة أو ان شئت المفهوم الاثنى، وهو العنصر الثقافى بجانب عنصر الانتماء العرقى. بدخول هذا العنصر ونسبة لامكانية أن تكون الجماعة الاثنية موزعة فى عدة مناطق جغراقية متقاربة أو متباعدة تتحول هذه الاثنية الى مجموعة قومية يكون لها تصور لتاريخها الجماعى تستطيع أن ترسم من خلاله أهدافا تسعى لتحقيقها والتى قد تكون ثقافية كما تحكى الروابط الثقافية فى الجامعات السودانية أو اقتصادية كما هو الوضع عند الزغاوة فى غرب السودان أو سياسية وهو الهدف الذى تسعى له معظم الجماعات الاثنية فى الفترة التى تلت انقلاب الحركة الاسلامية وبداية تطبيق "مشروعها الحضارى". فقد انضمت الى التجمع الوطنى الديموقراطى كل اثنيات السودان المعارضة لنظام الحركة الاسلامية بهدف ازالة الظلم الواقع عليها من جراء الهيمنة للقوى الحاكمة والتى تدعى انتمائها الى العنصر العربى حيث رأت هذه الاثنيات أن "المشروع الحضارى" لحكومة الحركة الاسلامية ما هو الا تكريس لهيمنة العنصر العربى الاقتصادية والسياسية على السودان. هذه الرؤية للاثنية لا تختلف كثيرا عن مفهوم القومية الا فى أنها أصغر حجما وأقل عددا كما أنها ألصق بالتركيب النفسى والمزاج الاجتماعى من القومية.
بناء الهوية حقيقة واقعية معاشة لدى كل المجموعات البشرية القديمة والحديثة، فهى توجد فى الدول التى نطلق عليها متحضرة ويقصد بها دائما دول الغرب بدلا عن متقدمة تكنولوجيا اذ هناك فرق كبير بين الحضارة والتقدم بالرغم من العلاقة التى تربطهما، كما توجد فى الدول غير المتحضرة وهى دائما دول القارات المستعمرة من قبل الغرب سابقا وهى تسمية ليست دقيقة وأفضل منها كلمة أقل تقدما تكنولوجيا لأن الحضارة نشأت أساسا فى هذه القارات قبل الحضارة الغربية. الهوية ليست جوهرا ثابتا أو بناء تابعا يمكن اعادة تشكيله كما أنها ليست فئة اجتماعية وسياسية يمكن استخدامها أو تهميشها حسب الضرورة ولكنها حقيقة طبيعية وان بدت كنتيجة لنشاط عملى. فالناس يعيشون مع الهوية وبها بل ويموتون من أجلها فى التاريخ القديم أو الحديث وهذه هى قمة الحقيقة الانسانية. ولكن الاستعمار حتى يستقلها فى سياسته "فرق تسد" خلق لها وعيا سلبيا وذلك بأن جعل نظمه الادارية والأمنية قائمة على تلك الاثنيات بعد أن ضم مناطق مختلفة ثقافيا وأقام عليها آخرين من اثنيات أخرى. هذا هو الأمر الذى ساعد مختلف الاثنيات لتتصارع فيما بينها وتظهر على أن الاثنية كنظام قديم بالى هو السبب فى التخلف. فمثلا فى السودان ركز المستعمر التعليم فى مناطق معينة وداخل هذه المناطق حكره على فئة دون الآخرين. وأقام الحاكم الادارى من الشمال على كافة أرجاء البلاد وعين الضباط فى قوى دفاع السودان من الذين ضمن ولاءهم من الشمال بينما معظم الجنود من فئات أخرى. أما التاجر وصاحب الأرض الزراعية فى مشاريع انتاج القطن فمن فئات معروفة بالولاء بينما العمال الزراعيون يجلبون من خارج تلك المشاريع كل موسم عن طريق مناديب. تقسيم العمل هذا والذى يظهر التفاوت المقصود من قبل المستعمر استمر حتى بعد زواله مما كان له أثر كبير على زيادة الكراهية والحقد بين المناطق خاصة فى الفترة الأخيرة.
النقاش حول العوامل المتخيلة والمبنية للثقافة والهوية والتنوع والاختلاف ملبدا ومليئا بالمشاكل خاصة أنها ليست ثابتة وفى حراك متواصل. هذه العوامل تلعب دورا فعالا فى حياة الفرد والجماعة عندما يعطيها المجتمع معانى تستند على القوانين والنظم لتخدم أغراض وأهداف الفئة الحاكمة وبالتالى فان الهوية لأى مجموعة لا يمكن فهمها بصورة صحيحة فى غياب عنصر القوة. فمثلا التاريخ السودانى الحديث يؤكد لنا تغير فعالية مجموعة اثنية من وقت لآخر لأنها " تتأثر بتغير المحيط الاجتماعى والسياسى الذى تعمل داخله، فكم من جماعة اثنية اضمحل دورها أو تعاظم لأن الظروف القطرية أو الاقليمية أو العالمية تغيرت بتغير الأوضاع السياسية أو ظهور تكنولوجيا مؤثرة أو تبدل فى وسائل علاقات الانتاج." حدث مثل هذا التحول فى تاريخ السودان عند قبائل الفونج والهمج فى مناطق الجزيرة وجنوب النيل الأزرق حيث اختفت هويتهم لتحل محلها الهوية العربية الاسلامية نتيجة للغزو التركى المصرى وما صاحبه من تعسف عرقى بسبب تجارة الرقيق التى قام بها هذا المستعمر وما تلى ذلك من هيمنة اقتصادية من قبل العنصر العربى الاسلامى. بمعنى آخر كان لوجود قوى اقتصادية واجتماعية تدعمها قوى استعمارية دور كبير فى تحول اثنية الفونج والهمج الى الهوية العربية الاسلامية . وبعد اضمحلال هذه القوى نتيجة للوعى العام فيما يتعلق بتهميش أطراف السودان تنمويا بكل أبعاد هذا المصطلح وفى نهايات القرن العشرين وتحت التوجهات السياسية للحركة الاسلامية فى فرض الهوية العربية الاسلامية دخلت قبائل الهمج والفونج فى جنوب شرق السودان والبجة فى شرقه بجانب قبائل النوبة فى الوسط وبعض قبائل الفور فى الغرب مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ومن ثم الانضمام الى قوى التجمع الوطنى الديموقراطى المعارض للحكومة كقوى منفصلة ومستقلة، بدأت هذه القبائل ترجع الى هوياتها السابقة تحت ضغوط عوامل سياسية قبل أن تكون عوامل ثقافية واجتماعية .
تحيات
الكمالي
الكمالي
02-05-2009, - 10:29 PM
الوطنية والهوية السودانية (3-9) ...
بقلم : د.عبد الله محمد قسم السيد/السويد
المتخيل المعلن والمسكوت عنه فى المجتمع السودانى
الثقافة :-
تعريف الثقافة والمثقف لم يجد له نصيبا فى التحديد القاطع اذ أصاب المفهوم غموضا كبيرا وارتبطت به علات عديدة خاصة فى مجتمعنا السودانى منها الاستعلاء ونقيضه الدونى للآخر حتى قيل ان أحدا قال "انه لا يسمع كلمة الثقافة أو المثقف الا أخذ عكازته". ورغم هذا الغموض فى مفهوم الثقافة الا أن هناك تعريفان يكاد يجمع عليهما الكل: الأول شامل يضم كل المتعلمين وفى كل الاختصاصات ويتبع ذلك مفهوم المثقف أى المتعلم الذى يعمل بذهنه أكثر من يديه. ويكون بالتالى الشخص الذى يعمل بيديه غير مثقف حتى لو كان متعلما اذ أن كثيرا من المهن تتطلب العمل باليد حتى لو كان الشخص حاصلا على أعلى درجات العلم. فمثلا المهندس بتخصصاته المختلفة المدنى والميكانيكى والزراعى والكهربى وغيره لابد له من العمل بيديه بجانب عمله الذهنى لهذا فان هذا التعريف لا يكون شاملا. التعريف الثانى هو المتعلق بالفن والرسم والنحت والتصوير والغناء أى بكل ما تعارف عليه الناس من الجماليات. هذا التعريف ليس كافيا أيضا اذ أن معظم فئآت المجتمع تخرجهم من التثقيف والثقافة . لهذا لابد من تعريف جامع مانع يشمل كل تخصصات المجتمع ذهنية كانت أم عملية ولا تحصره على الذى نال التعليم فالكثير من الذين نالوا حظا من التعليم قد لايعرفون من الثقافة غير اسمها والكثير أيضا من الذين لم ينالوا حظا من التعليم أصبح لهم من المكانة فى مجالهم ما بذ من معهم فى ذلك المجال. لنأخذ مثالا واحدا لذلك ونستشهد بالفنان السودانى الراحل ابراهيم الكاشف فعلي الرغم من أنه لم يدرس موسيقى بل ولا يعرف القراءة والكتابة الا أن ما ألفه من نوت موسيقية أصبحت تدرس الآن فى معهد الموسيقى بالخرطوم .
لهذا فانى وفى صورة مبسطة أعرف الثقافة بأنها الطريقة التى ينظم ويدير بها مجتمع ما نفسه وتميزه عن المجتمعات الأخرى . ينطلق هذا المفهوم من أن الثقافة تتكون من مجموعة معقدة ومتحركة من قيم ومعتقدات ونظم وأنماط فكرية طورها المجتمع عبر وجوده الزمنى والمكانى ليؤكد بها بقاءه فى بيئة طبيعية وبشرية خاصة به. الأفراد فى هذا المجتمع ليسوا فقط متأثرين بثقافته ولكنهم يساهمون فى تشكيل تلك الثقافة حسب مكانة الفرد الاجتماعية داخل النظام الهرمى والذى يحدد وجوده والمجموعة التى ينتمى اليها على أساس قوتها الاقتصادية. هذه المكانة الاجتماعية تتحدد عبر تداخلات معقدة من "الممتلكات والدخل والتعليم والمهنة بجانب عوامل أخرى مثل الاثنية والجنس والمواطنة والهوية". بهذه المحددات للثقافة والعوامل التى تؤثر فيها فان الثقافة الناشئة فى المجتمع تكون هى الثقافة التى تعكسها مرآة المجموعة التى تستأثر بالقوة الاقتصادية والسياسية فى المجتمع، خاصة تلك المتعلقة بالنظم والمعايير والقيم والتوقعات. حيث أن هذه المعانى هى التى تصبح السائدة أو تعتبر معايير للمجتمع يقاس عليها وجود الآخر. بمعنى آخر تكون هذه القيم والمعايير والنظم هى المتخفية وغير المرئية باعتبار أنها المعايير المتعارف عليها للمجتمع وبالتالى يصبح حاملوها ليس لهم ثقافة لأن تصرفاتهم وسلوكياتهم هى المتوقعة والمتعارف عليها وتكون عناصر ثقافة الآخر هى المرئية باعتبار أنها ثقافة شاذة عن المعيار المتعارف عليه وأن سلوك وتصرف حاملها غير متوقع فى نظر ثقافة الأغلبية أو ثقافة الفئة ذات القوة الاقتصادية والسياسية.
لنضرب مثال على ذلك ينطلق من احدى المدارس فى منطقة جبال النوبة. ففى الفترة التى تلت اعلان الحركة الاسلامية لتطبيق الشريعة الاسلامية أصدر مدير المدرسة بيانا يأمر فيه الطلاب بعدم شرب المريسة (نوع من الجعة المحلية) باعتبار أنها من المسكرات فى تصوره المنطلق أولا من الثقافة العربية الاسلامية وثانيا من البعد الآيديولوجى والسياسى للنظام السياسى الحاكم. مدير المدرسة قبل اعلان تطبيق الشريعة لم يكن يرى المريسة شرابا مسكرا وحراما ولكنه قد يراها أمرا غير متعارف فى ثقافته العربية الاسلامية السائدة فى أواسط السودان . أما بالنسبة للتلاميذ وأهاليهم فى مناطق جبال النوبة فالمريسة جزء من عاداتهم وثقافتهم فبدلا من تناول افطار يحتوى على عصيدة وادام وهو غالب قوت أهل أواسط السودان فالفرد منهم يتناول هذه المريسة المصنوعة من نفس المواد ولكنها أقل تماسكا بل أقرب الى أن تكون سائلة ولا يضاف اليها ادام. بجانب ذلك فهو يتناولها فى الصباح الباكر وغالبا قبل طلوع الشمس ليلحق بعمله فى الزراعة ولا تؤثر على عمله اذا كان عاملا أو فى دراسته اذا كان طالبا لأنه يعرف أنها غير مسكرة. بالنسبة للمدرس نجد التزامه وتمسكه بمنع المريسة لأنه وضع عليها قيمة معيارية ومن ثم رآها وحكم عليها من منظور صاح أو خطأ من المنظور السياسى العقائدى المنتمى اليه وليس من منظور المجتمع النوبى الذى يقطن أو يعمل فيه. أحد أصدقائى من جبال النوبة يحضر لدرجة الدكتوراة فى السويد عن المبيدات الحشرية وفى مناسبة سماية ابنى محمد والتى أصرت فيها حبوبته التى حضرت وضوع بنتها أن تعمل "شربوت" للسماية، أخبرنا أمام جمع من السودانيين وغيرهم من الحاضرين يومها بأنه لم يسمع بأن المريسة حرام الا عندما جاء الى الخرطوم لاكمال دراسته الجامعية بداية التسعينات من القرن العشرين .
تعريفنا للثقافة بأنها الطريقة التى ينظم ويدير بها المجتمع نفسه وتميزه عن المجتمعات الأخرى تقودنا الى ما حاولنا تبيانه فى هذه الدراسة وهو أن الكثير من الأفندية الذين ورثوا الحكم عن المستعمر واعتمادا على التعريف للثقافة القائم على التعليم ، خلقوا بينهم وبين مواطنيهم برزخا حضاريا وهميا أنتج فى داخلهم شعورا بالاستعلاء وبالتالى الاغتراب عن مجتمعهم واعتبروه مجتمعا متخلفا بنفس الصورة التى رآه بها المستعمر الانجليزى. لا يوجد فرق بين الانجليزى والسودانى الأفندى الا المتمثل فى أن الأول أجنبى والأخير "ابن بلد" لأن الهدف واحد فى الحالتين وهو استغلال المجتمع السودانى الذى يحكمه. تتجلى هذه الصورة فى كثير من الممارسات قبل الاستقلال والتى مارسها الأفندى وهو مفتشا صغيرا أو كاتبا مغمورا فى احدى دواوين الحكومة الاستعمارية فى احدى أريافه البعيدة والمهمشة أصلا. ولكنها أكثر وضوحا بعد الاستقلال حين آل كل الأمر السياسى والادارى والتربوى لهذا الأفندى حين أغفل كل ثقافات بلاده المتعددة باعتبارها ثقافات متخلفة ولا ترقى الى ذوقه هو كانسان متعلم. فبينما نستمع الى موسيقى الروك والجاز العالمية وما أنتجته الموسيقى العربية فى الاذاعة المرئية والمسموعة، لا نجد أثرا لأغانى أهلنا فى كل بقاع السودان فى الغرب أو فى الشرق أو فى الجنوب ما عدا فى الفترات الأخيرة. والسبب ليس لعدم وجود امكانيات مادية وفنية ولكن السبب هو النظرة الدونية التى تلف ذهنية الأفندى القائم على أمر وسائل الاعلام التى انحدرت له من نظرة المستعمر عن التخلف لكل ما لا يعتبر معيارا متناسبا مع ما اعتاد عليه أنه ثقافة أو ما لا يوافق مزاجه الشخصى. هذا "الأفندى" ومنذ تعليمه الابتدائى تربى على البعد عن مجتمعه طيلة فترة الاستعمار وحتى بعد ذلك واصل نظام التعليم فى تخريج نفس العقلية المتعالية التى لا ترى فيما ليس أوربى أو عربى اسلامى الهوى غير التخلف والازدراء.
التنوع العرقى والاثنى وعلاقتهما بالثقافة:-
ذكرنا قبل قليل أن الاثنية تعنى مجموعة من الأفراد ينحدرون من أصل واحد لهم تاريخ مشترك من القيم والرموز وفى بعض الأحيان الدين واللغة ولكن ليس بالضرورة، وهذا الانتماء يكون عبر أجيال ليس فقط بسبب دخول عناصر جديدة للمجموعة ولكن لآن أعضاء المجموعة طوروا مصالح تتطابق مع ثقافة المجموعة يدافعون ويحافظون عليها. أما المجموعة العرقية فهى مجموعة من الأفراد لهم سمات وتقاطيع بيولوجية تدل على عضوية الفرد للمجموعة وتدل على المعنى الاجتماعى لهذه العضوية فى المجتمع عامة. بالتالى فان العرقية تصبح الأساس للتوقعات بالنسبة للادوار الاجتماعية ولمستوى الانجاز والقيم والمعايير الخاصة بالمجموعة الاثنية ولغيرها فى نفس الوقت. الاثنية والعرقية تصبحان ذات أهمية كبيرة عندما تكتسب المجموعة وضعا اجتماعيا حسب سماتها الاجتماعية والبدنية. فالثقافة المؤسسة على الاثنية والعرقية لا علاقة لها بخصائص متوارثة ولكنها توجد كانعكاس للمعانى الاجتماعية التى تلحقها المجموعة لهذه الخصائص وللطرق التى يتعامل بها الأفراد والجماعات مع هذه المعانى. والأهم على وجه الخصوص المعانى التى تعطيها المجموعات لهذه الخصائص فى سياق المجتمع. انماط السلوك التى يطورها الأفراد كنتيجة لهذه المعانى الاجتماعية يرمز لها بثقافات المجموعات الاثنية أو العرقية. من جانب آخر فان مصطلح الأغلبية أو الأقلية يشير فى رأينا الى العلاقة النسبية للمجموعات فى بناء القوة داخل المجتمع. فالمجموعة القوية فى المجتمع هى التى تؤثر فى الوضع الاقتصادى والمشاركة الاجتماعية والسياسية للمجموعات الأخرى. وهذه القوة التى تؤثر بها لا تعتمد على العددية المجردة كما يظن من أول وهلة وانما تعتمد على تحكمها فى الأوضاع الاقتصادية والسياسية والعسكرية. أمثلة كثيرة نستطيع ذكرها لدعم ما نقوله ولكن أكتفى بذكر مثالين الأول يرجع الى التحول فى السلطة من النوبة والبجة عند احتكاكهم بالعرب القادمين اليهم هربا من قهر المماليك حيث رغم قلتهم العددية مقارنة بسكان النوبة استطاعوا احتكار السلطة أولا بواسطة ارث الأم المتعارف عليه وسط النوبة والبجة، وثانيا من خلال نفوذهم الاقتصادى الذى ارتبط بوضع اجتماعى عززه ادعاؤهم بانتمائهم الى الرسول (ص) وصحابته الكرام. المثال الثاني أسوقه من واقعنا المعاصر فعلى الرغم من قلة عدد المنتمين الى الحركة الاسلامية الا انهم استطاعوا فرض مشروعهم الهادف الى فرض الهوية العربية الاسلامية وذلك من خلال قوتهم العسكرية والاقتصادية. مثال أخير يمكن ملاحظته فى كل مجتمعات العالم قديما وحديثا وهو أنه وعلى الرغم من أن عدد النساء عامة أكثر عددا من الرجال فى أى مجتمع الا أن الرجال يمثلون الأغلبية الحقيقية فى ذلك المجتمع بسبب تحكمهم فى القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية وبهذا تكون النساء رغم كثرتهن العددية الا أنهن يمثلن الأقلية.
فى السودان خاصة فى الفترة الأخيرة تتم الاشارة الى المجموعات المهمشة ليقصد بها الأقليات التى تعيش خارج المركز أي بعيدا عن أواسط السودان على الرغم من أن هذه "الأقليات" قد تكون أكثر عددا من مناطق الوسط قبل الهجرات القسرية من تلك المناطق الى مدن أواسط السودان بعد الحرب المقدسة التى فرضتها الأقلية من المنضمين الى الحركة الاسلامية. المجموعات الأقلية أو المهمشة عادة تركب أو تبنى على أساس خصائص سلوكية واقتصادية وثقافية متصورة وينظر اليها بدونية فى المجتمع وتجد فى الغالب معاملة مختلفة أو سلبية مقارنة بما تعارف عليه المجتمع بأنهم أغلبية. وكما يقول أحد الباحثين اننا نستخدم العرق أو الاثنية لتحديد الموضع الاجتماعى لقوة شخص ما داخل المجتمع حيث أن أي مجتمع متعدد الاثنيات أو الأعراق يضع مقياسا اجتماعيا يكون معتمدا على الخط العام لثقافة المجتمع وأحساسه تجاه الأقلية بأنهم يختلفون عنهم ولذلك يكونون أبعد اجتماعيا منهم. تلعب الاثنية وكذلك العرق تاريخيا دورا مهما فى موضع الفرد فى المجتمع السودانى لهذا لابد من توضيح كيف يلعبان ذلك الدور فى حياة الأفراد من ناحية وفى انتاج الثقافة من ناحية أخرى. وحتى لا نضيع فى متاهات التاريخ وهو ملئ بالأمثلة التى تحقق ما نصبوا اليه من هذه الدراسة، فانى سأركز على الفترة التى تلت سقوط الدولة المهدية وحتى وقتنا الحاضر الذى شهد تحولات كبيرة وهامة فى "المشروع الحضارى" للانقاذ بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 فى أمريكا اذ أنه من الصعب جدا الحديث عنه الآن على أنه تابع للحركة الاسلامية بعد أن تنكرت الانقاذ لزعيمها حسن الترابى وتنكرت لمعظم مبادئه ولم تبق منه غير قهر القوة والعزة بالاثم.
أحد أسباب سقوط الدولة المهدية الرئيسية فى نظرى والتى لولاها لم يكن من السهل هزيمة الأنصار فى كررى ، يرجع الى الصراع الداخلى الذى قاده من يعتقد بأنه ينتمى الى اشراف الجزيرة العربية وأنه بذلك أحق بالحكم من الخليفة عبدالله . هذا التصور يحمل بين طياته رفض للأغلبية الحاكمة والتى اعتمد عليها الامام المهدى فى كل انتصاراته العسكرية على المستعمر المصرى التركى ، باعتبار أنها تنتمى الى أطراف السودان وتختلف عن مجموعات وسط السودان من ناحية البناء الجسمانى ولونه ومن ناحية اجادة اللغة العربية وان كان تشابهت معها فى المعتقد الدينى وهو الاسلام . صحيح ان سلاح المستعمر الانجليزى كان أحدث ولكنه وقتئذ لم يختلف كثيرا عن سلاح الحكم التركى المصرى والذى كان يقوده ضباط انجليز مثل هكس باشا أو أوروبيين مثل سلاطين باشا واستطاع الأنصار هزيمتهم فى كل المعارك دون استثناء ليحرروا السودان فى أقل من أربع سنوات نسبة لوحدتهم وايمانهم بقضيتهم. خلال الفترة الاستعمارية الثانية استطاعت قوى وسط وشمال السودان من اعادة سيطرتهم الاقتصادية والسياسية من خلال تعاونهم مع المستعمر . هذا التعاون مكنهم من التعليم ثم من الخدمة فى الادارة المدنية مما أكسبهم الخبرة الادارية التى مكنتهم من السيطرة على الحكم بعد الاستقلال. السيطرة على مقاليد الحكم وتمركز القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية داخل المجموعة التى ينتمون اليها جعلت ثقافتهم المسيطرة فى المجتمع والتى تم تصويرها على أنها المعيار الذى تبنى عليه تلك الثقافات وفرضوا عليها أي على ثقافات المجموعات المهمشة الأخرى الانصياع الى ثقافتهم. هذا هو الهدف الذى سعت اليه كل الحكومات الوطنية منذ الاستقلال وهى تعمل على بناء القومية السودانية من خلال فرض الثقافة العربية الاسلامية بقيمها ومعاييرها وعاداتها على كل المجموعات الأخرى. أي لدمج هذه المجموعات واستيعابها فى "المجتمع" والذى تمثله المجموعة التى تحمل ليس فقط الثقافة العربية الاسلامية وانما من يتماثل معها فى تفاصيل بنائه الجسمانى من الناحية العرقية. لا يلعب اللون هنا دورا كبيرا رغم أهميته ففى السودان كما يقولون "البطن بطرانه" أي أن تجد داخل أسرة من أب وأم لهما أربعة أبناء، ألوان مختلفة فى البشرة تمتد من الأسود الكاحل مرورا بالأسود الفاتح والأسمر ثم الأسمر الفاتح. وكما حدثنا أحد الظرفاء أن البعض وحتى لا يخرجهم من سلالة الأشراف سمى مثل هذه الأسر التى تحمل هذه التشكيلة من الألوان بـ "الأشراف الخدر".
العقدة العربية والهوية السودانية :-
ان الحديث عن الهوية السودانية هو حديث فى الأساس وفى نهايته المنطقية يكون خطابا لعلاقة الجانب الثقافى بالجانب الاجتماعى فى المجتمع وهو ما حاولنا تحديده فى حديثنا أعلاه عن العلاقة بين الاثنية والعرقية والثقافة. لقد سبقنا فى هذا الجانب الكثيرون على رأسهم عبدالغفار محمد أحمد الذى يصفه ادريس سالم بأنه "من أكثر الكتاب السودانيين المعاصرين انتاجا فكريا متميزا علميا وغير مرتهن الآنية السياسية (....) اذ أنه عندما يعالج القضايا الاجتماعيةالمختلفة يكون هدفه دائما مركزا على الجوانب الاقتصادية والسياسية على وجه الخصوص وكيف أن الاجتماعى الثقافى يتمحور حول الاقتصادى السياسى الذى يعطينا بدوره ديناميكيات الاستغلال بأشكالها المتعددة" لقد تناول الكثير من الكتاب كما قلت قضايا الهوية السودانية ولكنهم تناولوها من خلال أدلجة مسبقة تنطلق من مناهج ووسائل رغم أهميتها العلمية تحتاج الى ادخال البعد السودانى عليها حتى تتواكب مع بعدها المحلى والذى يختلف فى مكوناته الثقافية والاجتماعية وهو أمر يحمل فى داخله حيادية مطلوبة فى الدراسة. لقد ركز بعض الكتاب على أن الفئة الحاكمة فى السودان منذ الاستقلال عملت على تأكيد الهوية العربية الاسلامية من خلال النظام التعليمى بما فيه البعد الدينى وحتى يقوم التوازن المطلوب لاستقرار المجتمع فى نظرهم لابد بالتالى من اعادة بناء النظام التعليمى ليحمل معه الثقافات الأخرى. وعلى الرغم من أهمية مثل هذا الطرح الذى يحمل الاعتراف بثقافات الآخر الا أنه يحمل بعدا ايديولوجيا سياسيا لا يستند على التفاعلات الاجتماعية داخل المجتمع كما سنوضح لاحقا.
يتميز المجتمع السوداني بتنوع ثقافى يضم هويات عربية اسلامية واسلامية غير عربية، وهوية ثقافية أقريقية مسيحية وأفريقية غير مسيحية وغير مسلمة. تنقسم هذه الهويات المتعددة على 56 جماعة ذات أصول عرقية مختلفة تنقسم بدورها الى 597 مجموعة عرقية على مستوى السودان وتنطف عددا من اللغات يقارب ال 115 لغة ولهجة محلية أهمها اللغة العربية والدارفورية والنوبية والدينكا والنوير والشلك والبارى والزاندى. فى الجزء التالى من هذه الدراسة سنتناول تاريخيا مسألة الهوية السودانية ونبدأها بفترتى مجتمع دولتى الفونج والمهدية باعتبارهما تشكلان التقاء مكونات الدولة السودانية الحديثة من تعدد لغوى وثقافى ودينى ولنوضح الدور السلبى الذى تلعبه بعض الدراسات فى قراءة أحداث تاريخ المجتمع السودانى .
تحياتي
الكمالي
Powered بواسطة vBulletin™ Version 4.2.0 Copyright © 2013 vBulletin Solutions, TranZ بواسطة Almuhajir